الرئيسية / حوارات / الباحث الموسوعي الدكتور شكري عرّاف

الباحث الموسوعي الدكتور شكري عرّاف

 

الباحث الموسوعي

الدكتور شكري عرّاف

 

حاورته: لميس البرغوثي

 

أمام شخصية متعددة الاهتمامات، غزيرة الإنتاج، دقيقة الملاحظة، مغروسة في الأرض، باحثة بعمق في تفاصيلها، ومتفاعلة بحيوية مع إنسانها، مفعمة بالأمل والنشاط … أمام مثل هذه الشخصية يقف المرء حائرا في كيفية الإمساك بخيوطها، ومحاورتها بما يبرز جوانبها المتعددة.

إنه الدكتور شكري نخلة عرّاف، ابن قرية معليا في فلسطين، المولود عام 1931، والحاصل على شهادة الدكتوراة في تاريخ الشرق الأوسط، 1985. هاجسه الأساس طوال سنوات عمره ال 84 كان – وما يزال – الحفاظ على هوية شعبه، وتوثيق تراثه وحمايته من الضياع.

ألّف العديد من الكتب التي تُعدّ مصادر لا غنى عنها لأي باحث في التراث الفلسطيني، وألقى آلاف المحاضرات في القرى والبلدات والمدن العربية في فلسطين، وشارك بعشرات الدراسات في عدد من المؤتمرات، ونظّم مئات الرحلات والجولات التعليمية للتعريف بمواطن البلاد، لمعلمي ومديري المدارس العربية للمسنين وللشباب ولكل مهتم. وما يزال يُعدّ لإنجاز موضوعات عديدة، منها: كتاب (الاستيطان العبري في فلسطين منذ عام 1878، كل المستوطنات، في جزءين 908 صفحة.  تحت الطبع) وكتاب (المسيح حول بحيرة طبريا وعليها. تحت الطبع) وكتاب (تاريخ الجوامع في فلسطين. كتاب جاهز بحاجة إلى دار نشر) وكتب يُعدّ لها حول (أثر الحيوان/ النبات/ الجغرافيا والجيولوجيا/ الديانات/ التاريخ/ الحضارة المادية على أسماء المواقع الفلسطينية).

كُرّم من عدة جهات ومؤسسات، فقد تمّ تكريمه من قبل الحركة الإسلامية في فلسطين إثر صدور كتابه (طبقات الأنبياء والأولياء والصالحين في الأرض المقدسة)، وكرّمته جامعة بيت لحم عام 2009 لجهده المبذول في خدمة التراث الفلسطيني، وكرّمته جامعة النجاح/ نابلس عام 2012 كرجل التراث الفلسطيني.

وأخيرا –وليس آخرا– كرّمته جمعية الحنونة للثقافة الشعبية عام 2014 كأحد حرّاس الذاكرة، ضمن موسمها الثقافي السنوي السادس (حراس الذاكرة).

 

   إنجازه العلمي والإنساني … كان الخيط الأساس في هذا الحوار.

العناوين

 

صُنع البطل العربي الفلسطيني، وجهل أغلبية أبناء شعبي بمواطنهم القروية، دفعاني إلى التركيزعلى الريف الفلسطيني.

– رصدتُ ووثقتُ في كتاباتي 7500 موقع جغرافي عربي ، غيرت “إسرائيل” أسماءها إلى العبرية ضمن سياستها الهادفة إلى التطهير الجغرافي.

– حاولتُ – وما زلت – جمع الأمثال الشعبية التي تختص بها كل قرية ومضرب بدوي وتصنيفها على هذا الأساس.

– في اللحظات العصيبة، وفي ظروف الحرب والتفريغ العرقي، أثبت الفلسطيني أن الإنسان للإنسان دون النظر إلى الانتماءات الدينية والاجتماعية والعرقية وغيرها.

 

– “للأسرلة” أثر واضح – للأسف – على نسبة ليست بالقليلة من السكان العرب الباقين في “البلاد”.

– رغم أنني اقتربت من الـ 84 عاماً. لا أشعر بالشيخوخة، ولن تزورني ما دمتُ أخطط للمزيد من دراسة الجذور الفلسطينية.

