الرئيسية / عرض كتاب / الاراجوز المصري

الاراجوز المصري

الاراجوز المصري

 

جمع وتوثيق ودراسة: د. نبيل بهجت*

*مؤلف ومخرج مسرحي، مدرس الدراما والنقد بآداب جامعة حلوان، مدير ومؤسس فرقة ومضة لعروض الأراجوز وخيال الظل، مدير مركز إبداع بيت السحيمي. جمهورية مصر العربية.

*الناشر: المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة. الطبعة الأولى، 2012. تقديم: أ.د أحمد مرسي.

تجربتي مع الأراجوز وخيال الظل هي تجربة حياة بدأت منذ عشر سنوات واستمرت حتى اللحظة، أحيا بها ومعها محاولا إعادة هذه الفنون إلى الحياة مرة أخرى، وذلك لإيماني بأن التراث الشعبي أحد مصادر تشكيل الوعي وكذلك التأريخ للذاكرة المصرية.

إن اختفاء النموذج المحلي لصالح النموذج الغربي خطر حقيقي يكرس مفاهيم العجز وثقافة عدم الرضا عن الذات. ومن هنا، تأتي أهمية الأراجوز وغيره من النماذج المصرية. ومن ثم كان شعاري لإحياء هذه الفنون “إن لدينا ما يستطيع أن يُعبِّر عنَّا“.

في هذه العبارات يُصدِّر الباحث د.نبيل بهجت كتابه المهم والممتع عن الأراجوز المصري. وفي تقديمه للكتاب يتطرق أ.د أحمد مرسي، إلى تاريخ ومكان ظهور هذا الفن ونشأته في مصر، وإلى الاسم ودلالته. فيقول: “لا يعرف أحد على وجه التحديد تاريخ ظهور هذا الفن، إلا أن هناك وثائق تشير إلى أن اليونانيين عرفوه في القرن الخامس قبل الميلاد، كما عُرف فن تحريك العرائس في جاوة والصين واليابان قبل ذلك بأزمان سحيقة. وتذكر المصادر التاريخية أن أوروبا عرفت الأراجوز في نهاية القرن السادس عشر، وأن الأوروبيين أقبلوا عليه واحتفوا به، وأن هذا الإقبال استمر حوالي قرنين من الزمان، وانعكس ذلك في إشاراتٍ عنه في أعمال (شكسبير) و (تشوسر) و(جونسون) و(أديسون) وغيرهم من الكتاب، كما كتب له (جيته) ولحن له (موتزارت) و(هايدن). وفي اليابان ألَّف له كتابٌ مسرحيون، وكتبت عنه مؤلفات كثيرة.

ولم يتفق الدارسون حول نشأة هذا الفن في مصر، أو معرفة المصريين به، وهل هو نتاج الثقافة المصرية أو أنه انتقل إليها بتأثير ثقافات أخرى، وما هو موطنه الأصلي. وبصرف النظرعن مكان نشأته أو طريق هجرته، إلا أن المصريين قد تفننوا فيه، وطبعوه بروحهم، وبرعوا في أدائه، بحيث يصعب فصله عن هذه الثقافة أو النظر إليه باعتباره عنصرا دخيلا عليها أو وافدا إليها.

