الرئيسية / موضوعات / أحوال أهل يافا منذ النكبة وحتى الآن

أحوال أهل يافا منذ النكبة وحتى الآن

شهادة حيَّة

أحوال أهل يافا منذ النكبة وحتى الآن

عمر السِّكسك*

*رئيس رابطة رعاية شؤون عرب يافا. فلسطين

في عام النكبة هُجِّر 95%من سكان مدينة يافا وبقي 5% فقط يفتقرون إلى النخبة المثقفة وإلى القيادة الاجتماعية في ظل وجود جهاز تعليم متدن أدى إلى ظهور مشاكل اجتماعية صعبة. عشرات السنوات من الإقصاء والإهمال حولت يافا إلى مكان مقسم ذي حدود اجتماعية هشة، يندب ماضيه ويكافح من أجل البقاء. لا يوجد مجال اجتماعي أو سياسي أو إنساني إلا ونعاني منه ونتخبط بين أسلاكه الشائكة التي بمجرد ما أن نلامسها، نُجرح ونتألم وننزف ولا يتوقف النزيف، لأننا نضطر للمس تلك الأسلاك الشائكة يوميا وباستمرار.

 

يافا قبل النكبة

بلغت مساحة يافا قبل النكبة حوالي (17,510) دونم، وقُدر عدد سكانها عام 1947، (72,000) نسمة. وضمت سبعة أحياء رئيسة هي : البلدة القديمة، حي المنشية، حي العجمي، حي ارشيد، حي النزهة، حي الجبلية، وحي هريش (اهريش).

احتلت مدينة يافا مركزاً هاماً في التجارة الداخلية والخارجية بفضل وجود مينائها. كما قامت بها عدة صناعات أهمها: صناعة البلاط، والأسمنت، والسجائر، والورق، والزجاج، وسكب الحديد، والملابس والنسيج. وكانت أيضاً مركزاً متقدماً في صيد الأسماك. وقد بلغ عدد الورش والمصانع في يافا فبل نكبة 1948م ما يزيد عن 166 مؤسسة صناعية تركزت معظمها في شارعين أساسيين بالمدينة، هما: شارع الدرهلي الممتد من منطقة السكك الحديدية شمالاً وصولاً إلى شارع جمال بك جنوباً حيث تكثر فيه الصناعات الميكانيكية وصيانة السيارات ، وشارع يافا/القدس الذي تتجمع فيه العديد من المنشآت الصناعية. وكانت الأنشطة النقابية في مدينة يافا تسير بالتوازي مع التطور الاقتصادي للمدينة. ومن أبرز النقابات في المدينة مقر نقابة العمال الرئيسي والتي كان لها فروع في المدن الفلسطينية الأخرى.

                                            3 يافا 1963 ويظهر حي المنشية الذي دمره الاحتلال

منارة ثقافية

كانت مدينة يافا مركزاً للنشاط الثقافي والأدبي في فلسطين، حيث صدرت فيها معظم الصحف والمجلات الفلسطينية، وقد بلغ عدد الصحف والمجلات الصادرة والمطبوعة في مدينة يافا قبل النكبة 35 صحيفة ومجلة. ومن أبرز مظاهر النشاط الثقافي في مدينة يافا ظهور إذاعة الشرق الأدنى العربية والتي كانت تركز على الآداب والفنون، وقد بقي مقر الإذاعة في يافا حتى العام 1946م، وانتقلت للبث بعد ذلك من مدينة القدس إلى أن حلت نكبة فلسطين لتنتقل الإذاعة بعد ذلك إلى ليماسول بقبرص، وقد أتاحت هذه الإذاعة الفرصة لنمو بيئة الفن والفنانين في مدينة يافا كما عملت إذاعة الشرق الأدنى على استضافة كبار الأدباء والمفكرين أمثال: عباس العقاد، ود. طه حسين، وعلي الجارم وغيرهم من نوابغ الأدب والفن. وكانت يافا في هذه الفترة ملتقى للمشاهير من المطربين الكبار والممثلين الذين زاروا مدينة يافا بدعوة من الإذاعة أمثال: محمد عبد الوهاب، والسيدة أم كلثوم، والسيدة ليلى مراد، وفريد الأطرش وغيرهم. وقد زارها من كبار الممثلين: يوسف وهبي، وفاطمة رشدي، وزكي طليمات وغيرهم، وزارها مشاهير قرَّاء تلاوة القرآن الكريم، مثل: الشيخ عبد الفتاح الشعشاعي، ومحمود السنديوني، والشيخ أبو العنين شعيشع.

