الرئيسية / حوارات / نظير الشمالي … حوار هاله نمَّر

نظير الشمالي … حوار هاله نمَّر

الحلَّاق البُديري في عكا …

حوار مع المعلّم “نظير شمالي” جامع التراث العَكّي …

هالة نمَّر*

*باحثة في التراث الشعبي، جمهورية مصر العربية.

 

من فوق أسوار هذه المدينة العتيقة على ساحل شاطىء المتوسط شمال غرب البلاد، يمتد البحر أمامك حاضرًا بكل ما يغازلك به من وعودٍ بالآتي، بانتفاء الحدود، بالعودة من أقاصي الأرض، بالفرح وزغاريد النساء الحبْلَى بزهر الحنُّونة والزعتر الجبلى، بأغاني البحَّارة التي سقطت من الذاكرة؛ وللمفارقة التي تثير في الروح شجنًا قديمًا وطازجًا في الوقت نفسه، يتحول هذا البحر الذي ركب أمواجه القاصون والدُناة/الدانون، إلى جدار كالجدار، يصدُّ أحلام التوَّاقين إلى اعتلاء فلائك الصيد القديمة ونشر قلوعها، وهى تشق أزرق لم يجف لاجتلاب الرزق ولآلىء البحر، وطرح شباكها المطويّة التي مازال يغويها البريق والغوص. تذكّرتُ “حليمة” و”محفوظة” وجميع هؤلاء المتناثرين على الضفاف الأخرى للبلاد؛ حيث إنهم مذ اقتلاعهم من المكان لايعرفون عن البحر سوى صدى أمواجه والحكايات؛ فعند انكسار الموج على شواطىء عكا، عند الحد الفاصل بين الأرض المحتلَّة والأفق المُكبَّل، تطال يديك صدفاته المبلّلة الملونة بأطياف المكان وهواجس البشر، وبعض ما قُسِم لك من السمك الذي شاركك الخبز، عند الشاطىء الشرقي للمتوسط، ظهرك لمدينةٍ -وإن هزمت نابليون- ترزح تحت أغلال احتلال يجرِّف الهوية، وعيون تتطلَّع من محاجرها إلى اللانهائي من الاحتمالات، تختلط المشاعر وتتضارب حينًا، وتستكين في أحيان أخري؛ فتظل تتنازع بين الحضور والغياب.

 

كان دليلي في التعرُّف على شواهد المكان وساكنيه من المرابطين، داخل الأسوار وخارجها، في زواريبها التي تحمل من الحكايات وتطوي من الرَّاقات ما لا تستطيع استيعابه هكذا دفعة واحدة، وعلى شاطئها الذي شكّل السور تعاريجه وانحناءاته وعنفوانه، الصديق “خير فودي” ابن حارة العبيد (حديثًا: المبلَّطة في البلدة القديمة، القريبة من جامع الجزَّار (المعروف أيضًا بجامع الباشا وجامع الأنوار)، والسوق البلدي وساحة عبُّود؛ وهو قبل أن يكون أحد روَّاد الحركة الفنيَّة في عكا، هو “شيخ حارة” مثلما يُطلق في مصر أيضًا على من يربطهم بالمكان والبشر علاقة عضوية تحرس المكان والحكايات، فتتبدَّى بكل طراوة وأريحيَّة.

أدركت منذ اللحظات الأولى أن هناك وعيا متأصّلا لدى الكثيرين على مستوى الأفراد، والمؤسسات الثقافية والأهلية، وفي أوساط الحركات الفنية المختلفة، بأهمية وثقل المحفوظ والمسجّل من الثقافة الشعبية؛ كونها البطانة الأعمق والواجهة المباشرة لمقاومة عمليات التهويد ومحو الهُوية وتزييف تاريخ هذا الشعب؛ وبقدر نجاح سياسة المحتل في تجريف الأرض، والتشويه المنظّم طويل النفس، والاغتصاب لكثير من ملامح الثقافة، يدهشك هذا الزخم والحُرقة للحفاظ على الموجود والمتبقي، وقصّ أثر ذلك الإرث المتوغل في التاريخ كما في ذاكرة البشر.