 

الحوار

  • تناولت في العديد من دراساتك الريف الفلسطيني، وركّزت على مختلف جوانب الحياة فيه بشكل مُفصل ودقيق، ولعل كتابك “الأرض والإنسان والجهد” الصادر عام 1982 يعد من أهم الكتب وأولها التي تناولت هذا الموضوع، إضافة إلى كتاب “حضارة في طريقها إلى الزوال” للباحث أنيس فريحة.

ما سبب تركيزك على الريف الفلسطيني، وما أهم ما توصّلت إليه في دراساتك حوله؟                                                 

 

تركيزي على الريف الفلسطيني، ينطلق أولاً من إهمال الباحثين لمناطق الريف واهتمامهم بمراكز الحكم والسلطة في المدن بشكل خاص، إذا استثنينا قرى الكراسي أيام كان الصراع بين القيسية واليمنية مستشرياً.

أما السبب الثاني فهو أن معظم سكان وطني قرويون، وعندما لقيت قسماً منهم في معهد المعلمين في حيفا، وجدتُ ما لم أتوقع من جهلهم في مواطنهم القروية التي جاؤوا منها. كان لجهلهم، كمعلمي الغد، أكبر الدوافع لتسجيل حضارتهم/ حضارتي الريفية، والمادية بشكل خاص.

وعيتُ هذا الضعف من الدراسات عندما كنت طالباً في أحد المعاهد اليهودية “كلية أڤشلوم لمعرفة البلاد”، والتي أدارها بروفسور شموئيل أڤي تسور. ربطتني بهذا الرجل علاقة علمية متبادلة، إذ زارني في حُرفيش، حيث أدرتُ مدرستها في سن مبكرة عام 1952، حينها كان يُعد لرسالة الدكتوراه في موضوع “المطاحن في الأودية”، وكان يحمل توصية من مدير المعارف العربية الذي كان مديراً لدار المعلمين التي درست فيها عام 1950. رافقته في معظم جولاته في أودية فلسطين، رغم وجود الحكم العسكري اَنذاك، فأنا في حِمى شموئيل. وفي عام 1954 كان هذا الرجل مديراً للكلية أعلاه، وطلب مني الانتساب إليها، رغم أنها لم تُعطِ أي شهادة أكاديمية.

شعرت أن الرجل يبني “البطل” ويصنعهُ، ولكن بطريقته الصهيونية. صنع شموئيل بطل الحضارة المادية التاريخية للشعب اليهودي في دولة إسرائيل حديثة العهد، معتمداً على التوراة والمِشناه والتلمود كمصادر لدراسته، مستعملاً المصطلحات التي وردت في هذه الكتب. سألت نفسي بعد صدور بحثه: أين أنا ؟!

كنت أسأل نفسي دائماً: من أنا؟ ما هي حضارتي، من يُسجلها قبل الضياع ؟ وكانت الأجوبة تتلاحق في وجداني، خاصةً وأني قرويٌ حرثت الأرض مع المرحوم أبي، حَلشْت العدس والكَرسنة مع المرحومة أمي، رَعيت الفدان الذي كان القوة المحركة للمحراث اَنذاك، درست على النورج ما غلَتهُ أرضنا من حبوب، كما كُنت درّاساً بالأجرة يوم انتقل والدي إلى حيفا بعد الحرب العالمية الثانية، وكنت يومها بحاجة إلى القرش لأستطيع الاستمرار في دراستي الثانوية في عكا.

وهكذا اجتمع عاملان حفَزاني على كتابة هذا المؤلف: صُنع البطل العربي الفلسطيني في هذا المجال وغيره، والتغلب على جهل طلابي ومجتمعي في هذا المِضمار على الأقل.

صدرت الطبعة الأولى من الكتاب في عام 1982، وكانت إسرائيل قد دخلت جنوب لبنان، وعندما رأت روز، زوجتي، نصفي الاَخر، الكتاب قالت، وللأمانه أذكُر ما قالت : “أهذا هو الكتاب ؟” قلت: “نعم”. كان جوابها على التوّ :”بع البيت واطبع الكتاب الثاني “القرية العربية الفلسطينية”.

ذَكرت الباحث العظيم الأستاذ أنيس فريحة في كتابه “حضارة في طريق الزوال”، ولم أعلم بإصدار هذا الكتاب، لقلة التواصل مع دور النشر العربية في العالم العربي اَنذاك. وهكذا يكون فريحة وعرّاف – ربما – من أوائل من لفتوا نظر الأمة العربية أن تهتم بهذا النمط من الأبحاث.