 ومن أبرز الأنشطة التي واكبت النهضة الثقافية لمدينة يافا انتشار الأندية الرياضية والاجتماعية وكذلك الجمعيات الأهلية التي كانت تحرص على عقد المناظرات العلمية والأمسيات الشعرية والندوات والمحاضرات السياسية. كما انتشر في المدينة عدد من الفنادق الحديثة والتي ظلت قائمة حتى عام 1948م، مثل: فندق كليف هوتيل بحي العجمي، وفندق رمسيس في شارع يافا/القدس وغيرهما، وانتشر أيضا في المدينة عدد من المقاهي والمسارح والمنتزهات ودور السينما الكبيرة، مثل: سينما الحمرا، والشرق، وأبولو.

وبلغ عدد مدارس يافا قبل 1948 (47) مدرسة منها (17) مدرسة للبنين، و(11) مدرسة للبنات، و(19) مدرسة مختلطة. وكان فيها أيضاً ستة أسواق رئيسة متنوعة وعامرة. وكان بها أربعة مستشفيات، وحوالي 12 جامعاً عدا الجوامع المقامة في السكنات. وبها عشر كنائس وثلاثة أديرة.

لعبت مدينة يافا دوراً مميزاً وريادياً في الحركة الوطنية المقاومة للمحتل البريطاني من جهة وللصهاينة من جهة أخرى. فمنها انطلقت ثورة 1920 ومنها بدأ الإضراب التاريخي الذي عَمَّ البلاد كلها عام 1936، وكان لها دور فعّال في ثورة 1936.

 

يافا بعد النكبة

بعد قرار التقسيم عام 1947، شهدت مدينة يافا معارك دامية بين المجاهدين وحامية يافا من جهة والصهاينة من جهة أخرى. وبعد سقوط المدينة واقتحامها من قبل الصهاينة في 15/5/1948 جمع الصهاينة أهالي يافا في حي العجمي، وأحاطوه بالأسلاك الشائكة، وجعلوا الخروج منه والدخول إليه بتصريح من الحكم الصهيوني. وقد بلغ عدد سكان يافا بعد النكبة والتهجير في عام 1948 حوالي (3,651) نسمة فقط، وفي عام 1965 أصبحوا حوالي (10,000) نسمة، ويقدر عددهم حالياً حوالي (20,000) ألف نسمة.

 

مشكلة السكن

في عام 1949 قررت الحكومة الإسرائيلية توحيد مدينتي يافا وتل أبيب من الناحية الإدارية، تحت اسم البلدية المشترك “بلدية تل أبيب – يافا”، بعد أن غيرت الكثير من معالمها وهدمت جزءًا كبيرًا من أحيائها وقامت بتهويدها بعد أن احتلتها المنظمات اليهودية في 26 نيسان / أبريل 1948.

كما ذكرت آنفا، فإننا أهل يافا نواجه الأسلاك الشائكة يوميا في جميع مناحي الحياة: الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتعليمية، ثمنا لبقائنا في أرضنا وصمودنا في وجه السياسات الإسرائيلية الهادف إلى طردنا من مدينتنا وتهويدها بالكامل.

لذا، سأركز في شهادتي على استعراض أحد المشاكل المهمة والخطيرة، التي نتعرض لها، وتتطلب حلا عاجلا، وهي مشكلة السكن واستملاك العقارات، وإلا لوجدنا أنه بعد 10 – 15 سنة، أن أغلب سكان يافا الفلسطينيين مهددين بالطرد من منازلهم الحالية في إطار القوانين الإسرائيلية المتبعة فيما يخص السكن والعقارات.

ومن المعروف أن المدن الساحلية، المُسمَّاة «مختلطة»، لا تزال تشكل عنوانًا لمشاريع التهويد، أو ما يمكن وصفه بـ «إعادة الاحتلال من قبل مستوطنين يهود». هذه الظاهرة ليست جديدة، لكن حدّتها ازدادت في السنوات الأخيرة على أثر تفكيك الاستيطان الإسرائيلي في غزة وتنامي نشاط جمعيات استيطانية في المدن المختلطة، مثل: عكا ويافا.