طال انتظار المعلّم “نظير شمالي” في عنوانه الكائن في:“عكا.. فلسطين.. قاهرة نابليون عام 1799، هكذا أرسل لي أ.”نظير” عنوانه حين سألته عنه؛ ألا يمهد هذا التعريف الجغرافي/التاريخي للقارىء من أين يحدد “المعلّم” كينونته ويجذّر لهُويته التي تشكَّلت ملامحها منذ ميلاده عام 1954؟

: عذرًا أ.نظير فلقد سحرتنا الأمكنة وسُمرة البشر، وانتظرنا كثيرًا على بوابات البلدة القديمة نهاب الخروج منها، وفي طريقنا إليك مررنا بالأسوار التي تلوّنت حجارتها بالداكن المعُتّق، ولا أخفي عنك أننا سُرقنا في شغف البدايات والنهايات؛ ها نحن على بضعة أمتار قليلة من منزلكم العامر.

استقبلنا رجل ستينيّ مائل إلى السُمرة والبدانة، تضفي بشاشة وجهه حيويَّة الصبا على ملامحه؛ ومثل الكثيرين ممن التقيتُ بهم في ربوع البلاد -القريبة/ البعيدة، الحميمة/ الغريبة في آن واحد- خفّفتْ رحابته وترحابه بالقادمة من وراء الحدود شعورًا ما بالبعد والغربة؛ ولقد زاد حديثه عن الأصول المصرية لكثير من العائلات العكاوية من إحساسي بالوثاق والقرب، الذي يصطدم في مكان آخر من نفسك بواقع الأرض والناس.

يقيم المعلّم “نظير شمالي” في شقّة صغيرة في إحدى البنايات الحديثة نسبيًا خارج أسوار البلدة القديمة بعكا، تفوح رائحة القهوة الداكنة التي تصنعها لنا “أم حيدر” من مطبخها المجاور للمدخل، جلسنا في غرقة الضيافة وبدأنا نجرجر أحاديث التعارف قصيرة النفس، التي وإن تبدأ سرعان ما تنتهي حتى نلتقط الخيط من جديد؛ إلّا أنني اعتمدتُ على علاقتي الخاصة بالقهوة فحين تدور في المجالس تكون مفتاحًا لأحاديث قد تطول.

 

نظير الشمالي                 

: اسمي نظير شمالي معلّم اللغة العربية في مدرسة المنارة الابتدائية “الأمل سابقًا”، متقاعد تقاعدًا مبكّرًا بعد ثمانية وثلاثين عامًا من العمل. درست الخط العربي، وأكتب الشعر والنثر وأهوى التراث وجمعه منذ كنت في الصف التاسع في مدرسة “ينّي” في “كُفُر ياسين”، تخرّجت من الكلية العربية الأكاديمية للتربية والتعليم بـ “حيفا”.

هكذا قدّم المعلّم نفسه في بداية تعارفنا دفعة واحدة؛ ولقد كنتُ أعلم مسبقًا شغفه بالتراث، وبأن لديه مكتبة في منزله يحفظ بين أضلافها كما في ذاكرته التراث العكاوي بشكل خاص؛ إلّا أنني حتى تلك اللحظة التي تفرّع فيها الكلام إلى الكثير من العناوين اللصيقة بالمكان وساكنيه، بالتاريخ والسياسة والأوضاع الراهنة، لم أكن أدرك حجم وأهمية ما يملكه الأستاذ نظير من مواد تراثية -والذي بدأ رحلة جمعها وأرشفتها والكتابة عنها منذ عمره المبكّر- حتى دعاني لجولة في غرف المنزل المكدّسة بالملفّات والأوراق المُطِلّة على زائريها من أرفف مكتباته التي تغطّي جدران غرفتين بالكامل؛ وذلك خلافًا لآلاف الصور الفوتوغرافية ما إن فتح  الأستاذ نظير حاوياتها من الجوارير، التفتُّ إليه وعلى وجهي علامات الاستفهام والاندهاش.

: أختص الأغاني الشعبية بمحبّة خاصة نَمَت معي منذ طفولتي في حياة ستّي أم علي “فاطمة الطوالبي” التي كان كيفها هو الطرب، فكانت تقول “الراس اللي ما فيه كِيف، حلال قطعه بالسيف”. كانت تحفظ “الغناني” وتتغني بها في الأفراح عندما يُطلب منها، مثل: (ويبدأ الأستاذ نظير في ترديد مقطع من الأغنية بصوته)

يا ليلي يا ليل تهنَّا والضراير غايبات

جمَّال لا تعقل جملنا نحنا ما نقدر نبات

ترك الخوري صلاته وتبع درب الظلام

قلت له خوري صلاتك قال هادا كله كلام

ويا ليلي.. ويغنوا…..