وكما اختلف الدارسون حول المكان والنشأة، والانتقال والهجرة، اختلفوا أيضا حول الاسم ودلالته، فمنهم من رأى أن الكلمة تعريب للمصطلح التركي المركب (قره) ومعناه أسْوَد. و(قوز) ومعناه عين. أي: (العين السوداء). وذهب آخرون إلى أنه تحريف لكلمة (قراقوش) وهو لقب الوزير (بهاء الدين قراقوش) وزير (صلاح الدين الأيوبي) وأن المصريين حرَّفوا الاسم سخريةً منه، ونِكايةً فيه، لشدته وعسفه، وعدم رضائهم عنه، ورفضهم له. ورأى الباحث عصام ستاتي، في كتابه (مقدمة في الفلكلور القِبْطي)، أن الكلمة (أراجوز) مصرية قديمة وتعني: (يعمل كلام) وأنها مكونة من (أرا) بمعنى (يعمل) و(جوز) بمعنى كلام، وأنه لا صحة لكونها محرَّفة عن الاسم (قراقوش). وأيا ما كان أصل هذا الفن أو الكلمة التي أخذ منها اسمه، وأصبحت عنوانا لفن لاقى رواجا وانتشارا بين الصغار والكبار فترة طويلة من الزمن، باعتباره شكلا مسرحيا لا يرتبط بمكان معين ذي مواصفات خاصة، ومراسيم محددة، يقصده الناس من أجل الفرجة، إذ يمكن تقديمه في أي مكان يتسع لعدد من الناس. كما لا يرتبط باستعداد خاص من جانب المشاهدين، أو بوقت يفضل فيه تقديمه طلبا لكثرة الحضور أو بحثا عن جماهيرية مصنوعة. إنه في الحقيقة كان شكلا من أشكال المسرح المتنقل في أبسط صوره، وما زال -إلى حد كبير- يحمل هذه الصفة إلى الآن، فهو مسرح يذهب إلى الناس، ويسعى إليهم، وهو ما انعكس على شكله ومضمونه وأدواته ووسائله وأهدافه، من نزوع في الأغلب الأعم إلى النقد الاجتماعي الساخر والتصوير الكاريكاتيري للشخصيات والمواقف، محققا مزيجا فريدا من المتعة الفنية، والتسلية والترفيه، والتعبير عن مضامين إنسانية بسيطة تشترك فيها جماعة المشاهدين، دون استعلاء عليهم أو تنكر لهم”.

فرقة ومضة

عن تجربته في تأسيس فرقة ومضة لخيال الظل والأراجوز، يقول المؤلف: “إن رغبتي في فهم العقلية المصرية ومصادر تكوينها وآليات اتخاذ القرار فيها دفعني للاهتمام بالتراث الشعبي كأحد أهم إبداعاتها، وجاءت هذه التجربة في إطار رصدي للواقع المصري والتحولات التي تطرأ عليه، حيث كنت أسير منذ عشر سنوات في شارع طلعت حرب، ولاحظتُ أن دُمى عرض الملابس ذات ملامح غربية، وكأن المصريين ليست لهم ملامح تُعِّبر عنهم، ووقع نظري على إعلان ضخم لفتاة أوروبية بملابس البحر كُتب تحته (شهرزاد)!. تذكَّرتُ ساعتها التحولات التي حدثت للشارع المصري في الملبس                                    د. نبيل بهجت

والمأكل والمشرب، حيث تحولت المقاهي الشعبية إلى كافيهات، ومحلات الوجبات التقليدية إلى محلات للوجبات السريعة التي لم يكن يعرفها أحد من قبل، ومثَّلت هذه الملاحظات دافعا لبدء التجربة.

إن اختفاء النموذج المحلي لصالح النموذج الغربي، يكرس مفاهيم العجز وعدم الرضا عن الذات، وهو ما يجعلنا تابعين لبعض الاستراتيجيات الاستعمارية التي ترانا سوقا لمنتجاتها، ومنجما لمواردها الخام، ويغذيها البعض بشعارات تربط الخلاص والتقدم بهذا الآخر، الذي يمارس دكتاتوريةً تنسخ نفسها في صور تلغي النموذج المحلي، وتكرس لثقافة العجز، التي ساعد على تكونها ونموها العديد من العوامل، أهمها صورة الحاكم وعلاقته بالمحكومين. لذا، كان شعار تجربتي: “إن لدينا ما يستطيع أن يعبر عنَّا” واتخذتُ “ومضة” اسما لفرقتي التي أسستُها لإحياء هذه الفنون بمعنى: “بريقٌ في الظلام الدامس” لتلفت الأنظار إلى الإمكانيات التي يمتلكها مجتمعنا للنهوض مرة أخرى. فالعزلة التي فرضها المثقفون على أنفسهم بتبنيهم قوالب ولغة غريبة عن المجتمع جعلتنا فريسةً سهلةً للنماذج المستوردة التي تطرح نفسها في سياقات مبهرة وتقف خلفها مؤسسات تدعمها على جميع المستويات لتحل بديلا عن نماذجنا الأصيلة، كما هي حالات غسيل الوعي المنظم التي تنتهجها البرامج والأفلام الغربية، فمسلسل (النينجا) المُعدُّ للأطفال ينتهي بإعلان واضح وصريح عن البيتزا في الوقت الذي لم يكن يعرف أحد من المصريين هذا اللون من الطعام لتصبح من أهم الوجبات بعد مرور عشرين عاما على إذاعة المسلسل. وزي الفتاة في مسلسل (مازنجر) يصبح الزي الأكثر انتشارا في جيل الفتيات اللاتي شاهدنها بعد عشرين عاما.