بالنسبة إلى مدينة يافا، فبالاضافة إلى أنماط الاستيطان الديني واليميني الأيديولوجي المعمول بها، تلجأ المؤسسة الإسرائيلية إلى نوع جديد من آليات طرد السكان العرب والسيطرة على أملاكهم، وهو الاستعانة بجهات من السوق الخاص، وعلى وجه التحديد من قطاع البناء والإسكان، لتسيطر على المنازل والأراضي العربية بواسطة إغراءات مالية من جهة، وبواسطة التضييقات الرسمية من جهة أخرى.
إن ابتكار هذا النوع من آليات التهجير جاء ليتماشى مع بيئة وخصوصية مدينة يافا الواقعة في المركز الإسرائيلي وتعتبر جزءًا من مدينة تل ابيب. فعلى عكس الوضع في مدينة عكا التي لا تشكل منطقة جذب لرأس المال الخاص للاستثمار وجني الأرباح الخيالية، تعد يافا من المناطق المغرية جدًا لرؤوس الأموال، خاصة في مجال جذب يهود من خارج إسرائيل لشراء منازل وعقارات في قلب الدولة.
في هذا الصدد نشر موقع «يافا» الإلكتروني تقريرًا جاء فيه: «تجري مؤخرًا في مدينة يافا عملية يكتنفها كثير من الصمت والهدوء، تنقلب معالم المدينة ويتحول أشهر أحيائها العجمي إلى «جنة الأغنياء الجديدة» (والقصد الأغنياء اليهود)، يهرب الأغنياء اليهود من أماكن أخرى من خارج يافا ومن خارج البلاد ولا يجدون مكانًا إلا مدينة يافا، وتحديدًا حي العجمي.
أما بلدية تل-أبيب يافا، والتي توفر التسهيلات التخطيطية والبنى التحتية لهذه العملية، تدعي أنّها تعمل على تطوير المدينة لصالح كافة سكانها. لكن السكان العرب في يافا يعتقدون أنَّ الاهداف مغايرة تمامًا. ففي يافا يتخذ التطوير معنىً آخر بالنسبة للسكان العرب، يصل إلى حد الطرد والتشريد في ظل عملية تهويد «هادئة» وبطيئة، وفي ظل عملية زحف على معالم المدينة، تهدم من خلالها البيوت التي يمنع أهلها العرب من ترميمها، وتدفع مبالغ خيالية لا تصدق أحيانا، تصل إلى نصف مليون دولار لبيت متواضع للغاية، أما الشرط فهو بسيط للغاية، (اقبض واترك).
ويضيف الموقع، إن السكان العرب في حي العجمي وفي الأماكن الذي تخطط بلدية تل أبيب وشركة تطوير يافا لتحويلها إلى أماكن سياحية جذابة، في هذه الأمكنة تحديدا تُرك السكان العرب لوحدهم تماما. وفي حالة يافا التي تُباد معالمها العربية، وعلى رأسها السكان، تتوفر كل الشروط لاستكمال مخطط التهويد”.
إن أهل يافا الفلسطينيين يواجهون عملية منهجية للتهجير والطرد، ويمنعون من ترميم منازلهم، تحاصرهم وتطاردهم البلدية، ولا تمنحهم رخص البناء. وفوق كل هذا تعرض عليهم إغراءات مالية تصل إلى حد الخيال لترك منازلهم لإقامة مجمعات سكنية للأغنياء اليهود فقط. فكما ذكرنا يسكن مدينة يافة قرابة 20 ألف عربي، يشكلون ثلث سكان يافا. لكن الديموغرافيا في المدينة تتغير بسرعة، فهناك على الأقل 32 مشروعًا فاخرًا تتواجد في مراحل بناء مختلفة، وتتركز معظمها في الأحياء العربية في المدينة. وبحسب التقديرات فإن عدد السكان اليهود سيتضاعف في العقد القريب، فعلى العكس من مشاريع مشابهة أخرى في باقي أنحاء البلاد لا تُمنح لعرب يافا إمكانية الحصول على بيت في العمارات الفخمة المقامة على ركام منازلهم، أو مقابل قطعة
الأرض، إذ يشترط عليهم المشترون شرطا واضحًا وغير قابل للتأويل: أن يأخذوا المبلغ ويتركوا المكان، وذلك بحجة تخوف المبادرين من ابتعاد الأغنياء اليهود، من السكن في الأبراج الفاخرة في حالة سكن عرب فيها.