وكانت ستّي أم علي حين يصيبها الهوى ولا يكون هناك أعراس تذهب إليها، تجمع أولاد الحارة “وتقعد تغنيلهن”؛ إلّا أن محبة الطرب والتراث الشعبي انتقل معي في حياة أبويا “أحمد شمالي” اللي خِلِق أيام الانتداب وكان راعي، عشان هيك، بدوي.. يحب يعزف على “الشُبَّابِة” .. كان يشتغلها على إيده يعملها من قصب ومن ألمنيوم ومن النحاس ومن بلاستيك وكان عندي أَكَمْ واحدة.. يُقعد يقدح فيهن ويساويهن ويكويهن.. وكان يعمل شُبَّابة خمساوية وستّاوية.. إلها خمسة أو ستة ثقوب أو “أقدوح” باللهجة العكّاوية أو “خزوق”.. وكان يعزف عليها في الأعراس وفي البيت.. واشتغل فترة مع فرقة موسيقية.. وكان دبّيك وعنده صوت جميل جدًا وبحبوح هيك…”؛ فانتقل حب التراث والغناء إلنا.. إخواتي كلهن بيحبوا الغناني ولا واحد طلع صوته لأبوي.. أخويا محمد كان يعزف شوي على الشُبّابة بس ما داوم…

وهنا بدأت تتكشّف لي أبعاد علاقة أستاذ نظير الأعمق بحقل التراث الشعبي، وإن كانت شكّلت جزءًا من مساره العملي فيما بعد، إلّا أنها علاقة نَسجت وجدانه وتعاشقت مع تفاصيل معاشه اليومي حتى أصبح أحد حافظي التراث؛ وذلك قبل أن يُدرك أنه سوف يكون يومًا ما أحد القائمين على حراسة الذاكرة الجماعية في وطن يُخطط له بالزوال.

: في سنة 1983 أتذكّر طلع عدد من مجلة عبريّة اسمها “عكّا ومعالمها” بتضم مقالات ودراسات عن عكّا، بيحكوا عن اسمها.. عن الناس.. عن الكنائس والجوامع.. عن السور.. عن تاريخها.. بس أثّر فيَّ قضية تزييف تراثنا والطعن فيّو.. و “أهل بكّا أدرى بشعابها”؛ فانتبهت إن احنا اللي علينا ندرس تراثنا ونوصفه ونمرّقوا مش هِنّ.. من هاديك المرّة قلت لا بدّي أدرس التراث الفلسطيني بشكل عام بالإضافة إلى التراث العكّي ياللي بدرسه من 1988.

وحدك قمت بهذه المهمّة؟

: صار عندي هدف إنّي أتفوق عليهم بالتراث، وبما إنّه مفيش حدا غيري يدرس كان عليّا مهمة صعبة.. لو إنّه كان فيه مجموعة يروحوا يسألوا كنت أنا اتخصصت في جانب..ما خلّيت شي إلّا لمّا سألت فيّو.. وصار عندي حلم إنّه يكون عندي أكبر أرشيف للتراث العكّي.. فيه واحد بسوريا عجبتني قصته وطبّقتها لحالي، اسمه “الحلّاق البُديري” قبل حوالي نقول ميّة وعشرين سنة، كان حلّاق وبيعالج بالحجامة، التشطيب وكاسات الهوا ويقبّع الأسنان.. وانتي عارفة الحلّاق بيعرف قصص الناس كلها.. فهادا يروح ع البيت بدفتر ويكتب شو سمع اليوم بدمشق..ولمّا مات واحد اشترى الدفتر كان بيبيعوه هيك بالخُردة فطلع كتاب اسمه “حوادث دمشق اليومية”.. واحد من اللي اشتغلوا عليه وحققه اسمه جمال الدين القاسمي أبوه لظافر القاسمي.. أنا في ذهني بدّي أكون “الحلّاق البُديري” في عكّا..

حَلُم الأستاذ نظير بأن يكون الحلّاق البُديري في عكا؛ فكان حين يعود إلى منزله، بعد جولاته وصولاته في الميدان، يسجل ويحفظ ما شاهده وسمعه في دفاتر وملفات تكاثرت وتزاحمت طيلة أكثر من عشرين عامًا؛ فلقد حقق وحده، بإيمان وإخلاص مدهشين، ما تعهّد به لنفسه يوم أدرك أن جمع التراث الشعبي، والحفاظ عليه، وتمريره، هو السبيل لمواجهة أشكال التجريف التي تصيب في مقتل الذاكرة الجماعية بما يترتب عليه من تقطّع أواصر الصلة بالماضي والحاضر؛ وعلى الرغم من أن الاحتلال لا يزال جاثمًا وقاسيًا، فإن من بداهة الأشياء التي تحولت إلى محفوظات مدرسيّة نلوكها دون ممارسة جادة، أن تحقيق الانتصارات الكبيرة يتوالد من تراكم الإنجازات الدؤوبة طويلة النفس، وأشهد أن ما رأيته من كمِّ وتنوع مواد التراث الشعبي في منزل نظير شمالي؛ بالإضافة إلى رصيده الكبير من المقالات والدراسات الشعبية التي قام بتحقيقها ونشرها[x]، هو عمل مؤسسي تقوم به مراكز بحثية بكل ما يتطلبه هذا النوع من المشاريع من إمكانيات بشرية ودعم مادي، كما أعتقد أنه قد آن أوان أن تجد هذه المواد لها سُبُلًا للإتاحة والنشر على نطاق أوسع تدعم مجهود “المُعلّم” ومنجزه الضخم.