أما الشطر الأخير من السؤال، “ما أهم ما توصلت إليه في دراستك حوله؟”

جوابي اليوم: ما زلنا في أول الطريق في دراسة قُرانا، ريفنا الفلسطيني، قبل أن تضيع حضارتها تحت ضغط الأسرلة، التمغرُب والعولمة بكل ثقلها وفي كل الاتجاهات.

أود أن ألخّص دوافع كتابتي بنقطتين: عامل داخلي هو جهلي لذاتي، وعامل خارجي هو ضغط الحضارة الغربية متمثلة بالثورة الصناعية وما تبعها من ثورات تكنولوجية، طبية، موتورية وغيرها.

  • التطهير الجغرافي، الذي تتعرض له الجغرافيا العربية الفلسطينية، والرغبة الصادقة في الحفاظ عليها وحمايتها ضد محاولات الطمس والتحريف والإلغاء من قبل العدو الصهيوني … هذه الرغبة قد تكون هي السمة الأبرز في عملك البحثي الجاد طوال أكثر من نصف قرن، والتي عبّرت عنها في كتابك “القرية العربية الفلسطينية … مبنى واستعمال الأراضي”.

نطمح أن تحدثنا بشيء من التفصيل عن هذا الكتاب الهام، وعن معركتك – إن جاز التعبير- ضد التطهير الجغرافي التي تتعرض له أسماء الأماكن في فلسطين.

الجواب عن هذا السؤال لا يبتعد كثيراً عن الأول، ولكنني أقول إنه وضع اللَبنة الأولى في هذا المضمار، إذ تبنّت الكثير من المعاهد الهندسية والمعمارية ما جاء في هذه الدراسة. هذا من جهة، ومن الجهة الأخرى كان لانتشاره كبير الأثر بعد الطبعة الأولى في جمعية الدراسات العربية التي أنشأها المرحوم فيصل الحسيني في فندق “أوريانت هاوس”. بيعت الطبعة الأولى بسرعة واضطررت أن أجدد طباعة الكتاب على نفقتي مرتين.

عُقد الكثير من المساقات حول هذا الكتاب، وبذا أكون قد فتحت العيون على أهمية دراسة الريف الفلسطيني، وربما الريف الشامي بشكل خاص، إذ تتشابه الأرياف في أقطار الهلال الخصيب، إذا استثنينا الأرياف القريبة على حافة الصحراء/البادية.

في الشق الثاني من السؤال أردت أن أتحدث عن التطهير الجغرافي الذي تتعرض له أسماء الأماكن في فلسطين، وردّي على هذا الجزء من السؤال: “أصدرت لي مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت بحثاً بعنوان “المواقع الجغرافية في فلسطين، الأسماء العربية والتسميات العبرية” وذلك في تموز 2004، وقد رصدت فيه كل الأسماء العربية التي حاولت إسرائيل تغييرها إلى أسماء عبرية. اشتمل الكتاب على أكثر من 7500 موقع جغرافي غيرت إسرائيل أسماءها، سجلت هناك أسماء الخرب، القرى، المدن، الأجسام المائية المختلفة، الجبال والتلال، المغاور والكهوف وحتى أسماء شوارع المدن.

كان للكتاب صدىً بعيداً إذ سجلت إحداثيات هذه المواقع إلى جانب الاسمين: العربي والعبري والانجليزي، ثم معلومات مختصرة عن كل موقع، بهدف زيادة المعرفة والقضاء على الجهل.

 

  • زرت الأردن مرات عديدة، وتنقلت في ربوعه للبحث عن مصادر القبائل البدوية واستمراريتها في فلسطين. وكان نتاج ذلك كتاب “مرج ابن عامر” الذي يُعد – إضافة إلى كتاب عارف العارف في دراسته عن بدو النقب وبئر السبع – وثيقة بدوية هامة.

حدثنا عن تجربتك في الأردن، وعلاقاتك التي نسجتها أثناء عملك في الكتاب وغيره، وأهم ما توصلت إليه بخصوص حياة القبائل البدوية.