إن قضية الأرض والمسكن باتت هي القضية الأساسية التي تشغل بال الفلسطينيين في يافا في السنوات الأخيرة، وأصبحت بالنسبة لهم قضية وجود. فما زالت سلطات الاحتلال الصهيونية تبيع عقارات الفلسطينيين في يافا بالمزاد العلني، مكرسةً بذلك الأزمة السكانية للفلسطينيين في المدينة، ولم يتبق لسكان المدينة الفلسطينيين أراض لبناء مساكن عليها، بعد أن أقدمت ما تسمى “دائرة الأراضي الصهيونية” على بيع آخر قطعة أرض، والمعروفة باسم أرض “السوق”، بالمزاد  العلني من أجل بناء مستوطنات عليها. وهذه الأرض تختلف عن باقي الأراضي، كونها آخر قطعة أرض بهذا الحجم في “حي العجمي” التاريخي الفلسطيني. وتبلغ مساحتها نحو ستة دونمات ونصف الدونم (ألف متر مربع)، ويمكن بناء عشرات الوحدات السكنية عليها، بالإضافة إلى مجمعات تجارية. وأرض السوق ملاصقة للأرض التي استولى عليها المستوطنون في حي العجمي الفلسطيني قبل عدة سنوات، ولذلك تكتسب هذه الأرض أهمية سياسية بالغة.

ويعد بناء مستوطنة في قلب “حي العجمي” في المنطقة، والذي تسكنه أكثرية فلسطينية، بمثابة قنبلة موقوتة، وهو ضمن مخطط كبير للاستيطان في المدن المختلطة، حيث بدأ هذا المخطط في اللد ثم عكا والآن في يافا بعد إخلاء مستوطنات غزة في عام 2006 في إطار خطة فك الارتباط.

ويسكن في “حي العجمي” حاليا أكثر من 30 عائلةً من المستوطنين اليهود، يضاف إليهم عشرات العائلات الذين استوطنوا في الأحياء الشرقية. ولم يتبق لسكان المدينة الفلسطينيين أراض لبناء مساكن عليها حيث لا يتوفر لهم بديل عن أرض السوق بعد هدم الاحتلال أعداداً كبيرةً من الأحياء العربية القديمة، ومنع بناء أي حي جديد.

ومع ارتفاع سعر الأراضي في يافا، بدأت سلطات الاحتلال ببيع الأراضي في المدينة  بالمزادات، وهي تتلاعب بالمناقصات لمصلحة المستوطنين؛ وحتى لا  يشترك الفلسطينيون فيها.

إن سكان يافا يعيشون في نضال مستمر، لا يمر شهر دون مظاهرات واعتصامات ضد سياسات سلطات الاحتلال التي تستهدف تهويد المدينة. وسأستعرض هنا، بعض هذه الممارسات وتصدينا لها على أرض الواقع.

 

سياسة فصل الرأس عن الجسد

هي سياسة تقوم على أساس التخويف والترهيب والضغط المستمر على المواطن البسيط، وتهدف إلى عدم إعطاء الإمكانية لمجرد التفكير بالقيام بأي نشاط سياسي أو اجتماعي، وذلك للرمزية التي كانت تتمتع بها مدينة يافا كمنارة ثقافية، وبؤرة حيوية للعمل الثوري والحراك السياسي.

بعملية سريعة بعد النكبة مباشرة، قامت سلطات الاحتلال الإسرائيلي بسن قانون أملاك الغائبين. الذي ينص على أن كل شخص لم يتواجد في بيته في أوقات محددة، يتحول بيته أو عقاره إلى مديرية أراضي “إسرائيل”  الوصي على أملاك الغائبين.

هذا القانون شملنا نحن أيضا الذين لم نغادر يافا، ببند خاص يعرف ببند “الحاضر الغائب”! الذي بموجبه أعطيت الصلاحية للدولة لنهب بيوتنا وأملاكنا أمام أعيننا، ودون أن نستطيع أن نحرك ساكنا حتى لو كانت بحوزتنا جميع الوثائق التي تثبت ملكيتنا.

في العام 1948 وحتى العام 1960،  تحولت يافا إلى مدينة مكتظة  بالمهاجرين اليهود، الأمر الذي أدى إلى تحويل معالمها العربية عبر مرحلتين: المرحلة الأولى، تم فيها تغيير أسماء الشوارع إلى أرقام. والمرحلة الثانية، تم فيها إعطاء الشوارع أسماء عبرية مأخوذة من التاريخ اليهودي الصهيوني والعالمي.

