الرئيسية / حوارات / الفنانة التشكيلية تَمام الأكْحَل

الفنانة التشكيلية تَمام الأكْحَل

حوار مع الفنانة التشكيلية تَمام الأكْحَل

حوار: لميس البرغوثي

تصوير: صالح الظاهر

الصدق والإنسان.. محوران يشكلان ركيزتين أساسيتين في تجربة حياة تمام الأكحل في الفن والحياة، ويظهر أثرهما بوضوح في حديثها العفوي، وممارساتها اليومية، ولوحاتها الفنية.

قدرتها على السرد، ورواية الأحداث بأسلوب ممتع والتقاط التفاصيل الصغيرة بعين الفنان المبدع دفع والدها الذي شعر بموهبتها منذ الصغر إلى أن يستحثها دوما على الكلام والوصف بقوله: “احكي يا شهرزاد”. وهذا ما قاله لها بعد ما يزيد عن الستين عاما الروائي اللبناني إلياس خوري عند قراءته لسيرتها الذاتية قيد الطبع، والتي ستصدر قريبا. وهذا ما شعرت به – أنا التي لم أر يافا يوما- في وصفها الدقيق لمنزل العائلة، شعرت أنني أحتسي القهوة في شرفة بيتها في يافا، أمامنا البحر ومن خلفنا بيارات البرتقال.

الحديث عن النكبة والفن، يرتبط في الوعي والمخيّلة الفلسطينية بروّادٍ في الفن الفلسطيني المعاصر أخذوا على عاتقهم مسؤولية التوثيق والمعالجة البصرية للنكبة والهوية، من بين هؤلاء الروّاد الفنانة تمام الأكحل، التي يصعب فصل تجربتها التشكيلية ـ الإنسانية عن تجربة شريكها الفنان الراحل إسماعيل شمّوط، وتعتبر أعمال الفنَّانَيْن بداية التأريخ للحركة التشكيلية الفلسطينية بعد النكبة.

ولدت تمام الأكحل في مدينة يافا عام 1935، وشردتها النكبة مع أهلها إلى بيروت، فالتحقت بكلية المقاصد للبنات، واشتركت بأول أعمالها بمعرض الخريف المُقام في قاعة اليونسكو وهي في الخامسة عشرة من عمرها، وبعد ثلاث سنوات منحتها كلية المقاصد في بيروت بعثة لدراسة الفنون الجميلة بالقاهرة، فشاركت في عام 1954 في المعرض الذي أقامه زميلها الفنان إسماعيل شموط (تزوجا عام 1959) في القاهرة، وافتتحه ورعاه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.

حصلت على شهادة الفنون الجميلة وشهادة إجازة تدريس الفن من المعهد العالي لمعلمات الفنون بالقاهرة عام 1957، وأشرفت على تنظيم دورات وورش عمل لتدريس الفن في كل من غزة، ورام الله، والقدس، والكويت، ولبنان، والأردن.

أقامت عشرات المعارض مع زوجها الراحل إسماعيل شَمُّوط في معظم العواصم العربية والعالمية، ولها أعمال مُقْتناه في عدد من متاحف الدول العربية والأجنبية.

في العام 2004 اختيرت لوحة لها، ولوحة للفنان إسماعيل شموط من ضمن أفضل عشرة أعمال فنية مختارة من 65 دولة في العالم، وذلك في استفتاء عالمي أجرته مؤسسة World Wide Arts Resources.

وفي العام 2007 تم إصدار الموسوعة العلمية McDougal Littell Literature  المتخصصة لأجيال المرحلة ما بين 14-18عاما، حيث تم اختيار لوحتين للفنان إسماعيل شموط ولوحة للفنانة تمام الأكحل من ضمن الموسوعة التي طبع منها مليون نسخة باللغة الانجليزية.

حصلت عل جوائز عديدة تقديرا لفنها الملتزم، منها: جائزة الشراع الذهبي في معرض بينالي الكويت عام 1987، ودرع الدوحة عاصمة الثقافة العربية عام 2011، ووسام الاستحقاق والتميز من السلطة الفلسطسنية عام 2012، كما تم تكريمها في العام نفسه كشخصية العام الثقافية من وزارة الثقافة الفلسطينية في رام الله.

