الرئيسية / ذاكرة مكان / عكا / التراث المعماري العُثماني في عكا

التراث المعماري العُثماني في عكا

التراث المعماري العُثماني في عكا

د. محمد علي الكحلوت*

*أستاذ مشارك، قسم الهندسة المعمارية، الجامعة الإسلامية، غزة – فلسطين.

   يُعتبر التراث المعماري جزءًا مهمًّا من التراث الثقافي، ويلعب دورًا رئيسًا في الحفاظ على هوية الشعوب، وفي الشهادة على تاريخهم وحياتهم على الأرض. لذلك كان من الضروري الحفاظ على الموروث المعماري الفلسطيني وإبرازه خلال حقب التاريخ المتعاقبة ولاسيما الحقبة العثمانية كونها آخر حقبة إسلامية قبل تأسيس دولة الكيان الصهيوني، وتركت كثيرًا من المباني والمقدسات والمواقع الأثرية في فلسطين التي كانت جزءًا من الإمبراطورية العثمانية قرابة خمسة قرون.

 

التطور العمراني للمدينة

أ- منذ نشأتها إلى ما قبل الفتح الإسلامي

اشتهرت مدينة عكا بمينائها منذ تأسيسها على يد الجرشانيين لتصبح مركزًا تجاريًّا مهمًّا، لأنها تطل على خليج عكا الذي يسهُل رُسوّ السفن فيه، وفي عهد البطالسة أصبحت مركزًا رئيسًا لهم وأنشؤوا فيها دارًا لسَكِّ العملة، فاحتفظت المدينة بمكانتها كمركز تجاري وميناء بحري مهم. وفي العصر الروماني كانت المدينة مركزًا حربيًّا مهمًّا، ففي عام 52م، أنشأ الإمبراطور الروماني Claudius بالمدينة مستعمرة حربية أطلق عليها اسم مستعمرة “كلوديا” الحربية. وفي عهد الإمبراطور Hadrian في 117م، تم تعبيد الطرق لتصل عكا بالجليل.

 

ب- في العهد الإسلامي

   بعد الفتح الإسلامي للمدينة، تم إنشاء دارٍ لصناعة السفن، وقام الخليفة هشام بن عبد الملك بإنشاء قصرٍ له فيها، وازدهرت الحركة التجارية والصناعية في المدينة.

 

ج- في العهد العثماني

اهتم العثمانيون بالمدينة كثيرًا، ففي عهد ظاهر العمر نمتْ المدينة نموًّا كبيرًا، وقام بتعمير سورها وحصونها وأبراجها وأنشأ قصرًا له وجامعًا وبُنِيَ في عهده السوق الأبيض وخان الشونة. وبعد تولِّي أحمد باشا الجزار الولاية نقل المركز من صيدا إلى عكا وبنى لها سوران، وبعد وفاة أحمد باشا الجزار تولى سليمان باشا الولاية فرمَّمَ الأسوار والأبراج وجدَّد بناء الجامع وبنى سبيل أمام بوابة عكا. وفي بداية القرن العشرين ازدادت أهمية ميناء حيفا فقلَّت أهمية مدينة عكا، فأصابها الركود التجاري ولكنها شهدت تطورًا عمرانيًّا بعد إلغاء حظر البناء خارج أسوار المدينة. وفي عام 1908 احتوت المدينة على 1000 منزل وستة مساجد وسجنين وخمس كنائس و166 مستودعًا و13 مقهىً و415 محلًا تجاريًّا.

 

د- خلال فترة الانتداب البريطاني

   ازداد عدد سكان عكا في هذه الفترة ليصل إلى 12,360 نسمة في عام 1945م في مساحة 1,538 كم، ولم يهتم البريطانيون بالمباني الأثرية، وقد ازدادت أعداد المدارس في هذه الفترة لتصل إلى 13 مدرسة واشتهرت المدينة في صناعة الزجاج والخزف والفسيفساء والمنسوجات بجانب مصانع الثلج والمطاحن.