: أصول العكيين مختلفة.. جزء تركي مثل دار “الزيبق”، ودار “الكردي”، ودار “الخربوطلي”.. فيه عائلات شامية يعني لحد اليوم دار الشامي.. بتلاقي تلات أربع عائلات ما يقربوش لبعض.. وفيه دار “الشقيري” من الحجاز ولهم شعراء فحول.. بني شقير انتقلوا لمصر ومع حملة إبراهيم باشا 1831 أجوا على عكا، ومن المشهورين منهم الشيخ أسعد شقيري مفتي الفيلق الرابع عند جمال باشا إللي بيسموه السفّاح، وأحمد الشقيري ابنه كان رئيس منظمة التحرير الفلسطينية سنة 1964.. حتّى أجى مع الجيش البريطاني مجموعة جنود من السودان ومن تشاد ومن غيره.. اللي حاربوا أو كانوا رديف للجيش.. فبتلاقي بعض العكيين واللي بالقدس بهم سُمرة.. ولكن أغلب عائلات عكّا من أصول مصرية: دار “البيومي”، إحنا “الشمالي” يُقال من الفيوم، ودار “الجرّاح”.. الطبيب خالد أفندي الجرّاح، وكان جرّاحًا أجى مع الحملة، وعائلة “البلبيسي” في عكّا وفي يافا من بلبيس في مصر، ودار “الأشقر”، ودار “فودي”، ودار “قنديل”، وفي “المثلث دار “مصاروة”.. أجوا بعكّا وغير عكّا نتيجة أيضًا الهجرات بعد الإصلاحات اللي “محمد علي” عملها.. هربوا كتير من الفلاحين هناك من الضرائب.. هربوا لعند مين؟ لعند عبد الله باشا حاكم عكّا 1818، اللي أجى بعد سليمان باشا العادل.. فالتجؤوا لهون… كانت الدول العربية خلافة إسلامية واحدة فكانت الإمكانية إنهم يتنقّلوا أكتر..