كان الدافع الأكبر لكتاب “بدو مرج ابن عامر والجليلين بين الماضي والحاضر” هو جهل طلابي البدو بمصادرهم وأصولهم وأنسابهم. نموذج ذلك: على الحد اللبناني، وإلى الشرق من رأس الناقورة، قرية بدوية اسمها “عرب العرامشة”. كان قسمٌ من معلمي مدرستها تلاميذي في معهد المعلمين العرب في حيفا، كما كان غيرهم من التجمعات البدوية في “إسرائيل” تلاميذي أيضاً. لم يختلف فهمهم لجذورهم عن جهل باقي التلاميذ القرويين الذين ذكرتهم في السؤال الأول.

بعث بي الأستاذ عبد اللطيف سويدان، مدير مدرسة القرية، إلى أربعة مُسنّين في عرب العرامشة لأسألهم عن جذورهم، كانت الأجوبة شبه متشابهة : “أنا عرموشي” وكنت أُلح وأطلب بإلحاح: “من أين أنت يا عرموشي؟ ” وكانت الإجابة متشابهة. الناس يهتمون بلقمة خبزهم، بأولادهم الذين تربّوا على شظف العيش وبالطُرق البدائية التي سمعنا عنها الكثير.

وعندما زرت عرب النجيدات النازلين بجوار قرية البعينة على السفح الشمالي لجبل طرعان وعند الطرف الجنوبي الشرقي لمرج البطوف، قالوا إن لهم قريباً في منطقة العقبة الأردنية يسكن في وادي الحمام في عمّان الكبرى.

قررت وزوجتي، التي اهتمت بالجانب النسائي في أبحاثي، أن نسافر إلى المملكة الأردنية الهاشمية، وأن نتجول بين قبائلها وعشائرها حيث أمكن، للتعرف عليها من جهة، وللتعمق بتاريخها وارتباطها بالأرض الفلسطينية. استأجرنا سيارة وأخذنا نتجول بدءاً من الشونة الشمالية إلى إربد والرمثا شمالاً وحتى القويرة إلى الشمال من العقبة جنوباً.

في طريقنا إلى إربد، وعلى بعد حوالي 4 كم شمالاً، قرأت لافتة بعنوان “عرب العرامشة”، وعندما سألت الناس عن جذورهم قالوا إنهم من البشاتوة الذين حطوا خيامهم ومساكنهم في غور بيسان، غربي نهر الأردن، حتى عام 1948.

توجهت إلى الكثير من القرى والمخيمات في منطقة إربد ووصلت إلى عمان، هناك قادتني سيارة أجرة إلى مرج الحمام وقابلت السيد اللواء، الوزير محمد عودة، وقد أرشدوني إلى بيت الباشا في مرج الحمام. استقبلنا هذا البدوي، العسكري الرائع، وزوجته وأولاده أفضل استقبال وتحدثنا طويلاً عن حاجتي للمعرفة. استجاب الرجل بشكل لم أتوقعه من الطيبة، والمعرفة وحسن الضيافة. عندما صدر الكتاب حملته إليه في عمّان، وكان يومها يستقبل عدداً من مشايخ عشيرته في القويرة.

أعترف أن الصقريين، البشاتوة، الغزاوية، النجيدات/النجادات وغيرهم كانوا خير مصدر لباحث مثلي  مبتديء في دراسة البداوة. زودوني بالمصادر، إضافة إلى ما قصّوا عليّ من قصص حول قبائلهم.

كانت الدراسات البدوية في المملكة وافيةً وواسعة، مما جعل دراستي أكثر عمقاً ودراية.

أود أن أضيف أن الدولة الأردنية أوصلت الحضارة إلى البادية: الطرق، المياه والكهرباء والمدارس، الأمر الذي ساعد على التقليل من نسبة المهاجرين من البادية إلى المدن، وهذا خفف الضغط على المناطق المدينية والقروية، إذ تحوّل قسم كبير من سكان البادية إلى بناء البيوت الثابتة بدلاً من الخيمة أو إلى جانبها. الناس طيبون، عشرتهم تبقى في وجداني ما دمت حياً.

 

  • لم تنحصر اهتماماتك على توثيق التراث المادي للشعب العربي الفلسطيني، وإنما سعيت في كتابك مع الأستاذ رزق الله عطاالله “المثل الشعبي بين المتحفية والاستمرار” الذي صدر عام 1996، إلى توثيق ودراسة جانب هام من التراث المعنوي غير المادي، والمتمثل بالأمثال الشعبية.

باعتقادك، ما الذي يميز هذا الكتاب عن غيره من الكتب العديدة التي تناولت موضوع الأمثال الشعبية؟ وهل ترى أن الأمثال هي انعكاس حقيقي للجوانب الاجتماعية لدى الناس؟ أرجو توضيح الفكرة مصحوبة بالأمثلة.