من العام 1960 وحتى العام 1985، تم استثمار أموال ضخمة جدا  في المدن المجاورة، وتم إهمال مدينة يافا بشكل منهجي كجزء من خطة إخلاء بناء.

هذه السنوات سميناها نحن بسنوات الظلام.  حيث انتشر فيها الفقر، إذ أن 50 بالمئة من مجتمعنا يعيشون تحت خط الفقر أغلبهم مسجلون بمكاتب الرفاة الاجتماعي ويعتاشون من مخصصات التأمين الوطني، كما انتشر فيها العنف، والمخدرات، والجرائم، بسبب سياسة التجهيل التي اتبعتها سلطات الاحتلال في التعليم، والتضييق الخانق على المدارس العربية، حيث كان على سبيل المثال يتم تعيين مدرسين يهود من العراق للتدريس فيها. هذا الوضع الاقتصادي والاجتماعي  الصعب كانت له تداعيات سلبية على مستوى التحصيل العلمي فهناك حوالي 65 بالمئة من طلابنا بدون شهادات توجيهي . وأذكر في هذا الصدد أن أول خريج جامعي من أهل يافا تخرج في العام 1975!

من العام 1975 وحتى العام 1985 وضمن عملية الإخلاء التي انتهجتها سلطات الاحتلال، تم هدم 3126 وحدة سكنية من أجمل بيوت وقصور يافا. وتم وقف عمليات الهدم فقط بأمر احترازي من المحكمة تقدمت به رابطة رعاية شؤون عرب يافا بعد أن تبين بأن جزءا كبيرا من عمليات الهدم تمت بطريقة غير قانونية.

في هذه الفترة، تم تعيين شخص أسمته الحكومة الإسرائيلية (الوصي على أملاك الغائبين). هذا الوصي كان بحوزته 19,700 غرفة تشكل حوالي 14,000 شقة، و 1,950 مصلحة تجارية و 850 مبنىً معدا لإنشاء المصانع .( هذه الأرقام مأخوذة من بحث د. داني مونترسكو).

هذه الأرقام كانت تشكل 25% من الشقق والحوانيت والمصانع في فلسطين .

وكما ذكرت آنفا، في العام 1950 تم ضم بلدية يافا إلى تل-أبيب، والتي أصبح اسمها بلدية تل أبيب- يافا. وفي بداية السبعينيات أعلن عن مدينة يافا كمنطقة مجمدة، وبالتالي اتبعت حيالها سياسة الإهمال، والإخلاء، وهدم البيوت. وبادرت إلى تنفيذ هذه السياسة مؤسسات مختلفة، مثل: بلدية تل أبيب، شركة عميدار، شركة حلميش، ومديرية أراضي إسرائيل القيِّمة على إدارة غالبية العقارات في المدينة. فتم بدايةً محو حي المنشيه بالكامل، وهدم نحو 70% من مباني البلدة القديمة، تبعها هدم 3,126 وحدة سكنية في حي العجمي والجبلية.

المخطط السلطوي في الهدم والإخلاء تحقق بالكامل في أحياء المنشية والبلدة القديمة. أما في أحياء العجمي والجبلية فقد تحقق بشكل جزئي، لأننا رفضنا أن يتم إخلاؤنا وقاومنا بكل الطرق المتاحة من أجل الصمود والبقاء، وكان هذا بالنسبة إلى سلطات التخطيط فشلا ذريعا. فعلى الرغم من أن عملية الهدم تمت بوتيرة سريعة، غير أنها لم تكن ناجعة في تصفية الوجود العربي الفلسطيني.

 

الواقع الحالي

اليوم، نحن نواجه أكثر من 500 قرار إخلاء. وهذه القرارات موجودة في أروقة المحاكم. ومن خلال العمل الدؤوب والمضني للجنة الشعبية للدفاع عن الأرض والمسكن التابعة لرابطة رعاية شؤون عرب يافا، والتي – للأسف الشديد –  توقفت عن العمل بسبب شح الموارد وعدم تمكننا من دفع رواتب المحامين الذين يتابعون تلك الملفات. من خلال هذا العمل، والمتابعة الميدانية وجدنا أنه يمكننا حل 350 قضية قرار بالإخلاء، إذا توافرت لنا الإمكانات المادية لدفع الإيجارات المتأخرة المترتبة على السكان، وحل قضاياهم القانونية التي تنظر فيها المحاكم.