 

بعد الاحتلال الإسرائيلي في عام 1948م

   تضررت مدينة عكا كثيرًا بعد الاحتلال الإسرائيلي، فهجرها سكانها العرب في الوقت الذي تدفق فيه اليهود إلى المدينة وبدأت تنمو خارج أسوارها التاريخية، فأُنشِئت أحياءٌ جديدةٌ في الجهة الشرقية والشمالية والشمالية الشرقية وأنشئت منطقة صناعية في جنوب شرق المدينة والتي سميت باسم مدينة الصلب. وهذا أدى إلى انقسام المدينة إلى جزءين: الجزء الأول وهو المدينة التاريخية داخل الأسوار التاريخية، أما الجزء الثاني فهو المدينة الجديدة خارج أسوار المدينة.

 

خلفية تاريخية حول العمارة في الفترة العثمانية

دامت فترة الحكم العثماني لأكثر من 500 عام وتركت معالم تراثية معمارية عظيمة من مساجد وقلاع وخانات وأسوار ومنها ما هو قائم حتى يومنا هذا، وقد تأثرت العمارة العثمانية في بداياتها بالعمارة البيزنطية وعمارة السلاجقة ولكنها تميزت بأنها أكثر سحرًا وثراءً. ويمكن تقسيم العمارة العثمانية، إلى ثلاثة أقسام رئيسة وذلك تبعًا للتطورات التاريخية لها وهذه الفترات هي:

الفترة المبكرة الأولى: وكانت مابين القرن الثالث عشر ومنتصف القرن الخامس عشر، وهي الفترة التي سبقت فتح اسطنبول عام 1453 م والتي انتقل الحكم فيها للسلاطين حيث تميزت هذه الفترة بنمو في بناء المساجد والخانات والحمامات العامة والمدارس مما أدى إلى وجود أشكال معمارية مميزة.

الفترة الثانية: وهذه الفترة تبدأ منذ السيطرة على اسطنبول حتى القرن السادس عشر والتي شهدت تطورًا في الفنون والتكنولوجيا، وأثَّرت على أوروبا وشمال أفريقيا والشرق الأوسط.

الفترة الثالثة: وهي من نهاية القرن السادس عشر حتى القرن العشرين والتي نسب إليها الضعف السياسي والاقتصادي حيث كانت العمارة فيها ضعيفة باستخدام مقاييس صغيرة  وتأثُّرٍ أكثر وضوحًا بالغرب.

 

العوامل المؤثرة في العمارة الفلسطينية في الفترة العثمانية

أثَّرت مجموعة من العوامل على العمارة في الفترة العثمانية وكان من هذه العوامل:

العوامل السياسية: وتتمثل في مرور المدن الفلسطينية بمراحل من الازدهار والتراجع في ظل حكم المماليك قبل الحكم العثماني، حيث أبقى العثمانيون على الهيكل الإداري المملوكي السابق، والنظام المالي الذي اعتمد على نظاميْ الاقطاعات العسكرية والإدارية والذي أفرز الطبقات الحاكمة التي شيدت القصور وطبقة الرعية التي شيدت المباني البسيطة.

العوامل الاقتصادية: التفاوت في مستوى الدخل بين الناس جعل لكل منهم متطلبات في بيته تختلف عن الآخر، فالبيت يزداد مساحةً وارتفاعًا مع الغنى أو اختلاف أهداف استعمال السقف للتعليق. كذلك بيوت الفلاحين تختلف من حيث كون صاحب البيت يملك مواشي أو لا يملك.

العوامل الاجتماعية والسكانية: مزيج السكان الذين سكنوا فلسطين أفرز أربع طبقات اجتماعية للسكان هي؛ طبقة العائلات الحاكمة صاحبة النفوذ، وطبقة الأعيان من رجال الدين والعلماء، وطبقة التجار والأثرياء، وطبقة العامة. مما انعكس على المساكن وأحجامها وأنواعها.

العوامل الطبيعية (المناخ): المناخ عاملٌ رئيسٌ في تحديد شكل العمارة ونمطها، فالمناخ في فلسطين لعب دورًا مهمًّا في أن يكون الفناء الداخلي للبيت الفلسطيني في العهد العثماني يوفر الجو المريح للسكان وارتفاعه الذي يمنع أشعة الشمس في التغلغل إلى البيت، كذلك سماكة الجدران الكبيرة كانت نتيجة المناخ لتؤدي وظيفتها كعازل للحرارة المرتفعة.

