الرئيسية / دراسات ومقالات / أدب شعبي / مقالات / البكائيات في الأدب الشعبي الفلسطيني … عمر عودة

البكائيات في الأدب الشعبي الفلسطيني … عمر عودة

البكائيات في الأدب الشعبي الفلسطيني

عمر عودة*

*باحث في علم الاجتماع – فلسطين

 يمثل التُّراث الشَّعبيُّ ثقافة الشَّعب الَّتي تراكمت منذ نشأته وانتشرت وتطوَّرت وهو الَّذي صنعها وأوجدها، ولذلك فإنَّ هذا التُّراث يكشف عن ملامح الشَّخصيَّة القومية التي يصدر عنها، والأدب الشَّعبيُّ جزء من هذا التُّراث يتميَّز بأنَّه إنتاجٌ جماعيٌّ، إنتاج الشَّعب كلِّه، إذ قطع شوطًا طويلا أمام التحدِّيات حتَّى وصل إلينا مستفيدًا ومغتنيًا من ذكاء الأجيال وخبرتها.

والأغنية الشَّعبيَّة شكلٌ من أشكال التَّعبير الإنساني يجد فيه الإنسان متنفَّسًا للتَّعبير عمَّا يجيش في خلجات نفسه من المشاعر،” ولمَّا كانت الحياة ليست أفراحًا دائمًا، وكان الفرق بين الأفراح والأتراح حرفًا واحدًا، كانت الكلمتان متلازمتين متجاورتين، فلا ولادة إلا ويقابلها موت، ولا سرور إلا وأمامه حزنٌ، ولا ابتسامة إلا وإزاؤها عبوسٌ”.[1]

 

بتعدد جوانب الحياة تعددت جوانب الأغنية الشَّعبيَّة وأشكالها، فمنها ما يخصُّ الزَّواج والنَّجاح والميلاد، ومنها ما يخص الموت والفراق والوداع، إلا أنَّ الأدب الشَّعبيَّ “يخص الوفاة بمكان علَّه يفوق ما يفرده للزَّواج والميلاد، وتبلغ البكائيَّات الجنائزيَّة درجة من التجويد والصنعة الشِّعريَّة ومن ابتداع المعنى وطرافته، ما ليست تبلغه أغاني المناسبات العائليَّة السَّارة”.[2]

البكائيَّات أكثر الفنون الشَّعبيَّة تعبيرًا عن معنى الألم والأسى، وتصوِّر جوانبَ إنسانيَّة عميقة المدى والتَّأثير في نفس صاحبها، لأنَّها مقترنة بالموت الَّذي يحرق القلوب، وفيه قيلت أشرف المراثي وأصدقها، صدقت الجوارح في التَّعبير عنه، فإنَّ ما خرج من القلب أبكى النَّاس، وما خرج من اللِّسان لم يتجاوز الأذان وفي ذلك يقول عمرو بن ذرْ: سألت أبي ما بال النَّاس إذا وعظتهم بكوا، وإذا وعظهم غيرك لم يبكوا؟ قال:يا بنيَّ، ليست النائحة المستأجرة كالنائحة الباكية”.[3]

ولا تقتصر البكائيَّات على الموت وحسب، وإنَّما تشمل كلَّ ما له علاقة بالفراق والحزن والتأسِّي، فهي – في الأعمِّ الأغلب- أغانٍ خاصةٌ ذات إيقاع رتيب حزين”[4]، تكشف عن حزن الإنسان دون النَّظر إلى سببه، منها ما يخصُّ الموت ويندرج تحت “البكاء الجنائزيِّ الشَّعبيِّ أو الذَّاتيِّ للجدَّات والأمَّهات يندبن ويعدِّدْن صفات الميْت”[5]، ومنها بكاء سوء الحظ، عندما تلجأ المرأة إلى العدودة (البكائية(، حينما تضيق بها الحياة وتدْلَهِمُّ أمامها الأيَّام وتقفل دون سعادتها الأبواب، فتنطلق العدودة على لسانها،- حينما تخلو بنفسها- بحزن عميقٍ ودمع غزير سخي يفجر آلامها المكبوتة”[6]، وهو ما يعرف عند عالم الفولكلور (هجرتي كراب) بالشُّكائيَّات”.[7]

