الرئيسية / دراسات ومقالات / أدب شعبي / مقالات / الخريف والشِّتاء في الأمثال الشعبية … خالد عوض

الخريف والشِّتاء في الأمثال الشعبية … خالد عوض

الخريف والشِّتاء في الأمثال الشعبية

خالد عوض *

مدير متحف التراث الشعبي

النّاصرة / فلسطين

العناوين

– أعياد النّصارى تحظى بأهمية كبيرة في النشاط الزراعي للفلاح الفلسطيني.

– شعار الفلاح الدائم: “كل شيء بالأمل إلا الرزق بالعمل”.

– ربط الفلاح مواعيد تحضير الأرض والزراعة والقطاف والحصاد بالمناسبات الدينية.

– شمس شباط  لكنّاتي، وشمس آذار لبناتي، وشمس نيسان إلي ولشيباتي.

– شباط لآذار: “آذار يابن عمي، أربعة منك وثلاثة مني، بتحرق العجوز دولابها والصبية قبقابها”.

   يُعتبر التراث الشعبي في كل أمة مرآة تنعكس فيها أصدق الأحاسيس وتتضمّن تجارب أفرادها في شتّى المجالات الحياتية. فالتراث الشعبي بشكل عام هو نتاج الشعب ككل، حيث أن الجماهير الشعبية لا تحتفظ بتاريخها بصيغه المفردة، بل بصيغه الجمعية، وتلتحم مع إبداعاتها في صراعاتها المستمرة لتنتج تراثها.

والإنسان الفلسطيني شأنه شأن جميع شعوب العالم، له تراثه، تاريخه وحضارته، وما زال حتى يومنا هذا مُهتّما بكل التغيرات الطبيعية، حيث اهتم بالمناخ والأرض والزراعة والمواسم والأعياد، وبكل الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والحياتية. ولأن حديثنا عن فصلي الخريف والشتاء، فسوف تقتصر هذه الدراسة على الفصلين المذكورين اللذين لهما مكانة خاصة بحياة الفلاح الفلسطيني، كونهما فصلي الخير والبركة والعطاء.

   وقبل أن ندخل في عرض النشاط الزراعي للفلاح الفلسطيني، لا بد وأن نشير هنا إلى أهمية الرزنامة الشعبية لفصلي الخريف والشتاء والمرتبطة بالحساب حسب التقويم الشرقي في كثير من النشاطات الزراعية والتغيرات المناخية، حيث يُشير المقدسي إلى أهمية أعياد النصارى في الرزنامة الزراعية فيقول: “إن المسلمين تعارفوا أعياد النصارى وقد رأوا بها الفصول، فالفصح وقت النيروز (فصل الربيع) والعنصرة وقت الحر (فصل الصيف) والميلاد وقت البرد (فصل الشتاء) وعيد البربارة وقت الأمطار (فصل الخريف)، وقد قالوا: “في عيد البربارة فليتخذ البنّاء زمارة”. (يعني فليجلس في البيت لشدة المطر).

   تشمل الدراسة على معلومات ذات قيمة تراثية وعلمية عالية، تساعد القراء في فهم ما أنتجه فلاحونا من مأثورات تراثية هامة، نذكر منها: 1- المثل وعلاقته بالأرض والمناخ. 2- الأغنية الشعبية وعلاقتها بالطقوس والمعتقدات. 3- الحكايات المتعلقة بالطقس وتقلباته، مثل قصة سعد ذابح، والمستقرضات، وأغاني الغيث وغيرها.

أولا: فصل الخريف ومأثوراته الشعبية

مدته 89 يوما و17 ساعة، وأوله عند حلول الشمس بأول برج الميزان في 22 أيلول، حيث يتساوى طول الليل والنهار. أما أشهر الخريف فهي: أيلول، تشرين الأول، تشرين الثاني، وهي تختلف فلكيًّا عما هو معروف. وقد سُمّي الخريف بهذا الاسم لأن الثمار تخترف فيه أي تُجنى فيه، والعرب سموه الوسمي نسبة للمطر الذي يهطل فيه.