لقد كانت بيوتنا قديما مصانع للطعام والعصائر، وكنا نصنع ما نلعب به من دمى، وطيارات ورقية….، وهي أول السُبل التي تدربنا بها منذ الصغر على حل مشاكلنا والابتكار والإنتاج، ومن ثم أصبحنا فاعلين داخل سياقنا. ومن هنا، بدأت محاولتي لإحياء فنَّيْ خيال الظل والأراجوز”.

منهجية الكتاب

قسم الباحث الكتاب إلى قسمين: تناول في القسم الأول النشأة والمكونات وصناعة العرض في فنَّيْ خيال الظل والأراجوز. وأورد في القسم الثاني نمر الأراجوز التي تم جمعها وتوثيقها.

في الفصل الأول ( النشأة والمكونات) بحث في دمى الأراجوز ووسائط العرض والعنصر البشري في عروض الأراجوز وأثر بعض الفنون الشعبية على الأراجوز ونمر الأراجوز وموضوعات مسرح الأراجوز.

وفي الفصل الثاني (صناعة العرض) بحث في بُنية العرض والنمرة الداخلية والأغاني والحوار والاعتماد على الأسماء كمادة للفكاهة والرَّدْح/الملاحاة والقفشة والمفارقات والتلاعب اللفظي والنمطية وشخصيات الأراجوز والآخر في عروض الأراجوز.

ويخلص الباحث إلى أن الأراجوز يعتبر من أشهر الدمى الشعبية في مصر، وعلى الرغم من انحساره في الآونة الأخيرة، لقلة فنانيه المتخصصين، فما زالت شهرته كما هي. ويستخدم كثيرون لفظ أراجوز للدلالة على معان مختلفة في معجم الحياة اليومية للمصريين. ويقوم فن الأراجوز في الأساس على الدمى، إذ إن لغته الأساسية هي الدمى من خلال وسيط محدد هو اللاعب (فنان الأراجوز) الذي يحركها من خلف ستار أو برفان من دون أن يراه أحد من الجمهور، وهذه الدمى بالنسبة إلى الجمهور ليست مجرد دمى وإنما أبطال وشخصيات لهذه الأدوار، فالدمى أبطال وممثلون يقومون بأدوارهم أمام الجمهور من دون أن يذهب المتفرج بخياله إلى ما وراء الدمية وكيفية إمساك المؤدي بها وما إلى ذلك. وأشهر هذه الدمى هي عروسة الأراجوز. ويستخدم الفنان المؤدي صوته المباشر في التعبير عن جميع الشخصيات، فيكسبه أحياناً نبرة نسائية أو لكنة أجنبية أو لهجة أهل الجنوب أو المناطق الشعبية أو صوت طفل صغير… ويجسد الفنان كل هذه الشخصيات بمفرده. وقد تستخدم دمية واحدة لتجسيد أكثر من شخصية، شرط ألا تلعب الدمية دورين مختلفين في ليلة واحدة. وكانت هذه الدمى تصنع من الخشب، ولكن استبدل أخيراً معظم فناني الأراجوز بعرائسهم الخشبية دمى بلاستيكية، وتكمل الألوان والملابس المختلفة والإكسسوارات الصفات المختلفة والأبعاد الرمزية للشخصيات.

ويقدم فن الأراجوز من خلال عدد من الوسائط، هي عربة الأراجوز، البرفان، الباردة والخيمة. ولا بد من أن يتصف الفنان المؤدي بسرعة البديهة، فهو يغني ويحرك الدمى ويمثل ويرتجل النص في وقت واحد، وأن يكون ذا صوت حسن وقدرة على التحكم في أداء اللهجات المختلفة وتلوين الصوت واستحضار نبرات صوتية مختلفة وقدرة فائقة على الارتجال والإبداع المتجدد وتحويل أبسط الإمكانات إلى أدوات للمتعة والتواصل المستمر مع الجمهور.