بخصوص كتاب الأمثال وددت أن أضيف إلى الدراسات في الدول العربية وفي فلسطين خدمةً أخرى كانت من نتاج الفلاح والراعي الفلسطينيين، رغم تشابه بعضها مع ما جاء في المؤلفات الأخرى.

حاولت وزميلي أن نُصنّف الأمثال الشعبية العربية، الأمر الذي ندر حدوثه في المؤلفات الأخرى.

في عالم التربية مِرقاة / سلم للمربي بألوان متعددة تتألف من عدة درجات، المعرفة هي الدرجة الأولى والتصنيف هو الدرجة الثانية. لم يحدث كثيراً أن صنّف جامعو الأمثال مثل هذا المؤلف.

أذكر أني تلقيت الكثير الكثير من الأسئلة هاتفياً حول مواضيع الكتاب، خاصةً تلك التي تعاني منها المرأة بشكل خاص كعلاقة الحماة بالكنّة وبالزواج من أكثر من واحدة وإلى غير ذلك.

حاولت شخصياً -وما زلت- أن أجمع أمثالاً قيلت في قرية ما أو في مضربٍ بدوي ما فقط. في مكتبتي أكثر من 100 مؤلف عن قرى الريف الفلسطيني، تتبعت ما قاله المؤلفون في كل مجال من حياة قراهم وفي أمثالهم أيضاً التي سجلوها. قلّما وجدت أمثالاً خاصةً بهذه القرية أو تلك، ومع ذلك أسجل هنا بعض ما استطعت أن أجده كنماذج:

في قرية قاقون قيل : “طابون إنهدّ في قاقون”، أُطلق هذا المثل على عدم الاكتراث. وقصة هذا المثل جاءت عندما أطلق اليهود قذيفة مدفع على القرية أصاب الطابون الذي كان قد بُني على أطراف القرية فهُدم، فلم يكترث أهل القرية للأمر وقالوا هذا المثل.

وفيما كانت قاقون المرموقة بين القرى، كبلد زعامة وأمر ونهي قيل “القانون من قاقون”.

وقيل أيضاً في أمثال هذا البلد “إن أغرقت صانور أخصبت قاقون”، ويُطلق هذا المثل على زيادة كمية الأمطار أو نقصانها، فإن زادت الأمطار امتلأت بركة صانور/ مرج صانور، فيعني ذلك أن الخير عمّ على قاقون، رغم بعد المسافة بينهما .

أما المثل الرابع في نساء هذه القرية فهو “أنتِ مثل القاقونية طويلة ونشطة”، إذ اشتهرت المرأة هناك بعملها جنباً إلى جنب بجانب الرجل في الحقل والزراعة إضافةً إلى أشغال البيت وتربية الأولاد.

لا أود الإضافة على هذا الموضوع إذ جمعت العديد من مثلها من القرى التي درستها شخصياً بناءً على طلب المجالس المحلية أو تلك التي كتب أصحابها عنها.

 

  • لكتابك “لمسات وفاء، تاريخ القرى الدرزية” الصادر عام 2009 قصة وحكاية ورؤية وهدف وردود فعل … نحب أن نستمع إليها بالتفصيل، لما لهذا الموضوع من أهمية تاريخية تتعلق بالحقائق التي – للأسف- قد يجهلها معظمنا.

كتاب “لمسات وفاء… و…” قصته مثيرة وتدعو الباحثين إلى المزيد من دراسة المصاعب، المصائب، اللوعات، انعدام الأمن والأمان في الساعات والأيام الأولى من اضطرار اللاجيء الفلسطيني إلى ترك بيته وقريته.

بدأت قصة الكتاب بعد محاضرة أعطيتها في قرية الفريديس، عند الطرف الغربي لوادي الملح الذي يصل بين السهل الساحلي غرباً ومرج ابن عامر شرقاً. سألت أكثر من مستمع عن قراهم التي هُجّروا منها وعن أسباب لجوئهم إلى قرية الفريديس. كانت أجوبة بعضهم: “رُحنا على بلاد الدروز”. لمعت عدة أسئلة في مخيلتي منها: أين هي بلاد الدروز التي يتحدثون عنها، وقد أدرت مدرسة درزية في حرفيش وعلّمت الكثيرين من الدروز في المعاهد والجامعات، ولم أسمع بهذا المصطلح ؟!”