أ‌-      شهر أيلول – سبتمبر

يدخل فصل الخريف في شهر أيلول، وهو شهر الصليب (وعيد الصليب يصادف في 27 أيلول حسب التقويم الشرقي) ويقول المثل الشعبي: “ما لك صَيْفيّات بعد الصليبيات”، أي في أيلول ينتهي الصيف. كما يدل هذا المثل على تغيّر حالة الطقس وبداية فصل جديد: “إن أجا الصليب روح يا غريب”، أي إذا حلّ عيد الصليب يعود المصطافون (المعزبون) في الكروم إلى بيوتهم، لذا يقول المثل الشعبي: “إن صلّبت خرّبت”، أي يسقط المطر ويتلف العنب والتين، و”بعد عيد الصليب كل أخضر يسيب”، أي تبدأ الظواهر الطبيعية الخريفية في الظهور، ومن الممكن أن يهطل المطر.

أمثال شهر أيلول

1-    بـ 23 أيلول، الصيف بيزول. (بداية الاعتدال الخريفي). 2- أيلول ذنبه مبلول. 3- لطلوع سهيل، لاتأمن من السيل. (سهيل: نجم في السماء). 4- بعيد الصليب الأخراني، صيّف تاني (27 أيلول التقويم الغربي). 5- ما لك صيفيّة إلا بعد الصليبية. 6- بأيلول سيروا ولاتقيلوا. 7- الصليب ميزان المونة  (مونة الشتاء من البرغل والقمح والزيت…..). 8- بأيلول تموَّن لعيالك وشيل الهم عن بالك. 9- بأيلول دبّر المكيول للحمص والعدس والفول. 10-  بعيد الصليب كل أخضر بيشيب. 11- بس حضر القمح والزيت تسوكرت مونة البيت (تسوكرت: كلمة تركية بمعنى أمنت وضمنت). 12- اللي ما بموّن بأيلول بيعيش عيشة بهلول. 13- بأيلول طار النحل والنحول (جني العسل). 14- بأيلول بيطيح الزيت بالزيتون (نضوج الزيتون).

ب‌- شهر تشرين الأول –  أكتوبر / ويسمى بـ “أجرد أول”

وهو بداية الموسم الزراعي، ويطلق أهل الريف عليه اسم “أبو الشراقي”، لكثرة هبوب الرياح الشرقية فيه.

تبدأ التحضيرات للموسم الزراعي مع نهاية الخريف، ويسمّي الفلاح الفلسطيني شهر تشرين الأول بـِ” أَجْرَدْ أول”، ويعود سبب هذه التسمية لأن الأرض تتجرّد من حللها وغطائها الأخضر في هذا الوقت، وكذلك الأشجار تكون قد تجرّدت من أوراقها. وفي مطلع تشرين الثاني يطلق اسم “الوسم البدري”، والوسم هو المطرة الأولى التي تنزل على الأرض فتترك أثرا كالوسم (الوشم)، وتُعرف هذه الفترة بموسم البذار المبكر، ويُسمى هذا البذار “العفير”. ومن الظواهر الطبيعية التي يلحظها الإنسان في هذا الوقت دخول البرد.

 

 

أمثال شهر تشرين الأول

 1- برد تشرين أحدّ من السكاكين. 2- برد تشارين توقّاه، وبرد الربيع استلقّاه. أي (تلاقاه). 3- ما في أنقى من قمرة تشرين، ولا أظلم من عتمة كانون. أي أن السماء تكون صافية بسبب الرياح الشرقية الحارة التي تهب، بينما في كانون يهطل المطر. 4- وما بين تشرين الأول وتشرين الثاني صيف ثاني. وهذا يدل على الأيام التي تشتد فيها الحرارة كأيام الصيف، لذا تسمى الصيفية القصيرة 5- اللي ما شبع من العنب والتين بشبع من ميّة تشرين. 6- في تشرين بيغبر التين.
وهكذا يتواصل الموسم، فيبدأ مباشرة شهر تشرين الثاني، وأيضا يسمّى هذا الشهر في الثقافة المحلية بِـ «أَجْرَدْ ثاني”، وربما للسبب ذاته، وفي هذين الشهرين (تشارين) يكون موسم الزيتون، حيث يقصر طول النهار، ويقول المثل: “أيام الزيت أصبحت أمسيت”.