 

   في البداية، نود الحديث عن مرحلة الطفولة، وعلاقتك الحميمة بوالدك الذي ساهم في طفولتك المبكرة في تشكيل الوعي لديك بما يدور حولك من أحداث هامة تتعلق بفلسطين والأمة العربية في حقبة الأربعينيات من القرن الماضي.

في طفولتي، كنت طفلة شقية، وغالبا ما تعرضت لعقاب والدتي بسبب شقاوتي ورغبتي في تجربة كل جديد، خاصة إذا كان الأمر يتعلق برغبتي في الرسم. فأذكر أنني عوقبت مرة لسرقتي أوراق تغليف البرتقال لأصنع منها أطباقاً ورقيَّة مُزَرْكشة، ومرة ثانية لقيامي بنحت اسمي على عمود الرخام في مدخل المنزل وغيرها كثير.

أنا ابنة عارف الأكحل، رجل لم يسعده الحظ لتلقي التعليم المدرسي في طفولته، لكنه كان شغوفا بمعرفة ما يدور حوله من أحداث. كنت ابنة التاسعة لما بدأ يطلب مني أن أقرأ له الصحف اليومية أو المنشورات الثورية، قبل وبعد عام النكبة، الأمر الذي أثار فيَّ حب المطالعة وتتبع الأحداث عن كثب واستيعابها.

أثَّرت هذه الأحداث في حياتي، وأصبحتُ أكثر إدراكا لمفهوم التحركات السياسية وتطوراتها، وظلم المحتل البريطاني واستبداده تجاه شعبنا العربي الفلسطيني. وعلقتْ بذهني أسماء اشتهرت إبان الحرب العالمية الثانية، وأسماء من يمكن أن يُسمَّون بـ (مخترعي وعباقرة) إبادة الإنسان وقمعه بأدوات ووسائل الدجل والكذب في تحقيق مآربهم الخاصة، والذين قاموا بتقديم كل الوسائل والذرائع والدعم المادي والعسكري والسياسي للعدو الصهيوني، الذي حاك مع داعميه كل أشكال وأساليب الحِيَل والوعود الكاذبة لتحقيق قيام الكيان الصهيوني على تراب فلسطين. كذبوا الأديان وكذبوا التاريخ وكذبوا الجغرافيا، وما زالوا ….

كان والدي يفسر لي بعض الأمور الغامضة ويشرح لي ما يتعلق بالثورة وأهدافها، فقد كان هو نفسه أحد جنودها مما عرضه للاعتقال من قبل الحاكم العسكري البريطاني أكثر من مرة، كغيره من أبناء يافا، بل وأبناء فلسطين أجمعين.

والصورة تتكرر اليوم في فلسطين على أيدي المحتل المغتصب الإسرائيلي، والتاريخ يعيد شكلا من أشكاله في عصرنا الحاضر وفي أيامنا هذه، ولكن بصورة أكثر وحشية وهمجية تحت شعارات الحداثة والمعاصرة.

حفرت تلك الأحداث والصور الملازمة لها مساحات لا تُمحى في الذاكرة الفلسطينية، وفي ذاكرتي ومشاعري بشكل خاص.

لا أنسى يوم عاد الزعيم الفلسطيني المعروف الحاج أمين الحسيني إلى أرض الوطن الفلسطيني من منفاه، حيث عمَّ الفرح جميع الناس، وازدانت الشوارع والمدن بالزينات تعبيرا عن بهجتهم وفرحهم لعودته، كان ذلك في العام 1947. ولتأثري الشديد بهذه البهجة الشعبية، رسمتُ أولى رسوماتي بألوان شمعية وأخرى مائية تعبيرا عن مشاركتي في فرحة الشعب. كان كل شيء يُغري بالرسم: لافتات وفوانيس وسعف نخيل. رسمتُ كل ذلك، فوجده والدي الذي كان يمتلك حسَّا فنيا جميلا، إبداعا مميّزا وأطلع عليه الجميع.

ثم كان الصيف الأخير لي بيافا في العام نفسه في (روبين)، ذلك المصيف الجميل لسكان يافا وجيرانها، وله من المتعة طعم خاص، فرسمتُ فيه كثيرا من الرسوم والتي كانت موضع إعجاب أفراد العائلة، ومعلماتي وصديقاتي في المدرسة.