 الموقع ومواد البناء: كان الاعتماد الرئيس في البناء على المواد المتوافرة في البيئة المحلية، فنجد أن الحجر متوافر بكثرة في المناطق الجبلية وهو بأنواع مختلفة، وهذا أدى إلى أن المباني في العهد العثماني كانت من الأحجار بأنواعها من حجر البازلت وحجر المزي الأبيض.

 

التراث المعماري العثماني في مدينة عكا

تعتبر مدينة عكا من المدن الحاضنة للتراث العثماني حتى هذه اللحظة، وقد صُنِّفتْ كمدينة تاريخية من مركز التراث العالمي في عام 2001، وقد جاء في هذا القرار: “عكّا مدينة تاريخية مُحصَّنة اشتهرت بمينائها العريق، توالت عليها حركات الاستيطان البشرية من دون توقف منذ الحقبة الفينيقية. أما مدينة عكّا الحالية فهي تميّز المُدن المُحصَّنة العثمانية العائدة إلى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، بقلعتها ومساجدها وخاناتها وحمّاماتها العامة”. فنجد أن الطابع الغالب على تراث مدينة عكا هو الطابع المعماري العثماني، وما زالت العديد من المنشآت العثمانية قائمة حتى هذا اليوم.

 

تحليل الآثار العثمانية في مدينة عكا

تضم البلدة القديمة المُسوَّرة مجموعة من المباني والأماكن الأثرية منها ما هو قبل الفترة العثمانية، مثل: خان الإفرنج وخان الشواردة، ومنها العثماني وهو الطابع الغالب على هذه المباني، وسيتم تسليط الضوء على بعض المباني العثمانية في عكا في التحليل الآتي:

 

جامع أحمد باشا الجزار

شرع ببنائه والي مدينة عكا العثماني أحمد باشا الجزار عام 1781م في مدينة عكا، ويتميز باستخدام الفن المعماري الإسلامي فيه، حيث يعتبر تحفة معمارية وسياحية نادرة. ويقع الجامع في مدخل مدينة عكا من الجهة الشمالية، ويلاحظ من موقعه سيطرة المسجد على المكان بارتفاعه الكبير.

وصف الجامع (المسجد): يوجد للمسجد مدخلان؛ المدخل الرئيس في الجهة الشمالية من المسجد وهو مربع الشكل ومسقوف ومدخل آخر في الجهة الشرقية، ويرتفع المدخلان عن الشارع بعدة درجات. أما المسقط الأفقي فهو مربع الشكل طول ضلعه الكلي 17 مترًا، ويوجد للمسجد ثلاثة أروقة جانبية في الاتجاهات الثلاثة طول كل منها 12 مترًا وبعرض مترين؛ في الجهة الشمالية والشرقية والغربية. أما الجهة الجنوبية ففيها المحراب المليء بالزخارف والكتابات.

يصل عرض حوائط المسجد إلى 112سم، وقبة المسجد كروية الشكل بقطر 10 أمتار تقريبًا مَكْسوة بألواحٍ من الرصاص من الخارج لمنع تسرب الرطوبة، حيث تقوم عدة أقواس بدعم هذه القبة التي تحول الشكل المكعب للمسجد إلى الشكل الكروي في أعلاه. وفي قاعدة القبة 16 نافذة مستطيلة الشكل لتزويد المسجد بالإضاءة والتهوية. أما مئذنة المسجد فتقع في الركن الشمالي الغربي وبها دَرَجٌ لولبيٌ بارتفاع 72 درجة، وفي المئذنة فتحات صغيرة للاستفادة منها في الإنارة والتهوية، أما رأس المئذنة فعليه عمود مُدبَّب من المعدن متصل بسلك موصل جيد للكهرباء، ينتهي في أسفل بركة المياه تحت مصطبة المسجد، وهي مانعة للصواعق لأن المئذنة كانت أعلى بناية في عكا.

خارج المسجد يوجد صحن مستطيل يُستخدم للصلاة ويُحيط بهذا الصحن أروقة مُقبَّبَة ومجموعة من الغرف لموظفي المسجد وأحد هذه الغرف خصص لمفتي عكا وغرف أخرى لتكون مكتبة دينية.

أُلحق بالمسجد مدرسة لتعليم القرآن والفقه الإسلامي، وأُلحق بالمدرسة 15غرفة تتسع كل واحدة منها إلى طالبين، وسُمِّيت هذه المدرسة بالمدرسة الأحمدية نسبة إلى والي عكا أحمد باشا.

