الرئيسية / عرض كتاب / إعادة إنتاج التراث الشعبي … د. سعيد المصري

إعادة إنتاج التراث الشعبي … د. سعيد المصري

إعادة إنتاج التراث الشعبي

كيف يتشبث الفقراء بالحياة في ظل الندرة

تأليف: د. سعيد المصري

الناشر: المجلس الأعلى للثقافة

 جمهورية مصر العربية 2012

 

يعد كتاب ” إعادة انتاج التراث الشعبى ” لمؤلفه د. سعيد المصري، أستاذ علم الاجتماع والأنثروبولجيا بكلية الآداب جامعة القاهرة، من الدراسات المتميزة في مجال العلوم الاجتماعية، ويأتي تميزه من أنه يكشف من خلال الدراسة الميدانية، الصلة العميقة والارتباط الوثيق بين علم الاجتماع وبحوث علم الفلكلور. ولذلك، يرى الدكتور محمد الجوهري في تقديمه للكتاب أنه يمثل نموذجا ممتازا للدراسات المصرية التي تقدم إسهاما في الدرس العالمي، حيث أن مفهوم إعادة إنتاج التراث أصبح من الموضوعات التي تشغل اهتمام علماء الفلكلور –على مستوى العالم كله – منذ البدايات الأولى لثورة الاتصالات الإلكترونية، وما تنذر به من إحداث تغيير كمي ونوعي في شبكة العلاقات الإنسانية قاطبة. وهذا الكتاب هو عمل علمي نادر يتابع المسيرة الناهضة للتناول الاجتماعي لعناصر التراث الشعبي في حياة الناس اليومية، ويضيف إليها ويُثريها بما يتَّسم به من الجمع بين الرصانة والمتعة. وهو واحد من الأعمال الفائزة فى المسابقة العربية للتراث فى دورتها الثانية لعام 2014 والتي استضافتها دولة الكويت، وتنظمها كل عامين المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم “ألكسو” فى مجال صون التراث اللامادى. حيث رأت اللجنة المانحة للجائزة أن الكتاب يمثل تأسيسا لنظرية جديدة في فهم وتفسير التراث الشعبي.

يسعى د. سعيد المصري في هذه الدراسة إلى فهم عمليات إعادة إنتاج الثقافة الشعبية بصفة عامة. ويقصد بإعادة الإنتاج الثقافي بمعناه الواسع قدرة أساليب الحياة في أي مجتمع على استمرار ملامحها عبر التغير. وهذا يعني أن انتقال العناصر الثقافية الشعبية عبر الأجيال أو من خلال التواصل الإنساني لا يعني استنساخاً كاملاً وحرفياً لكل ملامحها، ولا يعني أيضاً فناءها واستبدالها كلياً بعناصر أخرى جديدة. فالبشر يواجهون الحياة بما لديهم من موروثات ثقافية، بها ومعها يُغيِّرون حياتهم ويتغيرون. كما تهدف الدراسة إلى سد الفراغ المعرفي بالتطبيق على حياة فقراء الحضر بمدينة القاهرة. إذ يرى المؤلف أن البحوث والدراسات التي تتناول إعادة الإنتاج الثقافي منذ أن طرحه “بير بورديو” لأول مرة في السبعينيات من القرن الماضي كثيرة، إلا أن ارتباط هذا المفهوم بالثقافة الرفيعة ومؤسسات التعليم حال دون التأصيل النظري لعمليات إعادة الإنتاج في مجالات الثقافة الشعبية.