مشاكل ال500 قرار إخلاء ممكن أن نتخطاها، ولكن المستقبل قاتم بالنسبة إلى الجيل الثالث من المستأجرين المحميين وخاصة إذا لم تستمر اللجنة الشعبية بعملها، حيث أننا سنجد أنفسنا بعد  10 أو15 عاما مع مئات العائلات بدون مأوى لأسباب عديدة، أهمها الوضع الاقتصادي الصعب الذي يحول دون قدرة المستأجر الفلسطيني على تملك البيت الذي يقطنه. وهناك مشكلة أخرى تعاني منها بعض العائلات اليافاوية التي ليس لديها مشكلة في الحصول على قرض لشراء بيتها، إلا أن دولة الاحتلال ترفض رفضا قاطعا بيع المنزل بانتظار موت أفراد الجيل الثالث. (ملاحظة: المساكن المحمية هي تلك المساكن التي لا يمكن توريثها للأبناء) والقانون ينص على إمكانية الشراء للساكن المحمي إلا أن هناك بنودا تنص على أن شركة عميدار التي تدير المساكن المحمية لديها الحق بعدم بيع البيت إذا كان كبيرأ أو يمتاز بموقع خاص. كما ولديها الحق في بيعه بدون أرض الحديقة التابعة للبيت وبدون حقوق البناء.

هناك قرارات بالإخلاء لمئات العائلات، منها ما نستطيع أن نجد لها حلولا إذا ما توفرت الإمكانيات المادية، ومنها ما يشكل حالات صعبة جدا لعائلات تعاني من وضع اقتصادي صعب قامت بالسكن في المنزل أو قسم منه وصدرت ضدها أوامر إخلاء. وبطبيعة الحال، هذه العائلات غير قادرة ماديا على شراء منزلها، والبنوك ترفض منحها أية قروض سكنية.

 

 قصص من الواقع

من خلال عمل اللجنة الشعبية للدفاع عن الأرض والمسكن التابعة لرابطة رعاية شؤون عرب يافا، نقوم بمتابعة قضايا الإخلاء في المحاكم، واستطاعت اللجنة الشعبية أن تمنع إخلاء 200 عائلة بشكل آني حتى تصل إلى الجيل الثالث. غير أن هناك العديد من القضايا والحالات الصعبة، التي سأورد بعضا منها، لبيان معاناة أهل يافا اليومية.

1-  الأخت جميلة تسكن في بيت مقتحم منذ 17 عاما وتدفع إيجارا سنويا عنه بشكل منتظم. رفضت شركة عميدار أخذ الإيجار عن سبع سنوات. وكانت المحكمة قد أصدرت قرارا بإخلائها من المنزل. وبناء على طلب محامي الدفاع، وعلى ضوء وضعها الإنساني الصعب تم إرجاء تنفيذ الحكم لعام واحد، وستنتهي المدة بعد شهر واحد.

جميلة تسكن في بيت غير صحي، يقع تحت مستوى الشارع تطفح المجاري إلى داخله، أعطتها شركة (عميدار) مفاتيح البيت لترممه وتسكن فيه، ومنذ ذلك الوقت وهي تطالب بأن يعترف بها كمستأجر دون جدوى. حاليا رب المنزل في السبعين من عمره، وجميلة في الخمسين من عمرها، وتعاني مرض قلب، وتعالج عند طبيب نفساني. ابنها الكبير 16 عاما يهدد بأنه إذا تم إخلاؤهم من بيتهم سينهي حياته.

2- روز تبلغ من العمر 49 عاما، أرملة ولديها أربعة أبناء. ولداها الكبيران يعانيان من تخلف عقلي. وابنتاها إحداهما تبلغ من العمر 19 عاما طالبة بالجامعة سنة أولى تمريض، والثانية تبلغ من العمر عشرة أعوام وهي طالبة في المرحلة الابتدائية.

روز، تعتاش من مخصصات التأمين الوطني وتسكن في بيت تحت الأرض، تريد البلدية أن تخليها منه لتحوله إلى مصلحة عامة. اللجنة الشعبية والمحامي نسيم يحيى يمثل (روز) ويقوم بالضغط على البلدية لكي تضمن لها بيتا بديلا .مخصصات التأمين لا تكفيها لاستئجار بيت. وكل جلسة في المحكمة نحاول تأجيل القضية لكسب الوقت فقط إلى حين إيجاد حل لهذه العائلة.