ج – أمثال شهر تشرين الثاني (ويُسمّى بـ أجرد ثاني)

وهو بداية الموسم الزراعي الثاني، ويكون الموعد المناسب لبدء أعمال الحراثة وتهيئة التربة تمهيدا لزراعة الحبوب، وشعار الفلاح الدائم: “كل شيء بالأمل إلا الرزق بالعمل”. لذا، تُعبّر الأمثال الشعبية عن موسم الحراث ووقته فتقول: “في عيد لِدْ، اللي ما شدّ يشد”، بمعنى أن الفلاح الذي لم يتهيأ بعد للحرث والبذر عليه أن يسارع إلى ذلك. ويصادف عيد لِدْ في السادس عشر من تشرين الثاني، وهو ذكرى تجديد هيكل القديس جورجيوس (الخضر) فوق قبره في مدينة اللد. ويضيف المثل: “عيد لد يا مطر بيهد يا صيف بجد”. وقد ربط الفلاح مواعيد تحضير الأرض والزراعة والقطاف والحصاد بالمناسبات الدينية، لذا يقولون: “إن أوسمت عَ عيد لِد احرث وقِد”، بمعنى إن أمطرت وأصبحت الأرض رطبة احرث وابذر. و “اللي ما بحرث في الأجرد عند الصليبة بحرد”، بمعنى حراثة الأرض وإعدادها والعناية بها في تشرين يجد محصولاً وفيرًا عند الحصاد، و “في عيد لد كل شداد يشدّ يا قبله بـ 15 يا بعده بـ 15 الوسم فيه”، بمعنى أن عيد لد هو الفترة المناسبة لإعداد الأرض للزراعة والاستعداد لذلك. وقد يحدث خلال هذه الفترة (الوسم)، حيث يقال “أوسمت الدنيا” عندما يهطل المطر الأول ويترك أثره على الأرض، والوسم البدري هو الذي يأتي قبل (عيد لد) بخمسة عشر يومًا. وأما الموسم المتأخر “الوخري” فهو الذي يأتي بعد عيد لد بخمسة عشر يومًا.

اختلطت أمثال هذين الشهرين مع بعضهما وصيغت الأمثال تحت اسم تشرين أو تشارين، وما يُحدّد الشهر في بعض الأحيان هو معنى المثل.

من أمثال تشرين الأول وتشرين الثاني

           1- بتشرين بتنتثر أوراق التين. 2- بآخر تشرين ودّع العنب والتين. 3- القمح اللي بينزرع بتشرين بيرمي المد عشرين (المد: وحدة وزن). 4- بتشرين فوّت بقراتك يامسكين. 5-  مطر تشرين طروح . (بلا فائدة للفلاح والزرع). 6- برد تشارين أحدّ من السّكّين. 7- بين تشرين الأول والثاني صيف تاني. 8- تشرين الثاني ما في للصيف أمانة. 9- ما في أنقى من قمرة تشرين ولا أعتم من غيمة كانون. 10- بنهار الزيت يادوب الشاطره تطبخ وتكنّس البيت.

ثانيا : الشتاء وأمثاله الشعبية

يبدأ فصل الشتاء في منطقتنا في 22 كانون الأول (ويُسمّى: الانقلاب الشتوي) وينتهي في 21 آذار، وهو بداية الربيع.

أطلق العرب على المطر اسم الشتاء، لذلك يُقال إن الدنيا تشتي للدلالة على هطول المطر. وقيل في الشتاء الكثير الكثير من الأمثال، ومنها:

الشتا شدّه لو كان رخا / لولا الشتا ما شفنا صيف هني / الشتا بيعمي قلب الإنسان/ مابيجوز الهوش بلا صياح والشتا بلا رياح.

ويُقسّم فصل الشتاء في بلادنا إلى قسمين هامين:

الفترة الأولى: وتُسمّى “مربعانيّة الشتاء”، وهي عبارة عن أربعين يوما، تمتد من 22 كانون الأول وحتى آخر كانون الثاني. وهي الفترة التي يتحيّن فيها الفلاحون فرص الصحو لإتمام ما لم يزرعوه من حبوب وخصوصا “الشعير والكرسنّة”، وتُسمّى هذه الفترة “ري” والتي تعتمد في الأساس على أمطار المربعانيّة.