وماذا عن ما حمله هؤلاء من ذاكرتهم إلى الوطن الجديد؟

: احنا متأثرين بالمصاروة كتير، يعني أجيب مثل اللهجة.. احنا في عكا مش بنعطّش حرف الجيم في بعض الكلمات زى “عجل” و “جوافة” ويضحكوا علينا، غير عن اللهجة في كُفُر سيف أو الكابول يللي عشر دقايق بتكوني هناك.. التراث المصري بالغناء مثلًا فيه الأغاني إللي زحفت لعندنا “سلّم علي”، من قبل الإنتداب بيغنوها.. الاحتفال بـ “شم النسيم”، شم النسيم كمناسبة لم يكن عندنا في فلسطين كما هو الحال في مصر، وإن كنت أذكر أنه في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات كنّا في عكا نردد هذا الاسم مع مصر.. كانوا يطلعوا على المقابر في خميس الأموات إللي بيسبق الجمعة الحزينة مع البيض والبرتقال والأكل.. ينطوا الحبل ويطلعوا على شجرة الدوم.. ويتقابلوا الشباب.. يقال إن صلاح الدين الأيوبي هو إللي أوجد خميس الأموات قبل حد النصارى ليكون للمسلمين عيد أو مناسبة خاصة بهم..في خميس الأموات كنّا نسلق البيض مع البصل أو الصفير يطلع أصفر، ومع البرقوق إللي هو الحنونة يطلع على سواد، كل الولاد تعمل واللي ما يعرفش يعلموه.. وفي حد النصارى (أحد النصارى) بنطلع مع الإخوة الروم الأرثوذكس في كنيسة “القديس جوارجيوس” في عكا طقس “الدورة والهجمة”.. في سبت النور تدور الكشافة من مسيحيين ومسلمين حول الكنيسة وهم بعزفون على آلاتهم من طبول وصنوج وأبواق موسيقاهم الكشفيّة.. بيخلّوا واحد بالكنيسة، وفي انتصاف الليل يهجم الشباب على الكنيسة ويدقوا على الباب وكأنهم بدهم يطلعوه، ويفتحون بابها ويصيحون: “المسيح قام”، ويدخلون الكنيسة.. وفي حد النصارى بنعمل من الصُفّير أو البسباس وهو ورد أصفر.. نعمل منه سلال.. في رمضان زمان كنّا بدل الفوانيس (في إشارة للفانوس المصري) نعمل فانوس بالتنكة والبطيخة والقرعة ممكن.. نفتحها ونعملها شبابيك ونحط الشمعة من جوّه ونمشي بالحارة.. كمان احنا بنقول “إعطيني مصاري” إجت من القطعة النقدية اللي صُكت في مصر.. من هون بيقولوا مصاري وبيقولوا معاك المصريَّات؟ يعني المسكوكات المصرية بما معناها.. أيضًا الاحتفال بالموالد أيام حكم الدولة العثمانية وفي فترة الانتداب البريطاني، متل المولد النبوي الشريف كان يحتوي على قراءات في المساجد والزوايا، وكذلك عمل حلقات الدبكة والزجل وغيرها من المظاهر الاحتفالية.. وزفّة الطريقة “الشاذلية اليشرطية” إللي عملها “نور الدين اليشرطي” من بني يشرط إللي أجى من المغرب 1850 من بنزرت على لبنان.. حلم بإنّه بدّوا يبشّر في الطريقة الصوفية وبنى الزاوية في “ترشيحة”.. أتذكّر وأنا صغير كنت ألحق الزفّة ونغنّي “يا كوكبًا عصريًا” إللي كتبها الشيخ عبده الحمصي من حمص، وكان شيخًا ضريرًا وعالمًا بالنغمات:

نور الهدى أنا كنت أهواها        من قبل مداها والحق نداها

يقصد الذات الإلهية.. “فاطمة شقير” كانت بتقول كنّا نغنيها أيضًا في “زفّة العريس” وهى كانت عايشة بالفترة العثمانية…

ولكن أ.نظير ماذا تعني عكا؟ علمت مؤخرًا أنها اسم كنعاني يعني “الرمل الحار”؛ ولكن عادة ما تتعدد التصورات الشعبية للأسماء، ومن هنا قد يأتي سحر الأمكنة بما يضفيه اختلاف التفسيرات وتعددها من غموض، وبما يطرحه من مساحات للخيال والحكايات والأساطير؛ بالإضافة إلى أن هذا التنوع يساهم في تشكيل الذهنية الشعبية بما تحمله من معتقدات.

: يُقال إنه فيه نبتة قديمة في عكا بنفس الاسم.. ويُقال إنه لا.. كان فيه شيخ وإله مقام اسمه الشيخ عكا.. وبيقولوا إن معناها مش عربي اللي هو الرمل الحار..وعكو معناها عند اليهود ” إلى هنا”، لإن اليهود بيعتبروها مدينة نجسة ملعونة ما كانتش تابعة لمملكة اليهود من أيام داوود وسليمان ولا مرّة.. بس بالـ 48.. ما بيدفنوش فيها أمواتهم.. بيدفنوا بكُفر ياسين.. وعكا تُكتب بتلات أشكال.. عكا بالألف.. وعكة بالتاء المربوطة.. وتكتب عكاء بالهمزة..عكا إلها عزّ.. أولًا هى عريقة في التاريخ.. اتنين عكا وقفت قدام نابليون وهزمته.. بيقولوا عكا سبع طبقات، معرفش ما دقّة سبع طبقات ولكن هى من طبقات.. الفترة الإسلامية الأولى.. والصليبيين.. وبعدين الفترة العثمانية..

لم يشفِ غليلي حديث أ.نظير عن اسم المكان، وكأن عشق الأمكنة والحكايات تعشَّم من أحد حرَّاسها أن ينساب من هذه الإشارات المقتضبة المزيد والأبعد؛ إلّا أن النثرات التي تزاحمت من هنا وهناك، كانت مجرد عناوينَ لأرشيفه ومحفوظاته التراثية الغنّاء بالتفاصيل والمواضيع المتعددة. فلقد كانت مدخلات اللقاء متشعبة ومتسارعة، تلملم جاهدةً فيض الكلام وما تسمح به طاقة المعلِّم على تذكُّره والإدلاء به؛ فكان السؤال عن الأدوات التي جمع بها نظير شمالي ما سبق، وما سوف يلي، وما يحويه أرشيفه من ملفّات، ضرورة قبل مواصلة الحديث.