أُقيم في صحن المسجد المستطيل بركة مستديرة يخرج منها الماء باستمرار وتستخدم كمتوضأ، ويوجد أيضًا في الساحة ساعة شمسية لضبط أوقات الصلاة، وفي الزاوية الشمالية الغربية لفناء الجامع بُنِي مدفن كبير به رفات أحمد باشا الجزار وخليفته سليمان باشا.

 

خان العِمْدان

هو من أبرز وأشهر خانات مدينة عكا، ويقع بالقرب من ميناء المدينة، وتم بناء هذا الخان في عهد أحمد باشا الجزار عام 1785م وأطلق عليه في بعض الأحيان اسم خان الجزار.

وصف الخان: مسقطه مربع الشكل، سُمِّي الخان بهذا الاسم نسبة إلى الأعمدة التي تحيط بالساحة الداخلية له التي تحاط بأعمدة وعقود وأروقة، وفي وسط الساحة بركة من الرخام، والخان عبارة عن طابقين يستخدم الطابق العلوي بيوتًا سكنية أما الطابق الأرضي فيستخدم بعضها مصنعًا للحلويات وبعضها كمخازن.

أما برج الساعة فقد بني سنة 1900م بمناسبة تولي السلطان عبد الحميد الثاني على العرش في استطنبول.

 

أسوار مدينة عكا

شيَّدَ الشيخ ظاهر العمر وأحمد باشا الجزار سور عكا الذي يحيط بالمدينة بطول 2580 مترًا وبارتفاع يصل إلى 15 مترًا، وشُيِّدت هذه الأسوار لحماية المدينة من أي اعتداء وخاصة أن عكا امتلكت أهمية تجارية وعسكرية كبيرة في العهد العثماني.

تنقسم أسوار عكا إلى أسوار برية وأسوار بحرية. أما الأسوار البرية فمنها السور الشرقي للمدينة الذي يبدأ من باب البر في نهاية السور من جهة البحر وينتهي هذا السور عند برج يُسمَّى ببرج الكومندار في أقصى الشمال الشرقي للمدينة. ومن الأسوار البرية أيضًا السور الشمالي الذي يقع بين برج الكومندار وبرج كريم على ساحل البحر.

أما بالنسبة للأسوار البحرية، فمنها السور الغربي الذي يقع بين برج كريم شمالًا وبرج السُّنْجُقْ في الجنوب وبين البرجين يوجد برج الحديد، ومنها السور الجنوبي يمتد من برج السنجق وحتى باب البر. فيكون السور قد أحاط المدينة إحاطة كاملة

   ومن أجل توضيح التراث المعماري المهم في مدينة عكا، سأقدم وصفًا مختصرًا لبعض المباني التاريخية من الحقبة العثمانية وأحقاب أخرى، ومنها:

 

 السوق الأبيض

يقع إلى الشرق من جامع الجزار ويتألف من صفين من الحوانيت المعقودة بينهما ممر عريض، تم بناؤه في فترة الوالي العثماني سليمان باشا 1814م.

 

حمام الباشا والسراي القديم

قام والي عكا أحمد باشا الجزار ببناء حمام الباشا عام 1781م على نظام حمامات الشرق، يوجد عند مدخله قاعة للِّباس وفي وسطه نافورة، كما ويضم الحمام قاعة للتدليك وحجرات خاصة، وتم النقش على الجدران بأسماء تركية ومقرنصات. والحمام الآن يستخدم كمتحف. أما السراي القديم فهو مبنىً رسمي شُيِّد في العهد العثماني للمتصرف ودوائر الحكم المحلي وتحول في فترة الانتداب البريطاني إلى مدرسة، ويقع السراي بين حمام الباشا وجامع الجزار.

 

خان الفرنج (الافرنج)

أقدم المباني التجارية في عكا، يقع إلى الشمال الشرقي من خان العمدان. ويعود إلى التجار الافرنج الذين كانوا يأتون إلى عكا والذين كانوا يستخدمونه مستودعًا لبضائعهم.

 

خان الشواردة

يعود إلى أيام الفرنجة ولعل اسمه تحريف لكلمة “شيفالييه” Chevaliers (الفرسان) بالفرنسية. يقع بين باب البر والميناء، وهو عبارة عن مبنىً كبيرٍ ذي أروقة تحيط بها باحة واسعة فيها سبل (جمع سبيل) لسقي الماشية.