ويطلق فنان الأراجوز اسم «النمرة» على عرضه، وأهم ما يشكل النمرة: الغنائية التي تبدأ بها، والاعتدائية التي تنتهي بها والتداخل بين ما هو آدمي (الملاغي) ومادي (الدمى)، والاعتماد على النمر الحركية واللفظية وبساطة الحدث ونمطية الشخصيات. وتمثل البداية الغنائية تهيئة للجمهور وتمثل النهاية شكلاً من أشكال التوجه القيمي وحلاً جذرياً ينهي به الأراجوز صراعه مطهراً المجتمع من العناصر الفاسدة.

ولهذا يعد الأراجوز أشهر الشخصيات على الإطلاق، وله ملامح ثابتة من حيث الشكل والسلوك أيضاً. وأول ما يلفت الانتباه ملابسه الحمراء، وهو لون ارتبط بكل ما هو مادي وموجود على الأرض، كما يفسر أيضاً على أنه لون الغضب، فهو لون حركي ومولد للحركة عند الإنسان ومنشط وجاذب للحواس ينبه العقل والقلب والشهية ويبعث على الشعور بالدفء.

وملابس الأراجوز ثابتة ومتوارثة من جيل إلى جيل، وقد تختلف في بعض التفاصيل البسيطة من فنان إلى آخر، إلا أنه يتميز عن بقية الشخصيات بلونه الأحمر وطرطوره الطويل، ولهذه الألوان رموز خاصة في الوجدان الشعبي، فالأحمر رمز الحب والخطر والخجل والموت والجان، والأخضر رمز الخير والإيمان، والأصفر رمز المكر، فهو يجمع بين الرجولة والشجاعة والقوة والإيمان والقدرة أيضاً على المكر والتفكير.

وفي القسم الثاني من الكتاب المتعلق بالجمع والتوثيق، يقول الباحث: ” قمت في هذا الجزء من الدراسة بجمع وتوثيق نِمَر الأراجوز من أكثر من لاعب، حيث حرصت على جمع كل ما تختزنه ذاكرتهم، محاولا وضع صورة كلية لنمر الأراجوز، وحرصت على إثبات الروايات المختلفة لذات النمرة على اختلاف اللاعبين، كذلك لبعض النمر لذات اللاعب مع اختلاف الزمن لنقف على صورة تبين مدى التباين الارتجالي الذي يعكس المساحات الإبداعية المتباينة بين لاعب وآخر، بل ولدى اللاعب ذاته. وحرصت على تتبع سيرة الأراجوز من خلال ترتيب النمر حيث بدأت من زواجه في (زواج بالنَّبُّوت) وانتهاء بموته في (العفريت) مرورا بمختلف النمر التي تشكل حياته. واعتمدتُ في الجمع على لقاءات مباشرة باللاعبين في أماكنهم الطبيعية، واستغرقت مدة الجمع قرابة العشر سنوات، وحرصتُ على تسجيل النمر صوتا وصورة، مما أتاح إنتاج 19 فيلما وثائقيا يحمل هذه المادة، لتكون متاحة لجميع الباحثين والمعنيين بهذا الشأن”.

أورد الباحث أكثر من 50 نمرة من نمر الأراجوز تم جمعها وتوثيقها، منها: نمرة جواز بالنبوت، الست اللي بتولد، الأراجوز ومراته، الأستاذ، البربري، الشَّحات، فنَّان بالعافية، كلب السرايا، حرامي الشنطة، الحانوتي النصاب، جرْ شَكَل، حموده وأخوه، الفتوَّة الغلباوي، أراجوز في سوق العصر، أراجوز في الجيش، حرب اليهود، حرب بورسعيد، العفريت.

عن adminh

شاهد أيضاً

النّاصرة – سجل مصوّر 1856- 1948 من أواخر العهد العثماني حتى نهاية الانتداب البريطاني

العدد الثاني   المكتبة التراثية     النّاصرة – سجل مصوّر 1856- 1948 من أواخر العهد العثماني حتى نهاية الانتداب البريطاني المؤلف خالد عوض*      عبر 395 صفحة من القطع الكبير، ومئات الصور لأزمنة ومواقع وأحداث مختلفة، وبطباعة فاخرة، وبدعم من جمعية السّباط للحفاظ على التراث - الناصرة، يُقدّم المؤلف خالد عوض عبرهذا الكتاب سجلا مُوثّقا بالصورة والكلمة لمدينة الناصرة منذ أواخر العهد العثماني وحتى عام النكبة 1948.