فجأة تحولت هذه الحياة الجميلة في يافا، بياراتها، برتقالها، بحرها .. تحولت قدسية بلادنا إلى جحيم، فاسودَّ نهارها وعلا الدخان سماءها، فانقلبت الحياة لرعب وهلع شديدين. يومها ذهبت مع أمي لزيارة ابن خالي سعيد السِّكْسِك -الذي كانت متعة البحر معه لها طعم آخر بالنسبة إلي- كان قد أصيب برأسه من قناص صهيوني حاقد، وكان علينا أن نحمل إليه بعض الماء لندرة الحصول عليه، فتسللت وأمي للمستشفى الإنجليزي عبر الأزقة الضيقة في يافا تجنبا لوحشية القصف من العصابات الصهيونية بالأسلحة البريطانية. اخترقنا آهات الجرحى في ممرات المستشفى ووصلنا ابن خالي الجريح، وكان شديد الاصفرار. أمسكتُ يده، ونظر إليَّ نظرته الوداعية، ثم سقطت يده من يدي، وما زالت نظرته هذه في عيناي، إذ كان أول شهيد عزيز إلى قلبي يرحل، كان في السابعة عشرة من عمره وأنا في الثانية عشرة.

 

   اقتلاعك من يافا نتيجة النكبة التي حلَّت بالشعب الفلسطيني، بقي محفورا في وجدانك طوال العمر، وعبَّرت عن هذه التجربة القاسية والمريرة في أكثر من لوحة.             كشاهدة على تلك المرحلة صفي لنا مجريات الأحداث –كما عشتها- ليلة سقوط يافا وتهجير سكانها عبر البحر إلى المنافي.

فجر 28 نيسان/إبريل 1948، كان لا بد أن نبيت تلك الليلة بكامل ملابسنا، بما في ذلك الأحذية تحسُّبا للقصف العشوائي من قبل العصابات الصهيونية المتعددة، وأكثرها ارتكابا للجرائم والمجازر العصابات الشهيرة بجرائمها كعصابة (الهاغاناه) وعصابة (شتيرن) وعصابة (الأرغون) وغيرها، إذ قطعوا الماء والكهرباء عن المدن والقرى الفلسطينية منذ أسبوعين. وفجأة انتفضنا وهزنا الرعب الشديد على قرعٍ لأبوابنا بأعقاب البنادق والأحذية العسكرية، كانوا أشكالا مرعبة تلبس المعدات العسكرية لقتل الإنسان، ويكررون كلمة (برَّه ..برَّه). اضطررنا نحن العزَّل إلى الإذعان تحت تهديد السلاح والخروج من بيوتنا دون حمل أي شيء، حمل والدي مفتاح بيتنا في يافا وأعطاني إياه فيما بعد لأحتفظ به، وما يزال معي حتى الآن، ورسمته في إحدى لوحاتي بحجمه الطبيعي، وعلى رصيف ميناء يافا، كان الآلاف من الناس مرصوصين على الرصيف يبحثون عن النجاة. البحر الهائج أمامنا والعدو بكامل أسلحته ودباباته البريطانية من ورائنا. وللإسراع في رمينا بالبحر أطلقوا علينا رصاص (الدَّمْدَم) المحرم دوليا، فكان الهلع والفزع والصراخ والعويل وقتلى وجرحى وغرقى في البحر. أحداث ما زالت ترافقني حتى اليوم. ومن المركب الصغيرة، انتقلنا إلى الباخرة اليونانية (دوليريس). ودعت يافا وأنا ابنة الثالثة عشرة بعين دامعة، وقلب مكسور، وحطَّت بنا الباخرة في بيروت.

 

   بيروت، وبدايات التعبير فنيا بالرسم عن تجربة الاقتلاع واللجوء والشتات. حدثينا عن هذه المرحلة.

سنة ونصف من الضياع، لا مدرسة ولا دخل مادي. ولشدة رغبتي في الرسم ثبَّتُ خصلة من شعري على قلم رصاص، ومن ألوان المساحيق المخصصة لصباغ الثياب القديمة التي كانت تستعملها والدتي لتغيير ألوانها الباهتة، والتي تقدمها لنا المؤسسات الأوروبية المدعية للإنسانية  من بعض بقاياهم الفائضة والمعلبة، هؤلاء الذين سلبونا الأرض والوطن والهوية والحياة بيد ليقدموا لنا فتاتهم باليد الأخرى، كحال الكثير من الدول اليوم.