 

برج السلطان

يقع في الزاوية الجنوبية لخان الشواردة، وهو البرج الوحيد الباقي من أبراج عكا التي كانت قائمة في القرن الـثالث عشر ميلادي.

 

القلعة

 

تقع في شمال المدينة القديمة مقابل الجهة الشمالية لجامع الجزار، يُقال إنها شيدت في البقعة التي كانت مشيدة فوقها قلعة فرسان القديس يوحنا، وتتألف القلعة من برج الخزنة والجبخانة والثكنة العثمانية.

 

السياسات الصهيونية تجاه التراث الفلسطيني

   لم تدَّخر دولة الكيان الصهيوني جهدًا لتهويد أي تراث فلسطيني سواء أكان ماديَّا أم معنويَّا، فقد وضعت سياسات متعددة لمخطط تهويد فلسطين ومدنها التاريخية، ومن هذه المدن مدينة عكا التاريخية، ومن أهم السياسات المتبعة:

1- قانون الغائبين: قانون سنَّته دولة الكيان الصهيوني عام 1950م يتيح من خلاله مصادرة أراضي وممتلكات الفلسطينيين الذين هُجِّروا من أراضيهم بعد عام 1948م.

2- إنشاء الشركة “المحدودة لتنمية مدينة عكا القديمة”، والتي وضعت على عاتقها تغيير ملامح المدينة القديمة حيث تقوم هذه الشركة بإنشاء الخدمات السياحية والفندقية التي تخدم السياح اليهود والأجانب.

3- التغطية على التراث العثماني كتراث رئيسي للمدينة.

4- تغيير استخدام المباني التاريخية من وظيفتها الحقيقية إلى وظائف جديدة كما في مشروع تطوير القصر الكبير وتحويله إلى فندق.

5- تضييق الخناق على سكان مدينة عكا من الفلسطينيين لإجبارهم على ترك منازلهم وتحويلها إلى فنادق وملكيات لأشخاص يهود.

 

المشاريع الصهيونية لتهويد مدينة عكا القديمة

تعريف عملية التهويد

هي عمليًا إسكان أو إحلال اليهود في مدن وأحياء عربية وبناء مستوطنات في مناطق ذات أغلبية عربية، وهي أيضًا إضفاء طابع يهودي إسرائيلي على هذه الأماكن، أي تغيير أو طمس هويتها. والإحلال يأتي بعد التهجير المباشر أو غير المباشر في نفس البيوت، وأما الإسكان الاستيطاني فيأتي في أحياء جديدة في المدن القديمة أو في مدن ومستوطنات جديدة، بقصد التفوّق الديموغرافي واستيعاب الهجرة اليهودية.

 

مشاريع التهويد في مدينة عكا – نماذج حية:

بدأ التهويد منذ عام 1948م سعيًا لتحويل التراث الإسلامي والعربي الفلسطيني في المدينة إلى تراث يهودي، حيث تقوم سلطات الاحتلال الإسرائيلي في الفترة الأخيرة باقتراح مشاريع متعددة للتنفيذ في مدينة عكا القديمة وتظهر اهتمامها بالمدينة من خلال هذه المشاريع ولكن هدفها الأساس هو تهويد المباني الأثرية في المدينة. ومن هذه المشاريع:

 

1- مشروع تهجير أهالي مدينة عكا القديمة

لم يَرُقْ لسلطات الاحتلال أن ترى مدينة عكا القديمة تحت السيطرة العربية الفلسطينية، فتحاول طرد السكان العرب وترحليهم إلى الأحياء الجديدة خارج أسوار مدينة عكا القديمة باستغلال الوضع الاقتصادي السَّيء للسكان العرب وارتفاع معدل البطالة بينهم، وأحيانًا تستخدم الإغراءات لبعض السكان بمنحهم بيوت جديدة في الأحياء السكنية الجديدة خارج أسوار المدينة، وتستخدم مجموعة من الوسائل التي تحدُّ من التوسع العربي للمدينة عن طريق منع إقامة المدارس والنوادي وإجبار الصيادين على دفع الغرامات، كما وتسعى إلى تغيير أسماء الشوارع في المدينة إلى مسميات جديدة.