: في البداية كان مسجّل وأفرَّغ.. كان عندي مشكلتين مع هاي الطريقة فتركتها واتدربت أكتب بشكل سريع..المشكلة الأولى هى قضية التفريغ من الشريط، كل شريط ساعة أو ساعة ونص.. بدّك خمس ساعات تكتبي وتوقّفي، طيب إذا بدّي ألفين شريط بدّي عمري وكمان عمر الآخرين.. والمشكلة التانية “الخِتيّاريّة” عندنا عِنْدُنْ خوف –يمكن من أثر الحكم العسكري– يعني تقول لهم: تحكوا إلنا كذا؟ يقولوا: إيش ضريبة؟! بيبطّلوا يحكوا.. فإذا بتسجلي إلهم بيخافوا أكتر..فكنت أروح أقابل الناس ومعاي مئات الأسئلة.. صار عندي خبرة باللي ألاقيهن.. أنا قابلت في عكا والقضاء حوالي ألفين شخص من نساء ورجال كبار في العمر.. اللي كانوا يتحمّموا في الحمّامات، وإللي ييجوا على عكا في المولد النبوي، والزجالين اللي كانوا ييجوا من لبنان لـ هون، أنا قدرت أجمع مئات الأبيات منهن.. ما بسمع بس من حكي الناس، المصادر بتقوي الرواية، بجمع بين اللغة والتراث والكتب والجرائد..بالإضافة عندي كاميرا ديجيتالي (رقميّة)، بديت أصور قبل سبع.. تمان سنوات، عندي أكثر من 18,000 صورة للمقابر والبيوت والأماكن وعائلات عكا، أنا صوّرت المقابر كليّاتها وبَرُوح على البيوت وبصوّر، وفيه صور عند الناس باخدها وأنا عندي سكانر.. بصوّرهم بالتنين.. بالكاميرا وبالسكانر، بصوّر مرتين بالسكانر: ملوّن وبالأبيض والأسود، واحفظهم على “سي دي” أو USB، وأوثّق كل المعلومات إللي في الصورة، وأحتفظ بالنسخ أختار منها الأوضح.. وبالآخر أرجعلن الصور.. 

لا يزال الوجود العربي الفلسطيني في عكا –وإن كانت من المدن المختلطة– حاضرًا بقوة على الرغم ما يجثو عليها من  تهديدات مباشرة وغير مباشرة، وخُطَط للإزاحة لا تنقطع، وما يخلفه ذلك من صراعات، وتشوهات، وأيضًا من محاولات مستميتة للحفاظ على البقاء والهوية. يثير هذا الموزاييك العربي الذي تجد لك فيه مكانًا حميمًا لا يشعرك بالنشاذ والغربة فور عبور بواباتها، ويصاحبك هذا الشعور كلما عرجت بك حواريها واحتضنك أهلها بين مرحّب وداعٍ، وتناولت الفلافل في مطعم عرفة، أو حين تقف طويلًا متأملًا عربة بائع السمسميّة على مدخل ساحة جامع الجزار، أو تجوّلت في السوق البلدي حيث تفوح منه طزاجة الأسماك البحريّة؛ ولقد ذكّرني حال المكان وروح أهلها بالمثل الفلسطيني “عكا ما بتخاف من هدير البحر”، وفي رواية أخرى “ولو بتخاف عكا من هدير البحر كان رحلت عن الشط”، وفي رواية ثالثة ” لو عكا بتخاف من موج البحر ما سكنت على شطه”، ومثلما ذكر نظير شمالي في معرض حديثه عن ما جمعه من أمثال عاميّة من أن حضور المثل في الذاكرة مرتبط بسياقه المحفّز له؛ ولهذا حين سألته أن يذكر لي بعضًا منها، لم يسعفه غياب السياق إلّا بتذكّر ثلاثة أمثال.

: عندي أمثال بحدود سبعة آلاف مثل عاميّة بحتة من الميدان، صرت أجمعها من أيام ما كنت في الصف التاسع 1988، هى الأمثال بتيجي بشكل طبيعي، أتذكّر:

“على بال مين يالّلي بترقص بالعتمة”

“من بعد عِزّي بَيِّتوني بِخام”

“يا شايف الزول يا خايب الرجا”

أمّا في سياق الحديث عن تتبّعه للباس العكيين والعكيَّات، وتحديدًا تطور زي النساء قال:

: كانوا بيقولوا “إمّ البونيه رقّاصة بدها بومباى ورصاصة” لمّا النساء بقت تحط المنديل ع راسها بعد ما كانوا بيحطّوا الطرحة السودا ويحطّوا غطايين على الوجه.