الفترة الثانية: وتسمى “الخمسينيّة” أو “السعودات”، وهي عبارة عن خمسين يوما. وقد قسّموها إلى أربعة أقسام متساوية كل واحد أسموه “سعدا”، ومدته 12.5 يوما، وتسهيلا للحساب جعلوه 13 يوما، وفترة السعود هي أربعة: سعد ذابح، سعد بلع، سعد السعود، سعد الخبايا.

أما سبب التسمية “بسعد” فهذا يعود إلى قصة يرويها كبار السن من أبناء شعبنا ويقولون فيها: إن شيخا من الجزيرة العربية أرسل ابنه للشام للتجارة، وأوصاه إذا ما داهمه البرد أن يذبح ناقته ويختبئ بها ويأكل من لحمها حتى تنقضي موجة البرد فيخرج منها. وقبل خروجه أكد أبوه على الوصية وقال له: “يا بني إذا هبّت رياح جنوبية واضطرب الجو وحل البرد الشديد والمطر الغزير فاذبح ناقتك وليذبح من معك واتخذ وجماعتك من جلود النياق مأوى تأوون إليه ومن لحمها طعاما لكم”.

غادر سعد وجماعته القبيلة في منتصف شهر كانون الثاني. وخلال الطريق وفي اليوم الأول من شهر شباط، هبّت رياح جنوبية تحوّلت في ما بعد إلى رياح شمالية باردة وازداد اضطراب الجو وبدأت الأمطار تهطل بغزارة واشتد البرد، حتى أصبح من الصعب على سعد وجماعته متابعة الطريق. وهنا، تذكّر سعد وصية أبيه وعزم على تنفيذها. لكن المجموعة رفضت التوقف، فقام هو بتنفيذها لوحده دون جماعته الذين اختاروا متابعة الطريق. فذبح سعد ناقته وأخرج أحشاءها وجرّد لحمها ليقتات به، وجعل من هيكلها العظمي وجلدها خيمة تحميه من المطر والبرد. بقي سعد داخل خيمته (جلد الناقة) مدة اثني عشر يوما ونصف اليوم لا يستطيع الخروج. وبعد ظهر اليوم الثالث عشر تحسّن الطقس نسبيا، فخرج سعد من داخل جلد الناقة ليتابع طريقه. قلق أبو سعد على ولده سعد خوفا من عدم تنفيذه الوصية التي أوصاه بها، وكان يُردّد ويقول: “إذا سعد ذبح ربح وإن ما ذبح ما ربح”، لذا سُمّيت هذه الفترة بسعد ذابح.

بعد انتهاء فترة البرد، خرج سعد من مخبئه بعد أن شعر ببعض الدفء، فاستبشر وشعر بالسعادة لعمله بوصية أبيه.

كثيرة هي الأمثال التي يتطرق إليها مثلنا الشعبي عن الشتاء، ليس عن الشهور فحسب بل المناسبات والمواسم والأعياد التي تصادف في هذا الفصل.

مربعانيّة الشتاء وأمثالها الشعبية

أ‌-      أمثال (كانون الأول – ديسمبر – أو كانون الأجرد)

1- الشغل في كانون أسلم ما يكون.

في هذا الشهر تكون الأمطار قليلة، لذلك سُمّي بكانون “الأجرد”، ولكن فترة عيد البربارة، أي في 17 كانون الأول، تهطل أمطار غزيرة، وتأكيدا على ذلك المثل القائل:

2-    في عيد البربارة بتطلع المي من خزق الفارة.

وعيد البربارة هو عيد رسمي عند الطوائف المسيحية الشرقية. وكلمة بربارة لها عدة معان أذكر أهمها:

” أن هناك قديسة مصرية تدعى “بربارة”، قُطع رأسها. وفي 17 كانون الأول حسب التقويم الشرقي يُحيي المسيحيون هذه الذكرى، وما زالت طقوس هذا العيد حتى يومنا هذا، حيث تُقدّم هذه الطوائف القمح المسلوق المخلوط بالسكّر واليانسون رحمة عن روحها.

3- اللي ما بيزرع في الأجرد عند الصليبة بيحرد.