2- مشروع تهويد خان الشُّونة وخان العِمْدان

يهدف هذا المشروع إلى تحويل خان الشُّونة وخان العِمْدان وجزء من المنازل المحيطة إلى منطقة سياحية وتحويلهما إلى فندق واستغلاله بإبرازه كجزء من الآثار الصليبية، وصاحَبَ هذا المشروع إخلاء الخان من الخيول في الاسطبل الذي يستخدمه الفلسطينيون منذ عشرات السنين، وإخلاء المنازل المحيطة به وشرائها من قبل بعض الشركات التي تعود ملكيتها إلى يهود متطرفين مثل شركة عميدار وشركة تطوير عكا. وتشير الوثائق إلى أن خان العِمْدان قد تم بيعه إلى مستثمر أجنبي وكذلك بعض المنازل المجاورة التي تسعى الشركات اليهودية المتطرفة إلى شرائها من أصحابها العرب باستغلال وضعهم الاقتصادي.

 

3- شراء البيوت والعقارات

   سيطرت ما يُسمَّى “دائرة أراضي إسرائيل” على كل أملاك اللاجئين الفلسطينيين بعد العام 1948م، ووضعتها ضمن مسؤولية “الوصي على أملاك الغائبين”، وأُسِّستْ شركة “عميدار” الحكومية لإدارة هذه الأملاك، وصاغت قوانين “سلطة التطوير” التي تشبه لحدٍ معين منظومة قوانين “المساكن الشعبية”. كما قامت “دائرة أراضي إسرائيل” بسن قوانين لتهجير السكان العرب وذلك من خلال منعهم من ترميم بيوتهم ومنع السكان من نقل حقوقهم لأكثر من جيلين متتاليين.

وقد بدأت “دائرة أراضي إسرائيل” ببيع الأوقاف الإسلامية (40% من عكا القديمة أملاك وقفية)، التي وضعت يدها عليها من خلال تأجير “لجنة أمناء” الوقف الإسلامي التي عيّنتها الحكومة الإسرائيلية، والتي أجَّرَتْها أملاك الوقف لـ 99 سنة، وكانت منها صفقة بيع -تُسمَّى قانونيًا تأجير لأجيال- خان العِمْدان لرجل أعمال يهودي بريطاني خلال صيف 2008م.

 

4- المدينة الجديدة في الجليل “لتفريغ عكا”

يُسوَّق المشروع كمشروع تطويري وعصري مخصّص للمتزوجين العرب الشباب، وهو منطقة سكنية تقع على القرب من قرية الجديدة العربية، الواقعة على بعد بضعة كيلومترات من مدينة عكا الساحلية، وهو عبارة عن توسيع لمنطقة تقع في قرية الجديدة، ويهدف إلى تفريغ السكان العرب من مدينة عكا القديمة.

 

5- مشروع جمعية “أياليم” الاستيطانية

قدّمت “دائرة أراضي إسرائيل”، ثلاثة بيوت مُرمَّمة كبيرة، في حي المعاليق غربي المدينة القديمة، لجمعية “أياليم” الاستيطانية دون مناقصة قانونية، وقد أسكنت الجمعية فيها حوالي عشرين طالبًا جامعيًّا وقدمت لهم منحًا دراسية بقيمة 10,000 شيكل، وقد أدخلت بينهم 4 طلاب عرب كي تخفي دوافعها الحقيقية. وتشير المعلومات الأخيرة أن الوكالة اليهودية قد اشترت عددًا آخر من البيوت المغلقة في الحي نفسه وتقوم بترميمها كي تدخل مجموعة جديدة من الطلاب ضمن مشروع “أياليم”.

 