مضامين البكائيات الشعبية الفلسطينية وأنواعها

تبدأ شعائر الموت بالنَّعي، وهو الإخبار عن الوفاة في داخل القرية أو المدينة، ثمَّ في المناطق المجاورة، لاسيَّما إذا كان الميْت ذا مكانةٍ في المجتمع، وقد بقيت هذه العادة في بعض قرى الجليل إلى عهد قريب”[8].ومما يقال في هذه المناسبة:

هَبِّ الْهَوَى شرْقِي وغرْبي         لا تِفْتحُوا عَليَّ جْرُوح قلِبي

كِلْمِة من الله يا حَرَايِر             الْمَكْتوب عَ الْجبين صَايِر

وبعد أن يُدفن الميْت، تقوم النِّسوة بتشكيل حلقةٍ حول القبر، أو في ساحة بيت الميْت، أو حتَّى في أحد الشَّوارع، وفي هذه الحلقة نسمع الصُّراخ ونرى ضرب الصُّدور، وخمْش الوجوه، وتمزيق الثِّياب، ونفل الشَّعر وشدِّه، هذه الحركات السَّريعة الهستيريَّة، ترافقها بكائيَّات حزينة تتناسب في إيقاعها مع الحركة السَّريعة، الَّتي تقوم بها تلك النِّسوة، وتعرف هذه البكائيَّات بالنَّدب وهو “تعديد النَّادبة بأعلى صوتها محاسن الميْت، وقيل هو البكاء مع تعديدها”[9].

وْسَاحَة وْسِيعَة وْمَرْمَى يَا عَايِك    والْقول عَ خيِّك يا فْلاَنة لايِكْ

وْسَاحَة وْسِيعَة والْمَرَّاح يِمْرَح       والْقول عَ خيِّك يا فْلاَنة بصْلح

أمّا النِّواح فيتم وهنَّ جالسات، حيث يردد قسمٌ منهنَّ وترد عليهنَّ الأخريات”[10].ومنه:

يا نارْ قلْبي نار شِيحْ    وْقادْهَا ما يِسْتريح

يا نارْ قلْبي لهْلبَان      ما توقِدْ إلاَّ مِنْ زَمَان

يا نارْ قلْبي لهْلِبيِّه      ما توقِد إلاَّ مِنْ عَشِيِّة

و تتنوَّع مضامين البكائيَّات بتنوُّع المناسبة الَّتي تقال فيها، فالبكائيَّة الَّتي تقال في موت الرَّجل غير الَّتي تقال في موت المرأة، والتي تقال في المُسِن غير الَّتي تقال في الشَّاب، والشَّابة غير العجوز على النحو الآتي:

 

بكائيَّات الرجل

الأبُّ عماد البيت وجمل المحامل وجالب الرِّزق ومعيل العائلة، وفقده يعني الحرمان، وهو أكثر ما تعاني منه الزَّوجة، فتقول:

حَطُّوا اللَّحِد بينِي وْ بيُنه     مَا عَادْ عِينِي تْشوف عِينه

 

لقد كان السَّند لها، يكفيها متاعب الحياة ويحمل عنها همومها:

والْجُوز يا نِسْوان غالِي      وَأعَزْ مِنْ عَمِّي وْ خالِي

والْجُوز يَا نِسْوَان يِنْفع       يا قعِدْته في الدَّار تِرْفع

أمَّا البنت فأكثر ما يحزنها الحرمان من النُّطق بكلمة “أبوي”:

          بَيِّي وْبَيِّي ما أحْلى قولِةْ بَيِّي         يِشْتدْ حِيلِي وْيِرَجِّع قوْتِي لي

         يا بُويْ جَرْجرْ لِي عَباَتك                      وامْشِي عَ مَشْيِة بَناَتك

وأكثر ما يثير الأحزان في النِّفوس منظر العيال بعد فقد معيلهم، فإذا كان للفقيد أولادٌ عندها تعظم المصيبة ويشتدُّ كربها، وهنا تتحسَّر المرأة على ما كان يقدِّمه بعلها لأولادها فتقول:

يا جَايِب الْخرج الْمَلان  فرِّقْ وَقسِّم عَ لِعْيال

أمَّا إذا أنجب الفقيد الإناث دون الذُّكور، فإنَّ “البنات هَمْهن للْمَمَات”، وفي البكائيَّة تبرز المرأة نزعتها إلى تفضيل الذُّكور على الإناث، تقول:

يا عِينْ مَا تِبْكِيشْ عَلْيِّ مَات    ابْكِي عَلّْيِّ خلَّف الْبَنات

ومع ذلك تتعهد المرأة الفلسطينيَّة لزوجها برعاية أبنائه، فتقول:

يا رَايْحِين مع السَّلامَة  واوْلادَك عنْدِي أمَاَنة

 

بكائيَّات الشَّاب

مِيتة الشَّاب تأتي- في الأعمِّ الأغلب- فجأًة دون توقُّع، وكما يقولون: “خطُفه الموت خطِف”، فتكون الصَّدمة شديدًة على أهله ووقْعها حزينًا، وتركِّز البكائيَّات على مضمون يكاد أن يكون الأوحد فيما يخص الشَّاب، يتمثَّل في حرمان الشَّاب من الزَّواج ومن ثمَّ حرمان الأهل من الفرحة به:

رَاح بْخاطْرُه نومِه بْعِلِّيِّة         راح بْخاْطره زَفِّه مع بْنيِّه

راح بخاطره نومِه في قاع الدَّار   راح بخاطره زَفِّه مع الشُّطَّار

وقد تحدد البكائيَّة العروس الَّتي تمنَّاها الشَّاب قبل موته:

يا شبْ بتْشبَّبْ وْما تْهَيَّاله         مات بْحَسِرْته نِفْسُه بْنت خاله

يا شبْ بتْشبَّب يا قْشِيَلك يُمَّه      مات بْحَسِرْته نفسه بنت عَمُّه

ومن باب التحسر تكثر البكائيات على الشباب من استخدام الألفاظ الموحية التي تدل على العرس، والَّتي يكون لها حضورٌ بارزٌ مقارنة بالبكائيَّات الأخرى، فهذه تبكي على أنَّه لم يُحَنِّ كفَّيْهِ، فتقول:

بَبْكِي عَليه مَا تْهَنَّا      وَ لا قلَّب الْكف لِمْحَنَّا

و من مظاهر العرس غير الحناء(الصَمْدِة)، وهي ما كانت تتمناه الأمُّ لابنها قبل موته، فتقول:

    يا شبْ يا مِحْتشِم              قلْبي حَزين عَلِيك

    وبْخاطْري اصْمُدَك           وَاجْلِي الْعَروس عَلِيك

ولكنَّها تدرك في النِّهاية أنَّ عرسه بمعنى الفرح والسَّعادة لم يعد بالإمكان، فقد حال الموت دون ذلك وحلَّ محلَّه عرسٌ آخر، عرسٌ يزفُّ فيه الشَّاب إلى قبره:

 

يا عَريس عُرْسَك ما يِحْلالِي        لا فِي غنَانِي ولا في ذِبح خِرْفانِي

مَا فِشِّ غِير البُكا والنُّوح يَا غالِي

ومما يبعث على الأسى والحزن ويلهب قلب أم الشاب الميت وأخواته، رؤيتهن أصحابه وخلانه، فعندما ترى الأمُّ خلاَّنه تتذكَّره وتبكي عليه:

يا شبْ شبَّان الْغوَى بنْدَهُوَلك         عَ الصِّيد وَلا قاصْدِين الْمَقابر

   ونْ كان عَ الصِّيد  شدِّينا وْهَمِّينا       ونْ كان عَ الْقِبر لا رُحْنا وَلاجيَنا

 

بكائيَّات الملك أو الزَّعيم

عندما نتحدَّث عن بكائيَّات القائد في الأدب الشَّعبيَّ الفلسطينيَّ، فإنَّنا سنلاحظ الحضور المميَّز للقائد المصريِّ جمال عبد النَّاصر، وهو خير مثال لنا على البكائيَّات الَّتي تخصُّ القائد أو الزَّعيم، وذلك لكثرة ما قيل فيه يوم وفاته، وتصوِّر البكائيَّات الَّتي قيلت في هذا القائد آلام الشعب الفلسطيني الناتجة عن الأحداث المؤسفة الَّتي ألمت بهذا الشعب، وألبسته ثوب الحزن وصبغته بالأسى، حيث بموته فقد الشَّعب الفلسطينيُّ من يحميه ويدافع عن قضيته:

رَئيسْنا يَلِّي عَلِيك الْمُعْتمد       خلْيتْنا بينْ الْيَهُود بَلا سَند

رَئِيسْنا يَلِّي عَليك اللُّوم           خلِّيتنا بينْ الْيهُود والْقوم

وعندما أعلن السَّادات عن وفاته، أصبح في نظر الإنسان الفلسطينيِّ مصدر شؤٍم كالغراب:

زَعَق السَّادَات قلٌّه الشَّعِب مَاَلك       دعا لبُو خالد بالُفراق قلُّه عُقْبَاَلك

 زعق السَّادات قلُّه الشَّعب غرِّب       دعا لبُو خالد بالُفراق قلُّه جَرِّب

مثل هذه النَّماذج السَّابقة وغيرها كثير مما لا يتسع المجال إلى ذكر جميعها خاصَّةٌ بالقائد جمال عبد النَّاصر، ولكنَّها في الوقت ذاته تصلح لأيِّ زعيم أو قائدٍ، اللَّهمَّ باستبدال الاسم فقط إن وُجد، وهذا ما حدث معي عندما طلبت من إحدى الرَّاويات بعضًا من البكائيَّات في أبي عمَّار، شرعت بقولها:

رَئِيسْنا يَلِّي عَليك المُعْتمد       خلِّيتْنا بينْ الْيَهُود بلا سَند

ومنه:

كرسِي أبُو عمَّار جَلُّلوه بالجُوخ      بَعِد أبُو عَمَّار ما حْلِيلِي شْيُوخ

 

بكاء المرأة

المرأة هي المركز الَّذي يلتفُّ حوله الرَّجل والأبناء، فيُشكِّل الثَّالوث الإنسانيَّ في الوجود، ولأهمية دورها تبرز الحاجة إلى المرأة بعد وفاتها لمن لم يدرك أهميتها قبل فقدها، كما تقول البكائية:

نِبْكي عَلِيهن مِنْ عُوزْهِن       لوْلا عُوزْهِن ما بَكِينا

تصوِّر البكائيَّات الشَّعبيَّة العلاقة الرَّابطة بين الزَّوج والمرأة من جهةٍ، وبين الأولاد والمرأة من جهةٍ أخرى، أمَّا الزَّوج فخسارته ما بعدها خسارة عندما يفقد زوجته:

كسّْروا صَندُوقْها  وارْمُوا اللِّواح        قشْلان يا جُوزها وَأَصْبَح نوَّاح

كسّْروا صَندُوقْها  وارْمُوا الخشب       قشْلان يا جُوزها وَأَصْبَح عزب

ولا يمكن أن يعوَّض فقدها أو أن تسدَّ مكانها امرأة أخرى:

يا جُوزْها  وارْكب حصَان         فرِّ العَرب و التُّركمَان

عَ مِثِلْها مَا عاد تِلْقى

غير أنَّ الأبناء هم أكثر من يثير الحزن بعد أمِّهم، ويكونون مصدر إيحاءٍ للبكائيَّات:

إِمْ لِمْطرَّز مِرْتِكِيِّه   يا حِينْها مَاَتتْ صَبيِّه

خلَّتْ زْغِيرْها وَرَاها

وبالتَّالي فإنَّ الأولاد هم أكثر منْ يَحْزَنُ على فراق المرأة:

ابْنِك علِيكِ  شرَّك إكْمَامُه      إنت عِمَاد الْبيت وْإمامُه

كما أنَّ البكائيَّات تحرص على تصوير حال الأبناء بعد أمهم من ذلٍّ وجوع وسوء معاملةٍ:

يا يَتِيمها عَالقِدِر واقِفْ        قلْبُه مِن النَّهْرات ناطِف

يا يَتِيمها عَالقِدِر مكفي        قلْبُه مِن النَّهْرات مطفي

وقد تموت المرأة دون أن تنجب، عندها تكون قد فقدت الوظيفة الأساسيَّة لها في مجتمع فُطِر على حبِّ البنين، فتكون المصيبة أعظم وأشدَّ؛ لأنَّ “اللِّي خلَّف ما مات”:

مَال الوَلِيِّة نعِشْها مَايِل         مَالْهَاش وَلد وَسْط الرِّجال شايِل

وفيما يخص المرأة تحرص البكائيات على تصوير جمالها الأخلاقي:

                 والمُوت مَا يِصْلِحِلْكِنِّش      يَا صَايْنات عْرُوضْكِنِّش

                  والمُوت يِصْلح لِلْهَفايَا        والخارْجه بعدِ الْعِشا

حتَّى في موتها فإنَّها تصون عِرْضها، وتطلب سِتْرها، فتقول الباكية على لسانها:

                   يا جَارْتِي بحياة خيِّك        بالله حِدِّي ثوِبي عَليِّه

 