بدأت البحث من الفريديس، عين حوض، طيرة الكرمل/طيرة اللوز/طيرة حيفا، عين غزال، جبعوإجزم وغيرها من القرى في سهل الكرمل، ثم انتقلت شمالاً إلى قرى الجليلين المُهجّر أهلها، وكانت النتائج غريبة عجيبة…

أعترف أن دالية الكرمل كانت دُرزية صرفة في ديانتها، وفي عام 1948 استقبلت هذه القرية ما لا يقل عن 25000 لاجيء فلسطيني ممن اضطرتهم الحرب إلى مغادرة قُراهم، وكان الجيش الإسرائيلي يترك لهم جهة واحدة للهرب، وفي السهل الساحلي كانت الجهة هي جبل الكرمل شرقاً. وعلى الكرمل كانت قريتان عُسفيا والدالية. والطريق من السهل إلى الدالية أكثر سلوكاً لأنها كانت تمُرّ مع الأودية صعوداً.

استقبلت الدالية هذا العدد في بيوتها، اَوتهم، ضمّدت جراحهم، وطلبوا إلى الكثيرين أن يبقوا بينهم، لكن القوات الإسرائيلية كانت تجمعهم في كل صباح، تحمّلهم على لوريات، و”تكُبهم” قرب قرية سالم أو زبوبا في الجزء الجنوبي من مرج ابن عامر، تُطلق فوق رؤوسهم النيران محذرة إياهم حتى من التطلع إلى الخلف.

عاد الكثيرون من اللاجئين إلى دالية الكرمل وأخذوا أماناتهم التي أمّنوها عند السكان، كما قام الكثيرون من الداليين والعسافنة بزيارة مخيم إربد والمنطقة المجاورة بعد الصلح مع المملكة الأردنية، زاروا أصدقاءهم حاملين معهم ما أبقوه من بكارج القهوة والأمانات الأخرى.

أعترف أن حياً كاملاً يسكنه مسلمون أقيم في الجزء الشرقي من دالية الكرمل، الأمر الذي لم يكن قبل 1948 موجوداً هناك.

وفي الجليل استقبلت جولس، أبو سنان، يانوح، كسرى، البقيعة وكفر سميع، الكثيرين ممن اضطروا إلى ترك بيوتهم في الجليل الأسفل.

أحيي قرية يركا التي لم يزد عدد سكانها اَنذاك عن 1500 نسمة، والتي استقبلت بين كروم زيتونها وتينها وفي بيوتها ما لا يقل عن 50000 لاجيء لمددٍ تراوحت بين أسبوع وشهر وإقامة دائمة حتى اليوم.

نضُب ماء الاَبار فيها، واضطُر دروز هذا البلد إلى جلب المياه من بيارات المكر في السهل الساحلي. خبزت النساء الدرزيات أرغفة الخبز الرقيق ووزعوه مدهوناً بالزيت والزعتر والسكر على أطفال ونساء ورجال هذا اللجوء.

أعترف أيضاً، وبشهادة وتوقيع رجالات خمس قرى جليلية، أن سكان قراهم عادوا إليها إثر تدخل ثلاثة أشخاص من اَل معدي لدى السلطة الإسرائيلية، هذه القرى هي: كفر ياسيف، مجد الكروم، دير الأسد، البعنة ونحف.

لم تشذّ بيت جن عن هذا النهج، استقبلت قسماً كبيراً من مسيحيي ومسلمي الرّامة وغيرهم، كما أنها كانت تستقبل العائدين من لبنان إلى قراهم بهدف أخذ ما خبّؤوه وقت الهجيج أو حين تمكنوا من العودة إلى قراهم. كان وادي الذبان، بين بيت جن وحرفيش كدرب الحج خلال الرحيل شمالاً إلى لبنان أو في وقت العودة.

لم تشذّ حرفيش كثيراً عن ذلك، وكانت لعيون البقيعة الاَثار الجاذبة لمئات اللاجئين، ولو لفترة ما.

في اللحظات العصيبة التي يمرُ بها المرء، خاصةً في ظروف الحرب والتفريغ العرقي، يحتاج الانسان إلى من يعطيه بعض الأمن والأمان، بعض التشجيع والمواساة.