واستكمالًا لعادات النساء في عكا أشار المعلِّم إلى الحمّامات ودورها الاجتماعي في الماضي القريب..

: كتبتُ دراسة مطوّلة منشورة في مجلة الأسوار عن حمّامات عكا بعنوان “الحمّامات العكية العامة”، مقال خمسين صفحة.. ومقال تلاتين صفحة.. النساء كانوا بيتغسّلوا في الحمّامات.. كان أول مش زى اليوم، ما كان بيسمح للنساء إنهم يطلعوا ويشمّوا الهوا زى اليوم.. فكان المتنفس إلهن يروحوا على الحمّامات، ويغنوا مع بعضهن.. ويزفوا العروس.. وكانوا يحنّوا العروس هناك.. ويعملوا سبوع الطفل والأربعين في الحمّام.. درست شو الأدوات إللي كانوا بيستخدموها، شو كانوا ياكلوا.. شو كانوا يغنوا..شو كانوا يتحمّموا.. كانوا بتحمّموا على تلات مراحل: “البلّة” بالأول.. و”العيديِ” يعني إعادة.. و”الطلعة” قبل ما يطلعوا يتحمّموا كمان مرّة..

يبدو أن جراب الحاوي لا يزال ممتلئًا بالنفيس والغالي، وماذا أيضًا أ.نظير؟

: قعدت ستة أشهر أنا وولادي ندرس القبور قبرًا قبرًا.. الإسلامية والمسيحية والبهائية.. نروح ومعانا الدفتر والقلم وورق كربون والكاميرا.. أنا درست الخط العربي فبعرف كل الخطوط، نطبع بورق الكربون إللي مكتوب على الشواهد ونقعد نقرى ونحلل..أقدم قبر لقيته من سنة 1804.. القبور شو بتعطينا؟ بتعطينا ندرس الخطاطين، بتعطينا ندرس الشعراء إللي كتبوا، تعطينا إللي كانوا ينقشوا على الحجارة، تعطينا قيمة العيلة إذا كانت غنيّة ولا فقيرة، تعطينا أسماء العائلات إللي كانت في عكا وبطّل الواحد يسمع فيها.. مئات العائلات إسألي عنها اليوم ما يعرفوهاش.. حتى إسألي الكبار مش سامعين فيها..

 رحت على كل المواضيع.. اللهجة العكية، المعالم والأماكن المشهورة، المقامات.. جمعت أسماء المعلمين وطلاب المدارس إللي كانوا بالانتداب، وين اتعلموا؟ إيش اتعلموا؟.. العادات والتقاليد العكية.. أسماء الحارات.. أسماء الزواريب.. الأزقة.. أسماء الساحات.. أسماء الصباطات المعقودة إللي في عكا.. أسمع من الناس منين هادا الإسم؟ حارة القلعة ليه؟ حارة دراع الواوي ليه؟ بيارة الزيت ليه؟ حارة الشيخ غانم ليه؟ ومن وين حدودهم؟.. درست علماء عكا.. أدبائها.. ومجانين عكا إللي لعبوا دور في حياتنا.. وقصص الجان، أمّي ماكانتش تضربنا بالليل، بيلتمس الولد أو هى تلتمس، هيك كانوا بيعتقدوا.. وأبيار عكا، أنواعها والمعتقدات المرتبطة فيها.. أيضًا الألعاب، متل لعبة “السيف والتُرُس (الدرع)” وكانوا يسموا السيف حَكَم.. سألت عن الأعراس إللي كانت تصير في عكا.. كيف يزفّوا العريس.. وكيف يزفّوا أغراض العروس ويودّوها بغناني.. حاولت أدرس البيوت في عكا، مين هن أصحابها قبل الـ 48.. داخل الأسوار وخارج الأسوار..

 

أخذ المعلِّم نظير شمالي نفسًا طويلًا ونحن معه بعد هذا الحوار الذي فاض من ذاكرته؛ فحلَّ صمت مُشبّع بالامتنان والفرح والاكتفاء. ولقد حملتُ كل ما حمَّلني إياه وعدتُ أكثر خِفّةً واتساعًا؛ ومع أنني أعلم أنني أطلتُ عليكم، ولكن الجهد الذي قام به العكاوي نظير شمالي ومازال، كان يستأهل مني الحرص على ألّا أقصّر في نقل ما حملته من أمانة إليكم؛ لعلها تجد في الإتاحة والانتشار ما يطمئن جميع المخلصين القائمين على حراسة ذاكرة المكان والناس، فأنتم ملح هذه الأرض، دمتم ودامت البلاد.