بكاء الأطفال

الأطفال زينة الحياة الدُّنيا، وِبفقدهم تعتم الدُّنيا بعد زهوها وتفقد بهجتها، فهم ثمار العلاقة الزَّوجيَّة، وفيهم يرى الإنسان نفسه، وهم غاية الوالدين، وكينونة المرأة، واستمرار وجودها الذَّاتي، فرحها من فرحهم، وحزنهم من حزنها:

ما أحْلى الأولاد وما أحْلى زَقْزَقِتْها     وما أحلى نِسْوان حامَلتْها

وْلِيدَات ولِّي ماحَلاهِن                      ما أعْجَل الْبين لمِنُّو طوَاهِن

و تصل المرأة إلى أقصى حالات الحسرة والأسى بفقد ابنها، حتَّى أنَّها تتمنَّى لو لم تنجب كي لا تتجرَّع حسرة فقده:

عَلْيُوم  لونَّا ما احْبلْنا        وَلا قاَلت الْحريم عَّنا

جَابَتْ صَبيِّة ولا بْنيَّه

لقد عجَّل الموت في خطفهم، فذهبت جهود الأمِّ سُدًى دون جدوى، ولم يشفع لها سهر اللَّيالي وبرد الشِّتاء أمام الموت:

           رَبِّيتهُم ورْبيت مَعْهُم               وفْراقْهُم يِصْعَب عَليِّ

       ربِّيتهُم في مُقْلة الْعِين          فرُّوا مِن إِيدِي فرِّة الْطِير

 

و أصبحت تضع منظار شؤم على عينيها، لا ترى في الوجود شيئًا جميلا:

إنْ انْجَنَّت أمِّي لا تْلومُوها           ون دارَتْ فِي الودْيَان لا تْرُدُّوها

يا دَار مَلْعُون أبُوكِ                          رَاحُوا وْ خلُّوني وْ خلُّوكِ

ولم يبق باليد حيلة، سوى التَّمنِّي والتَّحسُّر:

عَالْيُوم لوْ دَامُوا وْدُمْنا        عَالشُّوك والْحَجَر نِمْنا

والتَّذكُّر كلَّما لاح أمامها من يذكِّرها به، وليس مثل رفاقه شيءٌ في إثارة حزنها وشحن ذاكرتها، فتطلب منهم البعد عنها لِتخفِّف عن نفسها:

يَا اوْلاد زُوُلوا عن قْبَال عِينِي      بتْفطَّن الغالِي والْعَزيز عَليِّي

وإن تغيَّب الرِّفاق عنها، فهناك غيرهم ممَّن يذكرونها بابنها، أؤلئك الباعة المتجوِّلون:

يا بَيَّاع الطَّوَاقِي       فِي حَارة أمِّي لا تْنادِي

وتْجيبْنِي عَ بال أمِّي

 

بكاء الشهيد

تغيَّرت معاني النَّدب والبكاء في الأراضي الفلسطينيَّة إثر الانتفاضة والثَّورات الَّتي خاضها هذا الشَّعب، وما نتج عنها من شهداء معظمهم في مقتبل العمر، هؤلاء الَّذين أرَّخوا لفلسطين بدمائهم، حتَّى أصبح “الموت فداء للوطن” عنوانًا لهذه الأمَّة، وأمام أعين الجميع تحطَّمت أسطورة الموت، فلا خوف منه ولا تردُّد، إنَّه تغيُّرٌ في موقف الإنسان نفسه، تغيُّر شهد له القاصي والدَّاني، وخطُّوا له السُّطور من شعر ونثر، والبكائيَّات ليست أقلَّ حظَّا في كلِّ هذا، خاصة أنَّها صادرةٌ عن من قدَّم الشُّهداء، صادرةٌ عن خنساء فلسطين.

امتازت بكائيَّات الشَّهيد عن سائر البكائيَّات في معانيها ومضامينها من جهةٍ، وفي الشَّكل الَّذي تُؤدى فيه من جهةٍ أخرى، لتصبح جنازة الشَّهيد عرسًا يُزَفُّ فيه الشَّهيد:

زفُّوا الشَّهيد و خلُّوا الزَّفِة عَ السُّنِّة    زفُّوا الشَّهيد إلْبيُتوا الثَّانِي فِي الْجَنِّة

تركِّز البكائيَّات الخاصَّة بالشُّهداء في مضمونها على محور واحدٍ، هو المفاخرة بالشَّهيد، وهو ما دفع الشَّاعر الشَّعبيَّ إلى أن يقول على لسان محمد جمجوم، مخاطبًا أخاه:

يُوسف يا يوسف  وصايْتك أُمِّي      واصْحِى يَا أمي بَعْدِي تِهْتمِّي

فاستجابت الأم الفلسطينيَّة لهذه الوصيَّة، وقالت:

جَابُوا الشَّهيد جَابُوه         يَا فرْحِة أمُّه وَبُوه

وبقدوم جثمان الشَّهيد، يحلُّ الفرح والزَّغاريد والرَّائحة الطَّيِّبة:

قولِي عَليِّ ما أَنا رَدِّي يا خيِّتِي        ريحِةْ عَناِبر فايْحَة في بيتِي

قٌولِي عَليِّ ما أنا رَدِّي يَا خالتي          ريِحِةْ مِسْك فايْحَة عَلى شالْتِي

ثم يُحمل الشَّهيد على الأكفِّ بعد وداع الأهل والأصحاب ورفاق الدَّرب له، وهنا توصي الباكية:

ألا يا مقبرة هَلِّلِي فِي أبُو فلان        يَا ذِيب الغَنم بَعْدِي عن الْفرسان

 

ورفاقه أكثر من يحزن عليه:

لِمُّوا البارود وْحُطُّوا السِّلاح         يِفْقدَك رْجَاَلك يُوم يِصِير صْيَاح

وتزداد هذه الذِّكرى بالأشياء الَّتي خلَّفها الشهيد، والَّتي رافقته في ساحة المعركة وأهمها البارودة:

بارودة يَا مجَوْهَرة  شكَّالِك راح        شكَّالِي عَ عَدُوُّه تِطْلع صْبَاح

بارودة يَا مجَوْهَرة  شكَّالِك وين        شكَّالِي عَ عَدُوُّه تِطْلع في ليل

وأخيرًا، لا تغفل البكائيَّات العدوَّ القاتل، فله نصيبٌ منها، يتمثل في الدَّعوة عليه، تقول الباكية:

لروح عَ اسْرائِيل وهِدِّ العَالِي           ريتْها سُودَه ما  شاَفتْ الغالِي

لروح عَ اسْرائِيل وهِدِّ رفوفها           ريتْها سُودَه ما  حييت ضيوفها

[1]– الأسدي، سعود محمد: أغاني من الجليل، الناصرة،1976، ص 53.

[2]– صالح، أحمد رشد:  الأدب الشعبي، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة،1971، ص 261.

[3]– ابن عبد ربه، أبو عمر بن حمد عبد ربه: العقد الفريد، شرح وتصحيح وضبط:عبد السلام هارون، وآخرين، دار الكتاب العربي، بيروت،1982ج3، ص175.

[4] سرحان، نمر: موسوعة الفولكلور الفلسطيني، الطبعة الكاملة من الألف إلى الياء، عمان،1989، ص 812.

[5]– عبد الحكيم، شوقي: موسوعة الفولكلور والأساطير العربية، دار ابن خلدون، بيروت،198، ص 114.

[6]– الجمحي، عزيزجاسم: بكائيات بغدادية، مجلة التراث الشعبي، المجلد(7)،العدد(4)، 1976، ص 117.

[7]– كراب، هجرتي: علم الفولكلور، ترجمة: رشدي صالح، دار الكتاب العربي، القاهرة، 1967 ، ص 216.

[8]– الأسدي: أغاني من الجليل، ص 53.

[9]– الألوسيّ، محمود شكري: بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب، شرح وتصحيح وضبط: محمد بهجت الأثري، دار الكتب العليمة، بيروت،(د.ت)،ج3، ص13

[10]– أبو هدبا، عبد العزيز، وآخرون: المجتمع والتراث الفلسطيني، قرية ترمسعيا، جمعية إنعاش الأسرة، البيرة، 1987، ص 109.

عن adminh

شاهد أيضاً

لماذا ابتسم الجبل؟!

أديب فلسطيني، ولد عام 1957 في جبل المكبر بالقدس، بدأ الكتابة في سن مبكرة. يحمل ليسانس لغة عربية ودبلوم تربية من جامعة بيت لحم، وماجستير أدب أطفال من جامعة القدس.    أحد مؤسسي اتحاد الكتاب الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، وعضو هيئته الإدارية المنتخب لأكثر من دورة. كما أنه من مؤسسي ندوة اليوم السابع، المستمرة في عطائها الثقافي منذ العام 1991.