وكان لبعض سكان القرى غير الدرزية فضلٌ على اللجوء الفلسطيني في هذا الإطار، وكان لكنائس الناصرة ومعاهدها الدينية الفضل في استقبال لاجئي طبريا، الشجرة، أندور وغيرها في هذا الوقت العصيب.

إستقبل دير أبو اليتامى/دون بوسكو كل لاجئي قرية عيلوط لمدة 18 شهراً، وقد سجلت ذلك في كتاب عيلوط الذي أخذت على عاتقي تسجيل تاريخ هذه القرية وما حدث لها في هذا الكتاب.

ألخص هذا الموضوع بكلمتين: الإنسان للإنسان. وأضيف، وعليه أن يبقى إنساناً دون الاهتمام بالانتماءات الدينية، الاجتماعية، العرقية وغيرها.

 

  • عملت في سلك التربية والتعليم، وتدريب وتوعية المعلمين فترة طويلة من حياتك. ومما لا شك فيه أن المنهاج والتعليم لهما دور كبير في حفظ التراث والهوية الوطنية.

ما تقييمك لواقع الوعي بالهوية الوطنية لدى الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، وإلى أي مدى نجحت الممارسات الصهيونية في تغييب الوعي، وتغريب الإنسان الفلسطيني عن مفردات ثقافته؟ وما التحديات التي تواجهونها في هذا المجال؟

للإجابة عن هذا السؤال تمتلكني أكثر من حيرة:

1.ضغط العيش والحاجة إلى لقمة الخبز تُضطر الإنسان إلى الخضوع ولو إلى حين.

2.يتغلب الإنسان على كل المصائب التي تمر به بقوة عامل الاستمرارية، يدنمك حياته ويتحول من فلاح يأكل خبزه من أرضه إلى عامل أجير على أرضه التي صودرت، هكذا تصرف أبي.

3.وعينا بما يحدث كبير، نعي موضوع مصادرة الأرض بكل أبعاده، نعي مصادرة الهوية التاريخية بكل ما تقصد ويُبرمج لها، كما نعي موضوع مصادرة الجغرافيا الفلسطينية التي تحدثنا عنها في سؤال سابق.

تتفاوت الاهتمامات ودرجات الوعي بكل ذلك من فرد إلى اَخر تبعاً لانتماءاته العائلية، الدينية والحزبية.

أقول، دأبت الجبهة الديموقراطية للمساواة وبعدها التجمع الوطني ببذر بذور التوعية الوطنية في الداخل، ومع ذلك أعترف أن للأسرلة أثراً واضحاً على نسبة ليست بالصغيرة من السكان العرب الباقين في إسرائيل، والذين أطلق عليهم إسرائيلياً “عرب إسرائيل”، ثم عربياً، بعد عام 1967، “عرب الداخل”، وكأن من يسكن خارج إسرائيل “عرب الخارج”، ثم أُطلق علينا “عرب 48” و “العرب الفلسطينيون في إسرائيل”، وهذه كانت أخر تقليعة.

 

  • أكثر ما يميز شخصيتك أستاذي الكريم، حيويتك ونشاطك وتفاؤلك وعملك الدؤوب الذي لا ينقطع … ما هي مشاريعك المستقبلية؟ وما هي رسالتك للشعب الفلسطيني في كل مكان، في داخل فلسطين وخارجها؟ وما دور الفلسطيني في الخارج في الحفاظ على هويته وتراثه؟

 

عندما سمعت رنين هذا السؤال ضحكت وقلت “أووا”.  في حاسوبي العديد من المشاريع، رغم أني اقتربت من الـ 84 عاماً. لا أشعر بالشيخوخة، ولن تزورني ما دمتُ أخطط للمزيد من دراسة الجذور الفلسطينية: مصادر الأسماء الفلسطينية، في ثمانية أجزاء تعالج: الجغرافيا والجيولوجية، التاريخ، الحضارة المادية، الحيوان، النبات، أثر الديانات، والمجهول من الأسماء.

إلى جانب ذلك أحاول جاداً، إلى جانب الموسوعة المذكورة، دراسة موضوع الزلازل، تاريخها وأثرها في منطقة شرق البحر المتوسط، السرايا العثمانية في فلسطين، ولادات ووفيات القرى والمدن الفلسطينية وغير ذلك الكثير.