1- “خير فودي” شاعر وموسيقي وفنان تشكيلي فلسطيني، من مواليد عكّا القديمة 1964، مؤسس فرقة “ولَّعَتْ” الموسيقية، التي كتب كلمات ألبوماتها، كما كتب كلمات أغانٍ لفنانين وفرق موسيقية عديدة، بالإضافة إلى عمله مدربًا فنيًا للطلّاب في عكا والجليل.

2- “حارة العبيد” هى التسمية الحديثة لـ “حارة المبلّطة” بعد النكبة سنة 1948، وتعود التسمية بأصولها إلى أن أكثرية سكّانها كانوا من المسلمين ذوي الأصول الإفريقية.

3- “المبلّطة” أو “حارة المبلّطة” ، يُقال أن التسمية قد تعود إلى أنها أول الحارات المُبلّطة (التي فُرِشت بالبَلاط)

4- “ساحة عبّود” سُميّت على اسم أحد أغنياء عكّا المسيحيين، وبها القصر الأبيض لصاحبه “إلياس عبّود” الذي أصبح حاليًا معبدًا بهائيًا.

5-  يُقال في رواية أخرى: ترك القاضي صلاته.

6- “تغنيلهن.. فيهن.. يساويهن.. يكويهن” لا تُنطق الهاء في اللهجة العكّية.

7- “الشُبَّابِة” آلة نفخ من فصيلة الناي، منتشرة في فلسطين ولبنان، وتُعتبر من أهم الآلات الموسيقية في الجولان، وهى مشهورة بهذه التسمية في منطقة “الزوية” وجنوبي الجولان، ولها أسماء عديدة اشتهرت بها: “القصيبة” عند البدو والتركمان وفي “البطيحة” وفي شمال الجولان، كما تُعرف بـ “الكعيسة” أو “الشعيبة” في البطيحة (وهى من القرى المدمّرة في قضاء صفد وجاء اسمها من “الماء المستنقع”).

8-  “يقبّع الأسنان” أى يخلعها.

9- “ظافر القاسمي” (1913 – 1984) ابن الشيخ “جمال الدين بن محمد القاسمي”، حقوقي، ومؤرخ، وأديب، ولد بدمشق، وكان أبوه أحد رجال الإصلاح في العصر الحديث (1866-1914)

10- نُشر للأستاذ نظير شمالي الكثير من الدراسات والمقالات والقصائد في جريدة “الاتحاد”، وصحيفة “الصنارة”، ومجلة “الياطر”، ومجلة “الأسوار”، ومجلة “عكّا بلدي”، ومجلة “عكا مدينة الأسوار”، وفي بطاقته اليومية “ومضة” على موقع التواصل الاجتماعي. ومن منشوراته في مجال التراث الشعبي: “ملامح غابت أو كادت” (مجلة الأسوار، العدد 14، ص 114-132، عكا، 1993)، “و”شواهد ناطقة في صمت القبور” (مجلة الأسوار، العدد 17، ص 245-308، عكا، 1997)، و “أغنيتان مصريتان عاشتا بين ظهرانينا” (مجلة عكا مدينة الأسوار، الملف الثاني، عكا، 2002)،ومقال “فضاءات عكّية” (مجلة الياطر، ص 106-127، 2004، عكا)، ومن مواده: قبور عكية، ومن ألعاب الصغار، ومأكولات شعبية، وتلك الغولة التي في خاطري، وآل العكي والمال المبكي، وآل فضة الذين لم يبقَ لهم في وطنهم ذهب ولا فضة، وآل الكنفاني الذين جرت بهم الرياح بما لا تشتهي الآمال…الخ.

11- تقع منطقة “المثلث” في مركز البلاد وتضم ستَّ مدن عربية وثلاثا وعشرين قرية عربية والعديد من المستوطنات اليهودية. عُرفت زمن الانتداب البريطاني بمثلث المدن الكبرى جنين ونابلس وطولكرم؛ وتُعد منطقة المثلث مصدر قلق ديموغرافي لدولة “إسرائيل”.

 

 

عن adminh

شاهد أيضاً

الباحث الموسوعي الدكتور شكري عرّاف

  الباحث الموسوعي الدكتور شكري عرّاف   حاورته: لميس البرغوثي   أمام شخصية متعددة الاهتمامات، …