4- إن طلعت البربارة، القمح يا بداره وحطوا الشعير في الغرارة. (الغرارة-بمعنى الكيس). والبربارة هنا نسبة إلى اسم نجم في السماء.

5- بعد عيد البربارة يأخذ النهار من الليل غباره، أي أن النهار يأخذ من الليل قليلا، وهكذا نتج عندنا المثل القائل: “في عيد البربارة، النهار يأخذ من الليل غبارة”.

ب – أمثال (كانون الثاني – يناير – أو كانون الأصم).

يُسمّى هذا الشهر أيضا “بفحل الشتاء”، حيث أن كمية الأمطار الساقطة في هذا الشهر تصل إلى جذور الأشجار والنباتات، كون جذور الأشجار في بلادنا عميقة وبحاجة إلى كمية من الأمطار. لذا فإذا ما وصلت هذه المياه إلى الأعماق ورطبت الجذور وكأن الشجر قد “ألقح”، فيقولون “ألقح الشجر” أي وصلته المياه.

إن كمية الأمطار الساقطة في كانون الثاني تكون مناسبة لغرس شجر الزيتون، وتُحدّد أيضا موسم الزيتون القادم، وذلك حسب المثل القائل : “سيل الزيتون من سيل كانون”.

لهذا الشهر أيضا أمثال خاصة به، فلقد تكهّن فلاحونا – نتيجة خبرتهم الفطرية وممارستهم الزراعية- بكل التغيرات والتحولات بهذا الفصل. وعلى ألسنة الفلاحين عن شهر كانون الثاني أمثال عديدة، أذكر منها:

1-  في كانون الأصم أقعد في البيت واصطم. 2-  إيمتى بيطلع البرقوق رد بذارك ع الصندوق. 3-  إن غطس النصراني اشلح ثوبك الفوقاني. (وذلك نسبة إلى عيد الغطاس الذي يصادف في أول الشهر). وحسب تعبير فلاحينا إن البرد تخف حدته (بعد عيد الغطاس بتغطس نص الصقعة). 4-  إن فاتتك الميلادي خلي عدساتك للولادي. (المقصود الأولاد). والمقصود بهذا المثل: لا تزرع في هذا الموعد لأنه بحاجة إلى كمية كبيرة من البرد بعد أن ينمو. وإذا ما تأخر الفلاح في زراعته، أي إذا لم يزرع قبل عيد الميلاد فإن الزرع يصبح “لقشي”، “الوسم اللكشي” أو “اللقشي” حيث أن معنى تلكّش هو تأخّر. 5- بين الميلادي والغطاس لا تسافر يا ابن الناس! وذلك لشدة البرد والمطر وخوفا من الغرق. يقول اسطفان اسطفان: “إن الفترة الواقعة بين عيد الميلاد وعيد الغطاس مرهوبة لأمطارها الغزيرة”. 6- من الميلادي لباب الدارون – رد بذارك يا مجنون. ويعني هذا أن آخر موعد لزرع الحبوب في فلسطين هو آخر “الطنعشريات”، أي آخر اثنى عشر يوما من “المربعانية”، أي آخر شهر كانون الثاني، لذلك إذا فاتتك هذه الأيام أعد بذارك لأنها لن تعطي المحصول الكافي.

خمسينيّة الشتاء وأمثالها الشعبية

أ‌-      أمثال شهر شباط (فبراير)

ويُسمّى (الشهر الأسود) و (الشهر الأعور) لأن عدد أيامه أقل من 30 يوما. والأيام الخمس والعشرون الأولى منه تُمثّل سعد الذابح وسعد بلع، والأيام الثلاثة الأخيرة تنتمي لأيام العجائز مع أربعة أيام من آذار، وتُعرف الفترة من ليلة التاسع من شباط إلى ليلة السادس عشر منه الليالي البيضاء لكثرة سقوط الثلج، وتُعرف ليلة الحادي والعشرين منه بـ “ليلة الوحدة” لشدة بردها. ومن أمثال شباط نذكر:

1- قران تسعة برده لسعة. 2- شباط اللّبّاط ما على كلامه رباط. (لتقلب الجو السريع فيه). 3- شباط بيضحك ع النسوان. 4- شمس شباط لكناتي وشمس آذار لبناتي وشمس نيسان إلي ولشيباتي. (على لسان العجوز). 5- شمسة شباط وغيمة آذار من نعايم الله الكتار. 6- شباط الأخ الكبير مقاسم الراعي نعجاته. 7- آذار يسأل شباط: يا شباط كيف فارقتهم؟ فيرد: فارقتهم صفر اليدين مبعجرين ع المواقد مقرفصين. 8- شباط اللّبّاط إن شبط وإن لبط، ريحة الصيف فيه. أي بمعنى أنه رغم أمطاره الغزيرة وتقلباته المناخية إلا أنه يمتاز بالحرارة والدفء.

ب‌- السعودات

 سعد ذابح

عندما يأتي شهر شباط أول ما يتذكره فلاحونا خمسينيّة الشتاء وهي خمسون يوما تبدأ بـ “سعد ذابح”، أي من 1 شباط حتى 13 منه، وهي الفترة التي ذبح سعد ناقته واختبأ فيها لشدة البرد. ومن أمثلته: 1- سعد ذابح البرد فيه ذابح. 2- بسعد ذبح ما كلب نبح. 3- بسعد ذبح لا راع سرح ولا فلاح فلح.

سعد بلع

ويبدأ من 13 شباط حتى 25 منه، وقد سُمّي بهذا الاسم نسبة لخروج سعد من بطن ذبيحته التي كان مختبئا فيها وأخذ يأكلها أو (يبلع) منها.وإذا ما قارنا هذا مع فصل الشتاء نرى أن الأرض في تلك الفترة تبلع كل المطر الساقط عليها، فلا تظهر أي تجمعات مائية على سطح الأرض.

سعد السعود أو سعد نجا

وقد قالوا: في سعد السعود بتمشي المي في العود.

بأول سعد سعود، بترتجف القرود وبآخره بيدفا كل مبرود.

تبدأ هذه الفترة من الخمسينيّة من 25 شباط حتى 10 آذار. وسُمّيت أيضا “سعد نجا”، لأنه نجا من الموت، فأصبح سعيدا بذلك، حيث أن الدم تحرك في شرايينه بعد أن كان متجمدا من البرد. وإذا ما نظرنا إلى المثل المذكور من الناحية العلمية نجد أنه في أواخر شهر شباط تنتهي فترة سبات النباتات، فيبدأ الشجر والنبات بامتصاص الغذاء من التربة بعد أن كان يتغذّى من المخزون العصاري للنبتة.

يتخلل شهر شباط “المستقرضات”، والتي تبدأ من 25 شباط حتى 4 آذار. هذا اعتمادا على ما قاله شباط لآذار: “آذار يابن عمي أربعة منك وثلاثة مني، بتحرق العجوز دولابها والصبية قبقابها”.

لهذا المثل قصة لطيفة يحكيها الكبار في السن: “يُقال أن عجوزا كانت جالسة داخل خيمتها وبجانبها عنزاتها تحيك على “النول”، وهي تنتظر انتهاء شهر شباط بفارغ الصبر. وعندما أوشك شباط على الانتهاء فرحت العجوز وقالت: “أجا شباط وراح شباط، لا أخذ لا عنزة ولا رباط”. وعندما سمع شباط ما قالته العجوز استشاط غضبا وغيظا، فاستنجد بابن عمه آذار. وهكذا نتج عندنا المثل السابق ذكره “آذار يا بن عمي….”.

يُسمّى شهر شباط في منطقتنا وبالتحديد السبعة الأولى من سعد السعود (المستقرضات) بأيام “العجايز”، لأن شباط يأخذ معه الكثير من العجايز. وهي الفترة التي لاقت العجوز فيها حتفها، لأن شباط استقرض من آذار أربعة أيام يكون فيها المطر غزيرا. وتُسمّى هذه الأيام السبعة أيضا “الحسوم”. ويعتبر الفلاحون أن طقس كل يوم منها رمز لطقس أحد شهور الصيف السبعة، فإن كان رطبا أو جافا كان الشهر الذي ترمز إليه كذلك. لذلك نسمع فلاحينا يقولون أن الصيف المقبل سيكون حارا، لأن مطرا غزيرا قد سقط في فترة “المستقرضات”.