3- عائلة سامي وسميرة مكونة من ستة أفراد، تسكن بالمساكن الشعبية بإيجار غير محمي – أي بيت لا يورث – صدر بحقها قرار بالإخلاء. استطعنا مع اللجنة الشعبية أن نلغي قرار الإخلاء، وتسديد الديون المستحقة على العائلة والتي تصل إلى 150,000 شيقل (ما يعادل حوالي 25,000 ألف دولار) نتجت عن عدم دفع الإيجار لسنوات طويلة. وعبر جلسات عديدة استطعنا أن نقنع المحكمة أيضا على ضوء وضع العائلة الاقتصادي المتدني بتخفيض المبلغ إلى 22,000 شيقل بأقساط شهرية مريحة، وتوقيع عقد جديد وإبقاء العائلة في بيتها.

4- ياسمين، امرأة مطلقة تعتاش على مخصصات التأمين الوطني مع ستة أبناء. لم تستطع دفع الإيجارات المترتبة عليها، فصدر قرار من المحكمة بإخلائها بالقوة، ورمي أثاثها في الشارع، فاضطرت أن تبيت هي وأبنائها في مستشفى قريب من منزلها لتأكل وتنام وتستخدم الحمامات لمدة أسبوع كامل لم يلتحق فيها أبناؤها بالمدرسة. وهنا، تدخلت الجهات المختصة وهددت الأم بأخذ أولادها منها ونقلهم إلى عائلات حاضنة. توجهت الأم إلينا، لإيجاد حل لمشكلتها. تحركنا بسرعة، وجمعنا مبلغ 6,000 شيقل لتسديد إيجار شهرين. أذكر أن هذه الحادثة كانت في ليلة العيد، واستطعنا في أقل من 12 ساعة من تجهيز البيت ونقل الأثاث وإرجاع الأبناء إلى حضن أمهم وتأمين المواد الغذائية اللازمة للعائلة.

5- أبو حبيش، من الجيل الثاني يسكن مع والدته (الجيل الأول) وأبنائه (الجيل الثالث) في مساكن شركة حلميش، وهي شركة إسكان للعائلات المسحوقة . تورط في ديون كثيرة، ولكي يتملص من ملاحقة البنوك غيَّر عنوانه، واستمر أبناؤه فعليا بالسكن مع جدتهم، غير أنهم رسميا كانوا مسجلين بأنهم يسكنون مع والدهم. عند وفاة الجدة صدر أمر بالإخلاء لأن القانون ينص على وجوب السكن مع الأهل قبل وفاتهم بأربع سنوات على الأقل. كان علينا أن نقوم بعمل جبار لإثبات أن العائلة كانت تسكن بالبيت نفسه من خلال متابعة سجلات مدارس الأبناء، ومخالفات الشرطة، وغيرها من الأمور، وتوجهنا إلى المحكمة التي قررت إلغاء قرار الإخلاء بعد أن قدمنا لها كل المستندات التي تثبت بشكل قاطع بأن العائلة لم تغير مكان سكنها في منزل جدتهم ومن حق أفرادها أن يستمروا في العيش فيه.

مما سبق، أرى أن هناك أهمية قسوى باستمرار عمل اللجنة الشعبية (دارنا) التي اكتسبت خبرة كبيرة خلال عملها بملفات وقضايا مختلفة.

 

المائدة المستديرة

لوضع آلية تنفيذية لحل مشكلة السكن في مدينة يافا، تم على مدى سنوات عقد اجتماعات للتدوال حول هذه المشكلة، عرفت باسم المائدة المستديرة التي ضمت في عضويتها: وزارة الإسكان، مديرية أراضي إسرائيل، شركة عميدار، شركة حلميش، بلدية تل أبيب، رابطة رعاية شؤون عرب يافا، اللجنة الشعبية للسكن، وجامعة تل أبيب.

وبعد سنوات من الاجتماعات والتداول وسماع الاقتراحات من أناس مهنيين في مجال تخطيط المدن، ورسم خرائط هيكلية مفصلة توصلنا إلى عدة توصيات تلبي بشكل جزئي احتياجات المواطنين العرب وتطلعاتهم المستقبلية.