في هذه المرحلة من الضياع رسمت شعبنا، وهو في تزاحم لتناول الحليب السائل لأطفالهم. ثم لوحة ثانية عن الازدحام لملء بعض الأوعية من الماء المحمول على سيارة نقل للمخيمات الفلسطينية. رسمت هذين المشهدين بحس ووعي بما يجري.

في تلك المرحلة، وبمحض الصدفة البحتة، وجدت نفسي تلميذة في كلية البنات للمقاصد الإسلامية في بيروت، لأكمل دراستي الثانوية، وكم كانت فرحتي شديدة بهذه الصدفة.

في خريف العام 1951، نظم في بيروت أول معرض للفن التشكيلي تحت عنوان (معرض الخريف الأول) في مبنى اليونسكو، دعي للمشاركة فيه كافة الفنانين اللبنانيين والمقيمين على أرض لبنان. وكم كانت سعادتي كبيرة عندما وافقت لجنة التحكيم على اللوحتين: لوحة الحليب، ولوحة الماء، لأن تعرضا في عذا المعرض. وعليه قدمت لي إدارة المدرسة هدية قيمة عبارة عن علبة ألوان مائية وأوراق للرسم تقديرا لموهبتي، ثم كانت المنحة الدراسية لدراسة الفن في القاهرة.

   كيف أثرت دراستك الأكاديمية في القاهرة على مسيرتك الفنية وتوجهك الفكري في مرحلةٍ كانت فيها القاهرة تقود العمل العربي سياسيا وثقافيا.

في القاهرة ترسخت مفاهيمي للوطن، وانتمائي لهذه الأمة العربية العظيمة ذات الحضارة العريقة، فاشتركت في الكثير الكثير من النشاطات الفنية والثقافية، وخاصة بعد العدوان الثلاثي على مصر وعلى قطاع غزة في العام 1956.

وفي القاهرة تعرفت على إسماعيل شموط، وكان في سنته النهائية، وأنا في السنة الأولى، وتمكنت من المشاركة بمعرضه الذي أقيم في القاهرة عام 1954، والذي افتتحه الرئيس جمال عبد الناصر، وكان هذا المعرض بعنوان (معرض اللاجئ الفلسطيني) يحكي أحداثنا التي مررنا بها كشعب فلسطيني. وكان لهذا المعرض الأهمية الكبرى في ترسيخ أولى خطواتنا لتأكيد الفن وقدرته التعبيرية كوسيلة إبداعية نضالية إنسانية صادقة التجربة والمعاناة.

 

   زرت فلسطين، ومسقط رأسك يافا بعد غياب قسري طويل. صفي لنا مشاعرك، وتأثير هذه الزيارة فنيا في أعمالك.

في العام 1997، أتيحت لنا زيارة الوطن المغتصب فلسطين لأول مرة بعد اقتلاعنا منها، وبعد مرور حوالي خمسين عاما، بتأشيرة دخول من المحتل الإسرائيلي! ذهبت لزيارة بيتي في يافا القديمة، وهو إرث عائلتي المحتل من قبل امرأة صهيونية ألمانية رسامة، تعيش على أثاث منزلنا وتنام على فراشنا وحولت المنزل إلى غاليري ورفضت دخولي حيث أغلقت الباب بوجهي عندما عرفت أنني صاحبة المنزل، واحتبس صوتي وكان صياح داخلي مُزلزل، ولقد رسمت هذا المشهد في إحدى لوحاتي، وأعطيت المرأة المحتلة لمنزلي لونا أزرق غير مألوف للتأكيد على أنها حالة طارئة غير إنسانية وغير منسجمة مع المحيط الطبيعي للمكان، ورسمتُ في اللوحة مفتاح بيتنا الذي أعطاني إياه والدي بحجمه الطبيعي، وما زلت أحتفظ به، وأنقعه بالخل والزيت حتى لا يصدأ، ورسمتُ أحصنة بيضاء رمز الأصالة العربية لإعطاء الأمل بإمكانية النهوض، وعودة الحق إلى أصحابه الحقيقيين الأصلاء. تجولت في يافا، ها هي مدرستي.. وهذه بيارتنا.. ومن هذا الميناء أجبرت على الخروج منها. وكذلك حصل مع إسماعيل زوجي حين زار مدينة اللد ووقف أمام منزله المحتل ولم يتمكن من دخوله. وخرجنا بمشاعر يصعب وصفها.