سقوط الجمرات الثلاث

يرتبط سقوط الجمرات الثلاث، في ما يحدث لدفء الأرض وكسر حدة البرد الذي يجعل ماء التربة يتبخر ويتصاعد للجو، والذي ردّه الإنسان إلى خروج الدفء من باطن الأرض أو سقوطه من السماء لسقوط الدفء من السماء. والجمرات هي:

جمرة الهواء: وموعدها في 20 شباط، تسقط فتُدفئ الهواء.

جمرة الماء: وموعدها في 27 من شباط، تسقط فتُدفئ الماء.

جمرة الأرض وموعدها 6 آذار، تسقط فتُدفئ باطن الأرض.

ويبدو أن هذه المعتقدات مرتبطة بعضها بالشمس وبزاويتها وانعكاسها على الأرض وما تسببه من حرارة للبيئة المحيطة في الأرض وبغلافها الجويّ.

سعد الخبايا

“سعد الخبايا بيطلع من الأرض الحيايا”.

تبدأ هذه الفترة من خمسينيّة الشتاء من 10 آذار حتى نهاية موسم الشتاء وبداية “الاعتدال الربيعي”، أي 21 آذار، وهو بداية الربيع.

في هذه الفترة من آذار تظهر من الأرض الخبايا، مثل “الخنافس”، و”الأفاعي”، و”الحراذين” وغيرها من خبايا الأرض.

وأيضا سعد يخرج من مخبئه، وهذا يدل على انتهاء فصل الشتاء وطلوع الشمس. وفي هذا الشهر أيضا (أعني شهر آذار) يتساوى الليل والنهار. وكما هو معروف فإن شهر آذار متقلب غريب الأطوار، إلا أن فلاحينا متيقظون له، فالفلاح الفلسطيني يرصده ويتابعه بحذر مستعينا ببصيرته الحادة الفطرية.

ومن أمثال آذار

1- آذار أبو الزعازع والأمطار، فيه ببرطع الجمل، وبحمض اللبن، وفيه بغرق الراعي سبع مرات وبروح ع الحمار لا من شرده ولا من برده إلا من جوعه، عشرة بكفّوش و15 معلمتو ما بتحطلوش.(وذلك لطول النهار). 2- في آذار بتساوى الليل والنهار. 3- في آذار بعشّش الدوري وبتورق الأشجار. 4- إن غلّت آذار وراها، وإن أمحلت الأرض وراها. 5- في آذار خبّي فحماتك الكبار. 6- آذار مرّة شميسة ومرة أمطار. 7- في آذار بتحيا الأشجار.

المصادر
1- أسطفان، أسطفان. “التراث والمجتمع”، العدد الأول / 1974.
2- البطمة، نادية. “الفصول الأربعة عادات  وتقاليد ومواسم”، ط 1، 2012، إصدار -مركز الدراسات للإعلام والاتصال- رام الله.
3 ربيع، وليد. “التراث والمجتمع”، العدد الخامس / كانون الثاني 1976.
4- عبده ، سمير. “التحليل النفسي للأقوال المأثورة” ، ط 1 . 1994، إصدار دار علاء الدين للنشر والتوزيع، دمشق – سوريا.
5- عبندة، علي. “الفلك والأنواء في التراث”، ط 1. 1998، إصدار – دار الفرقان للنشر والتوزيع- بيروت.
6- عراف، شكري. “الأرض الإنسان والجهد”، ط 1، أيار 1982، إصدار مطبعة أبو رحمون عكا.
7- عوض، خالد. “الشتاء في تراثنا الشعبي”، مجلة الجديد.  أيار – 1988.
8-  مجاهد، عماد عبد العزيز. “أطلس النجوم”، ط 1، 1997، إصدار المؤسسة العربية للدراسات والنشر – بيروت..
9- المبيض، سليم عرفات. “الجغرافيا الفلكلورية للأمثال الشعبية”، ط 1، 1986، إصدار الهيئة المصرية العامة للكتاب – مصر.
10- موسى، علي حسن . “الأحوال الجوية في الأمثال الشعبية.” ، ط 1. 1991، دار الفكر – مصر.

عن adminh