خاتمة

من خلال استعراضنا لأهم معالم التراث العثماني في فلسطين وخاصة في مدينة عكا، نستخلص بأن الخلافة العثمانية كان لها دور واضح في تحديد معالم فلسطين حيث كانت هذه الخلافة آخر الفترات الإسلامية التي تمر على فلسطين، لذا نجد أن كثيرا من الموروث الحضاري الفلسطيني يعود للعهد العثماني، وبالتالي يجب المحافظة عليه كتاريخ إسلامي عريق لفلسطين خاصة وللأمة الإسلامية والعربية عامة. فالدولة العثمانية تركت آثارًا إسلامية واضحة، متمثلة في المباني والمنشآت والمساجد التي تم عرضها، ونستنتج من ذلك أن مدينة عكا هي مدينة عربية إسلامية مليئة بالآثار الإسلامية التي تشهد على عروبة وإسلامية هذه المدينة، ونستنبط من هذا التحليل أن المدينة كان يسكنها شعب له حضارة وقد عاش في حالة استقرار ثقافي وأمني وفكري وقد انعكست هذه الحالة على العناصر المعمارية للعمائر، مثل: الزخارف وأساليب البناء والفراغات المعمارية الأصيلة واستعمال المباني ووظيفتها. ولم يكن ذلك عشوائيًّا بل كان بتخطيط وتنظيم وترتيب وفلسفة نضجت خلال فترة زمنية طويلة.

 

المراجع

– ياغي، د. اسماعيل أحمد: الدولة العثمانية في التاريخ الإسلامي الحديث، الناشر: مكتبة العبيكان، الطبعة الأولى، الرياض 1996

– أحمد، طارق داود محمود؛ تحليل الطرز المعمارية للمباني السكنية في فلسطين في الفترة العثمانية (مدينة نابلس كحالة دراسية)؛ رسالة ماجستير, جامعة النجاح الوطنية 2008.

– عبدالسلام، محمد فتحي، دراسة تحليلية لخصائص مدينة عكا القديمة؛ ورقة بحثية منشورة- مؤتمر الأزهر الهندسي التاسع, 2007.

– موسوعة المدن الفلسطينية؛ منظمة التحرير الفلسطينية – دائرة الثقافة؛ الناشر: الأهالي في دمشق؛ الطبعة الأولى 1990.

– غنايم، زهير غنايم عبداللطيف؛ لواء عكا في عهد التنظيمات العثمانية – سلسلة المدن الفلسطينية الجزء الرابع؛ الناشر: مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت ؛ الطبعة الأولى 1999.

– منظمة التراث العالمي  whc.unesco.org.

– الشرق الأوسط؛ جريدة العرب الدولية؛ الأحـد 30 ديسمبر 2001 العدد 8433.

– جريدة فلسطين؛ مقالة هدوء حذر في مدينة عكا بعد 4 أيام من اعتداءات المستوطنين؛ الاثنين 13 أكتوبر 2008؛ العدد 522.

http://www.tebyan.net/IslamicFeatures/Articles/2009/6/9/94226.html accessed on 16/02/2010

http://armpoli.montadarabi.com/montada-f26/topic-t308.htm accessed on 24/02/2010

http://lawcenter.birzeit.edu/iol/ar/index.php?action_id=210 accessed on 12/02/2010

http://www.wikibedia.com accessed on 18/01/2010   موسوعة ويكيبيديا.

http://www.palestineremebered.com accessed on 27/01/2010

–    http://ww w.pal-today.com/arabic/News-47130.html accessed on 01/03/2010.

http://www.insanonline.net/news_details.php?id=11110 accessed on 01/03/2010

http://www.badil.org/en/haq-alawda/item/75-article12 accessed on 26/02/2010

-Google Earth

http://www.masaged.info/masged.php  accessed on 21/03/2010

-www.3disrael.com accessed on 23/03/2010

http://www.dalil-aka.org/khanat.htm accessed on 23/03/2010

عن adminh

شاهد أيضاً

نجح ظاهر العُمَر الزَّيداني خلال أربعين عامًا (1710-1750) في السيطرة على كل الجليل الذي تبع إداريًّا لوالي صيدا. فبدأ منذ عشرينيات القرن الثامن عشر باتخاذ خطوات مدروسة ليصبح حاكمًا لشمال فلسطين، وصاحِب الاحتكار الوحيد لتجارة القطن وتسويقه للتجار الفرنسيين، وكانت خطوته الحاسمة في أربعينيات القرن الثامن عشر عندما استولى على عكا، وامتدَّ حكمه ليشمل المدن التي بناها ونمَّاها بسرعة، (طبريا، الناصرة، حيفا وعكا)، وعمل على تحويلها من قرىً صغيرة إلى مراكز حضرية وتجارية واعدة. وما تزال آثاره حاضرة في الوجدن الشعبي الفلسطيني، ولذا، يمكنني وصف فترة حكمه بفترة "العصر الذهبي" لفلسطين.