يتحدد إطار الدراسة، والذي تم بمقتضاه جمع بياناتها، وفقا لمفهومي الإنتاج الثقافي والتداول الثقافي. ويُقصد بالإنتاج الثقافي تلك العمليات المركبة التي تنطوي على ممارسة دائمة للتراث. أما التداول الثقافي فهو الإطار الذي تُمارَس بمقتضاه العناصر التراثية. وهما وجهان لعملة واحدة تتلخص في الممارسات المتجددة للعناصر التراثية. والإطار الذي تنطلق منه الدراسة مُستمَدٌ من تحليل العلاقة بين التراث الشعبي والبنية الطبقية. ويفترض المؤلف في تحليله لهذه العلاقة وجود جوانب من التراث تتأثر فيها عمليات إعادة الإنتاج الثقافي بالبعد الطبقي، كما يفترض – في المقابل – وجود جوانب أخرى من إعادة الإنتاج الثقافي تتجاوز البعد الطبقي. ومن هذا المنطلق، فإن تركيز الدراسة انحصر في دراسة أساليب حياة الفقراء، باعتبارهم يشكلون جماعات تقع في أدنى السلم الطبقي، مما يعني أن إمكانياتهم الاجتماعية والاقتصادية، بل والثقافية بالمعنى الرفيع للثقافة، لا تتيح لهم سوى فرص قليلة ومحدودة للتواصل مع الثقافة الحديثة والتغيرات العالمية. ويفترض – أيضا- أن هذه الوضعية الطبقية للفقراء تساهم في خلق تجربة طبقية ذات طبيعة خاصة في إعادة إنتاج الثقافة الشعبية. وتسعى الدراسة إلى الكشف عن حدود هذه التجربة، وإلى أي مدى يعد الفقراء قادرين على الإنتاج والتداول الثقافي رغم تدني أحوالهم وندرة إمكانياتهم. حيث أن بحوث التراث الشعبي تبرهن دائما على شدة ارتباط الفقراء بالتراث الشعبي، فهو بمثابة رأسمالهم الحقيقي في ظل حرمانهم من الوصول إلى الموارد والأصول، وأن أساليب حياة الفقراء تنطوي على قدر من الثراء ينبغي الكشف عنه لأنه يعبر عن سر بقائهم رغم ظروفهم البائسة.

يحتوي الكتاب سبعة فصول: يتناول الفصل الأول عرضاً للإجراءات المنهجية، من حيث إشكالية الموضوع، والمفاهيم، والتعريفات، وطبيعة البيانات، وأسلوب اختيار مجتمع الدراسة، والإطار والأدوات في جمع البيانات، وأساليب تحليلها. ويعرض الفصل الثاني للتراث النظري في دراسة عمليات إعادة إنتاج الثقافة الشعبية بين الفقراء من خلال ثلاثة مداخل أساسية: تفسير العلاقات الدينامية بين الثقافة والبنية الطبقية، وتفسير عالم الفقراء والطبقة الدنيا بين الحتمية البنائية والحتمية الثقافية، ثمّ ثالثاً كيفية إعادة الإنتاج الثقافي في حقل التراث الشعبي. وخصص الفصل الثالث لتحليل حالة الفقر في مدينة القاهرة، اعتماداً على بيانات إحصائية ومؤشرات اجتماعية واقتصادية وطبقية، انطلاقا من حيّ بولاق التاريخي، ثمّ منطقة شياخة الجوابر باعتبارها الأكثر فقراً. وفي الفصول الرابع والخامس والسادس تتناول الدراسة عمليات إعادة إنتاج الثقافة الشعبية بين الفقراء عموماً، بمختلف شرائحهم. فيختصّ الفصل الرابع بالتركيز على عملية تواتر التراث بالتطبيق على عادات الطعام،.ويعرض الفصل الخامس عملية استعادة التراث من خلال السرد القصصي لنماذج من أحداث الحياة اليومية، وتحليل جوانب هذه الاستعادة من حيث التبرير والتفسير والنصح والتوجيه والنقد والسخرية. وتتعرض الدراسة في الفصل السادس لعمليتَيْ الاستعارة والإبداع، باعتبارهما يمثلان نشاطاً يستهدف الإضافة إلى التراث القائم لدى الفقراء.

 

يلخص المؤلف في الخاتمة أهم النتائج التي توصل إليها، وخصوصا فيما يتعلق بالإطار النظري الذي انطلق منه في دراسته، والفروض التي حاول اختبارها ميدانيا. وأوجزها في النقاط الآتية:

  • إن تكرار بعض الممارسات في حياة الفقراء يتوقف على مدى حاجتهم إلى تلك العناصر التراثية التي يمكن استخدامها في تنظيم أساليب حياتهم، وخصوصا فيما يتعلق بالعلاقة بين الحاجات والموارد. حيث أكدت البيانات المستخلصة من أساليب حياة الفقراء على انسجام ممارسات عادات الطعام القائمة على الضرورة مع ظروف الحرمان وقلة الدخل وتقلبات ظروف العمل. ولهذا، يميل الفقراء إلى اختصار عدد الوجبات اليومية، واللجوء إلى أساليب وحيل تعزِّز الإشباع، وارتباط موعد الوجبة الرئيسية بمدى التقلُّب في ظروف العمل. كما يعتمد الفقراء على الإكثار من النشويات في طعامهم وقلة البروتينات والفاكهة واستهلاك الأطعمة منخفضة التكاليف. إلى جانب الاعتماد على بدائل رخيصة من الأطعمة المكلفة. وتشير النتائج إلى استخدام الفقراء لأدوات بسيطة في الطعام تتسم بخامات رديئة ورخيصة وقابلة للتبادل في نطاق الجيرة، ويميل غالبية الفقراء إلى تكثيف استخدام الأدوات وتنويع وظائفها. وللطعام الجماعي قيمة مهمة في حياة الفقراء يحرصون عليها دائما. وفيما يتعلق بتوظيف العلاقات التضامنية، فقد أظهرت النتائج اعتماد الفقراء على شبكة العلاقات التكافلية في المواءمة بين حاجاتهم ومواردهم، وتعد علاقات التضامن بمثابة مورد رئيسي في حياة الفقراء، يمكن توظيفه في تخفيف أعباء الحرمان، وتشير النتائج إلى بعض مظاهر ذلك مثل: اقتسام نفقات الطعام داخل الأسرة، واقتسام أدوات الطعام ومستلزماتها فيما بين الجيران بطريقة مرنة. ويتخذ الفقراء من عادات الطعام مجالاً لتكريس التماثل من خلال المشاركة في تناول الطعام، ويحرص الفقراء على تحقيق الرضا بأي صورة ممكنة ويتم ذلك بالقناعة، والنظرة الإيجابية لحياة الحرمان وتحقيق المتعة في تناول الطعام والحرص على طعام المناسبات.
  •  كشفت النتائج أن استعادة التراث في حياة الفقراء تتم بطريقتين: الأولى تعتمد على احتكام الشخص لخبراته الماضية، والثانية تعتمد على احتكام الشخص لخبرات الآخرين الماضية مع التراث. وتعد عناصر التراث الشفاهي كالأدب الشعبي وبعض الجوانب من المعتقدات أكثر قابلية للاستعادة في الحياة اليومية. وتشير النتائج إلى أن محددات الاحتكام إلى التراث تختلف باختلاف الأشخاص والمواقف والأحداث والسياقات، بالإضافة إلى اختلاف طبيعة العنصر الثقافي ذاته، ويميل الفقراء إلى الاستعانة بالتراث السحري في مختلف المواقف والأحداث التي تنطوي على مشكلات أو أزمات، ويتم توظيف الأمثال في العديد من مواقف التفاعل وأفعال الكلام. وتبين أن الفقراء ليسوا منعزلين عما يجري حولهم بل لديهم القدرة على التفاعل مع العالم المحيط بهم، وهناك أربع آليات تعمل على توليد الحاجة المستمرة للاستعارة وهي: المحاكاة والتلقي والتدين والاستهلاك. وكشفت النتائج عن مصادر مختلفة للاستعارة أهمها الطبقة الوسطى والأجهزة الثقافية والإعلامية.
  • قدمت الدراسة بعض الملاحظات حول مظاهر الإبداع الثقافي في مجال الأمثال والأغاني والحكايات، ودلَّلت على أن التراث يتجدد عبر انتقاله من جيل إلى جيل، وهناك إبداعات للجيل الجديد تملأ فراغات الذاكرة الجماعية وتُسقِطُ عمدا من التراث ما لا يتناسب مع حاضرها وتضيف عناصر جديدة تجعل من العنصر التراثي شيئًا حميما للجيل الجديد، وبعض الصياغات الجديدة أو المبتكرة هي تنويع من صياغات قديمة تتناسب مع الحاضر، وللمبدعين قدرات خاصة في القيام بهذه العملية، رغم أنهم فقراء ويستمدون رؤى العالم من تلك البيئة الفقيرة.

عن adminh

شاهد أيضاً

النّاصرة – سجل مصوّر 1856- 1948 من أواخر العهد العثماني حتى نهاية الانتداب البريطاني

العدد الثاني   المكتبة التراثية     النّاصرة – سجل مصوّر 1856- 1948 من أواخر العهد العثماني حتى نهاية الانتداب البريطاني المؤلف خالد عوض*      عبر 395 صفحة من القطع الكبير، ومئات الصور لأزمنة ومواقع وأحداث مختلفة، وبطباعة فاخرة، وبدعم من جمعية السّباط للحفاظ على التراث - الناصرة، يُقدّم المؤلف خالد عوض عبرهذا الكتاب سجلا مُوثّقا بالصورة والكلمة لمدينة الناصرة منذ أواخر العهد العثماني وحتى عام النكبة 1948.