أطلب من كل الباحثين الفلسطينيين أن يتعمّقوا في دراساتهم الفلسطينية، وأعترف أن البداية موجودة وناجحة، إذ بدون المعرفة لا توجد محبة، وبدون التعمق في المعرفة لا يوجد تجذير للهوية. وأطلب أيضاً من دور النشر الجادة أن تتكفل طباعة ونشر المؤلفات بأرباح مقبولة دون جشع، كما أطلب من المُموّلين القادرين على تشجيع هذه الأبحاث ألّا يبخلوا ببعض ما تجود به نفوسهم من أموال يدفعونها لهؤلاء الذين يقضون عمرهم في الدرس والتمحيص و/أو في تمويل نشر المؤلفات الجادة، كما يفعل الكثيرون في العالم الواسع، وقد بدأنا نحن أيضاً.

 

 صورة 4 لشكري عراف أثناء تكريم الحنونة 2014
  • طوال فترة حديثي معك، وخلال لقائنا في عمّان أستاذي الجليل … يدور في ذهني تساؤلا، وليس سؤالا أرجو أن تتحدث حوله بصفتك شكري عرّاف الإنسان، وليس الباحث الموضوعي الجاد …

عشت حياتك في ظل دولة تحمل جنسيتها، وتتعامل مع مؤسساتها. وفي ظل هوية تحيا من أجلها، وبحثت وكتبت دفاعا عنها … لا بد أنك عشت معاناة حقيقية في ظل هذا الواقع اللامعقول، وشهدت لحظات اشتد فيها الصراع الداخلي … أنا شخصيا أحب الاستماع إلى محطات ومواقف في حياتك عشت فيها تلك اللحظات التي تظهر إنسانيتنا في قوتنا وضعفنا.

سؤال موجع، أجيب عنه – باختصار- لست الوحيد الذي يعاني، إذ عانى قبلي ومعي الكثيرون، كلّ في موقعه الاجتماعي، الاقتصادي والسياسي.

ستصدر لي كُناشة فيها الكثير من لحظات المعاناة القومية والإنسانية في ظل الدولة التي أحمل مواطنتها. يطول الحديث في هذا الموضوع، إذ إنه موضوع الحياة، فمعذرة.

أخيراً لكم مني، في جمعية الحنونة، كل مودة وإخلاص واحترام، أنتم أحبتي، كما شعبي وغيره.

عن adminh

شاهد أيضاً

نظير الشمالي … حوار هاله نمَّر

من فوق أسوار هذه المدينة العتيقة على ساحل شاطىء المتوسط شمال غرب البلاد، يمتد البحر أمامك حاضرًا بكل ما يغازلك به من وعودٍ بالآتي، بانتفاء الحدود، بالعودة من أقاصي الأرض، بالفرح وزغاريد النساء الحبْلَى بزهر الحنُّونة والزعتر الجبلى، بأغاني البحَّارة التي سقطت من الذاكرة؛ وللمفارقة التي تثير في الروح شجنًا قديمًا وطازجًا في الوقت نفسه، يتحول هذا البحر الذي ركب أمواجه القاصون والدُناة/الدانون، إلى جدار كالجدار، يصدُّ أحلام التوَّاقين إلى اعتلاء فلائك الصيد القديمة ونشر قلوعها، وهى تشق أزرق لم يجف لاجتلاب الرزق ولآلىء البحر، وطرح شباكها المطويّة التي مازال يغويها البريق والغوص. تذكّرتُ "حليمة" و"محفوظة" وجميع هؤلاء المتناثرين على الضفاف الأخرى للبلاد؛ حيث إنهم مذ اقتلاعهم من المكان لايعرفون عن البحر سوى صدى أمواجه والحكايات؛ فعند انكسار الموج على شواطىء عكا، عند الحد الفاصل بين الأرض المحتلَّة والأفق المُكبَّل، تطال يديك صدفاته المبلّلة الملونة بأطياف المكان وهواجس البشر، وبعض ما قُسِم لك من السمك الذي شاركك الخبز، عند الشاطىء الشرقي للمتوسط، ظهرك لمدينةٍ -وإن هزمت نابليون- ترزح تحت أغلال احتلال يجرِّف الهوية، وعيون تتطلَّع من محاجرها إلى اللانهائي من الاحتمالات، تختلط المشاعر وتتضارب حينًا، وتستكين في أحيان أخري؛ فتظل تتنازع بين الحضور والغياب.