وقمنا بزيارة باقي فلسطين المحتلة، فكان لهذه الزيارة تأثير عظيم علينا، إذ قمنا على مدى أربع سنوات برسم تسعة عشر لوحة جدارية زيتية إهداءً للشعب الفلسطيني، رسم إسماعيل 11 لوحة، ورسمتُ 8 لوحات، عبرنا فيها عن الحالة الفلسطينية منذ تلك الأيام السعيدة، مرورا بالنكبة والمأساة، وصولا إلى نضال شعبنا المستمر على مدى العقود الخمسة الماضية في سبيل استرداد حقوقه المشروعة. ولقد حرصنا في هذه اللوحات على التعبير بصدق عن تجربتنا في اللجوء والشتات، فرسمتُ البحر الهائج، لأن عائلتي هُجرت عن طريقه، وركز إسماعيل على تهجيرهم عن طريق البر، ورميهم في مخيمات اللجوء والشتات، ورسم في لوحاته الحياة في المخيم بكل تفاصيلها، لأنه عايشها بصدق في مخيم خانيونس في غزة حيث هُجِّر مع أفراد عائلته. وقد أقيم لهذه اللوحات الجدارية معارض في متاحف عديدة باسم (فلسطين .. السيرة والمسيرة)، بدعوات رسمية من عشر عواصم عربية وعالمية مختلفة حتى الآن.

   في الثمانينيات، برزت في أعمالك مفردات التراث الشعبي العربي الفلسطيني بوضوح. ما الرسالة التي أردت إيصالها؟

من المعروف أن أي قوم أقاموا على ذات الأرض عبر آلاف السنين المتواصلة يُكوِّنون لأنفسهم وحدة عادات وتقاليد وأزياء ورقص وغناء وآداب وفنون ونحت وطراز وما إلى ذلك. ولما كانت حضارات الأمم تُقاس بما تتركه شعوبها من آثار وفنون وطراز معيشي بكامل معانيه وأبعاده، فلا بد لهذه الشعوب أن تعيش واقعها التاريخي وتعبر عن حياتها ووقائعها وأحداثها وكل ما يحيط بها ويخصها فيصبح لها التاريخ والحضارة التي تعرف بها. والتراث العربي الفلسطيني تراث غني، والحفاظ عليه مسؤولية جماعية وخاصة من قبل المثقفين والفنانين والمبدعين بما يمثله من هوية جامعة للشعب الفلسطيني الذي تشتت في مختلف بقاع الأرض. لذلك، عمدت إلى استلهام مفردات هذا التراث، لتأكيد هوية التراث الفلسطيني ضمن معالجات بصرية أبرزتُ فيها العناصر المميزة لهذا التراث من خلال إعادة الاشتغال على جمالياته اللونية والتكوينية، بما يتضمنه من المطرّزات والزخارف والبيوت المقبّبة والبلدات القديمة وغيرها من مكونات تراثية عربية ــ فلسطينية.

 

   يقول الشاعر والناقد عز الدين المناصرة، إن أبرز ما في لوحاتك، هي المواءمة بين الحصان كتشكيل وبين تكاوين المدينة الزخرفية التي تحيطه. فما دام الأمل حصانًا هاربًا، فإن المدينة الفلسطينية هي أرضه ومستقرّه… ما دلالة ظهور الحصان في أعمالك، وإلام ترمزين؟

 

 

 لوحة الاقتلاع من يافا تمام الأكحل

يظهر الحصان في أعمالي كرمز دالّ على الأصالة والإرث العربي والهوية الجامعة لأبناء الوطن العربي. والحصان في الآداب والفنون الفلسطينية والعربية رمزٌ متعدد الدلالات يُشار به إلى معاني الفداء والتضحية والوفاء والجمال والقوة والثورة. ولأنني أؤمن بأن التراث العربي تراث واحد، مع وجود خصوصية لكل منطقة تُغني هذا التراث وتضيف إليه، فإنني اتخذت من الحصان رمزا لإبراز الوحدة الجامعة، ولذلك أكرره أكثر من مرة، والموضوع الأساسي فلسطين. فكما في الغناء العربي تتكرر لازمة “يا ليل.. يا عين” في مطلع القدود الحلبية، والمقامات العراقية، والملوف الجزائري، والموشحات .. وغيرها، لتؤكد على وحدة الأمة العربية في إطار تنوعها، أردت للحصان الذي أكرره في لوحاتي أن يكون رمزا آخر من رموز هذه الوحدة.