قمنا بمحاولات عديدة ومتكررة للحصول على نسخة من هذه التوصيات سواء من مديرية أراضي إسرائيل أو من وزارة الإسكان باءت جميعها بالفشل، إلا أننا استطعنا بطرقنا الخاصة  أن نحصل على مسودة من هذه التوصيات، غير أن المؤسسة الرسمية رفضت إعطائنا نسخة رسمية موقعة من الاستنتاجات والتوصيات التي من الممكن أن تلزم جميع الأطراف بوضع آلية تنفيذية لحل مشكلة السكن في مدينة يافا .

 

النزوح القصري

في العام 1985، أعلن عن منطقة البلدة القديمه بأنها منطقة للفنانين، وتم بناءً على هذا الإعلان إخلاء كثير من العائلات العربية الفلسطينية بدعم ومساندة من بلدية تل أبيب – يافا التي قرر المهندس المسؤول فيها عن المباني في البلدة القديمة بأن البيوت خطرة وغير صالحة للسكن، فتم إخلاؤها من سكانها العرب. وبعدها تم هدم بعض المستشفيات وإغلاق بعضها الآخر، مثل: المستشفى الفرنسي والمستشفى الإنجليزي والمستشفى الدجاني، وهذه المستشفيات تم التوقيع على قرار إغلاقها من قبل سلطات الاحتلال عام 1965كم تمت السيطرة على المدارس والتي تم تحويل القسم الأكبر منها إلى مدارس عبرية.

إن السياسات التي تتبعها (إسرائيل) والإجراءات التي تنفذها يوميا على أرض الواقع، تتنافي كليا مع أبسط حقوق الإنسان، ولا تشكل نزوحا قصريا فحسب، بل هي عمليات تطهير عرقي مبرمجة.

 

مسجد السكسك

 (عندما نخطط جيدا، وعندما يتجنَّد المجتمع اليافي لعمل موحد، نستطيع تحقيق النجاح).

بتاريخ 10/6/1997، توجهتُ إلى المحكمة الشرعية بيافا، طالبا تعييني متوليا على وقف السكسك، لتكون بيدي الصلاحية الرسمية للمطالبة بتحرير الوقف وإعادته إلى أصحابه.

بتاريخ 18/6/2009، قمنا بكسر الباب الرئيس واقتحام المسجد وتنظيف جزء صغير من الوقف وفرش الأرضية بالكرتون وتحضير جالونات مياه للوضوء وتوفير مستلزمات أخرى للمسجد. وتم الاتصال بأفراد العائلة والأصدقاء لنعلمهم بأن (غدا) ستقام صلاة الجمعة في مسجد السكسك.

في تاريخ 19/6/2009، تم إقامة أول صلاة في المسجد بعد إغلاق دام واحد وستين عاما! واليوم تقام في مسجد السكسك الصلوات الخمس في أوقاتها.

 

باقون

سنَّت السلطات الإسرائيلية قانونا يمنعنا من إحياء ذكرى نكبتنا.

ومع هذا، سنبقى نحيي ذكرى النكبة كما أحييناها هذا العام بسفينة العودة التي خرجت من ميناء يافا وعادت إليه بكل ما تحمله من معاني الإصرار بعودتنا إلى يافا، وعودة يافا العربية إلينا، حيث استقبلنا الأهل بالزغاريد والدبكات الشعبية.

فرغم الذل ورغم القهر ستبقى يافا عروس البحر، وسنبقى ندافع عن حقنا الشرعي في أرض الآباء والأجداد.

عن adminh

شاهد أيضاً

الأزياء الشعبية في قُرى يافا

   تمتاز الأزياء الشعبية للنساء في قرى فلسطين بشكل عام بالتطريز على الثوب في مواقع محددة بألوان وأشكال ووحدات زخرفية مختلفة ومتنوعة، يتم من خلالها تحديد مصدر الثوب، والقرية التي يمثلها، والوضع الاجتماعي للمرأة تحديداً كان فيما مضى أقرب ما يكون إلى الجزم. غير أن عوامل كثيرة: اجتماعية واقتصادية وسياسية، وما سببته النكبة من  تشتيت وتهجير، أدت إلى اختلاط الأمر، وأصبح التعرف على القرية من خلال أثواب نسائها في الوقت الحاضر أمراً صعباً.