 

   ما تقييمك للمدارس الحديثة المعاصرة، في ظل رؤيتك للفن والغاية منه؟

أرى أن أسمى الأهداف في الحياة هي تلك التي تتخذ الإنسان محورا لها، فتعمل لرفع الظلم عنه وتحاول تجميل الحياة من حوله، وتفتح آفاق الآمال أمامه. في ضوء ذلك أجد أن التزامي نابع من وعيي على حقيقة وجودنا كأمة ترتبط بالتاريخ والتراث والحضارة، وجذورنا في وطننا العربي أصيلة. ولذلك التزمنا –إسماعيل وأنا- عبر مسيرتنا الفنية بالتعبير عن قضيتنا الفلسطينية، قضية المنطقة بأكملها. وأقول لك هنا، أن إسماعيل طلب أن توضع على قبره في عمَّان عبارة: “أسمى الأهداف لديَّ هو الإنسان”، ولقد نحت العبارة وحفرها على قطعة رخامية، الفنان العراقي محمد غني. وطلبت أن يوضع فوق ضريحي وضريح إسماعيل عبارة: ” هزمَتْكَ يا موتُ .. الفنونُ”.

والفن في رأيي يجب أن يعبر عن روح العصر الذي يعيشه الفنان، سواء أكان الموضوع مستمدا من الحدث البيئي أو التراثي الذي يرجع إلى مئات السنين، أو أن يكون حادثة وقعت منذ ساعات قليلة. المهم أن يكون الفن فنا صادقا نابعا من أحاسيس يملؤها الصدق مستمدا الحدث دون تقليد مفتعل حتى يكون خالدا ولا يندثر. وللفن مقومات وحدود ثابتة لا تتغير ولا يسهل الخروج عنها، وإلا فلماذا في عصرنا الحديث ندرس ونعجب بما تركه أسلافنا من روائع خالده من أعمال الفنانين المبدعين الذين سبقونا بمئات أو آلاف السنين لنتعرف على حضاراتهم وثقافاتهم الخالدة.

لذا، فأنا لست ملزمة أو مجبرة لأن ألهث وراء المدارس الأوروبية الحديثة التي تحول الإنسان إلى بقع لونية إذ ليس بمقدوري الهروب من المؤثرات التي تحيط بي أو إخفاءها من أجل أن أخفي جرائم عدو شرس مغتصب لأرضي وشعبي، كنت وما أزال أريد الصدق في التعبير عما عشته وأعيشه من أحداث يرزح تحتها شعبي الفلسطيني في الشتات وتحت الاحتلال. إذ إن شدة الظلم وقهر النفوس يجعلني أصرخ بأعلى صوتي وبكل شجاعة في مواجهة هذا الظلم والبؤس للإنسان، فأعبر عنه دون استحياء أو تهرب. ولست أرى سببا يجعل من الفنان المعاصر أن يذود عن مشاعره تحت عنوان الحداثة. ولأن قلبي مملوء بحب الإنسان وأكره أعداء الإنسانية والمغتصبين للحقوق الشرعية، فأنا لست مضطرة لتقليد المدارس الحديثة المستوردة، ولا أن أنقل واقعا خارجا عن واقعي، فعند تصويري التعبيري يتم إفراغ ما في مشاعري وأحاسيسي من شحن سابقة متولدة عن انصهار لما حدث ويحدث في حياتي اليومية، فيتم إفراغها على اللوحة، كما لو كانت قطعة من ذاتي وليس جزءا منفصلا عن محيطي وما يدور حولي.

وسام التميز والاستحقاق من السلطة الفلسطينية , 2012 

بيت العائلة في يافا 

عن adminh

شاهد أيضاً

نظير الشمالي … حوار هاله نمَّر

من فوق أسوار هذه المدينة العتيقة على ساحل شاطىء المتوسط شمال غرب البلاد، يمتد البحر أمامك حاضرًا بكل ما يغازلك به من وعودٍ بالآتي، بانتفاء الحدود، بالعودة من أقاصي الأرض، بالفرح وزغاريد النساء الحبْلَى بزهر الحنُّونة والزعتر الجبلى، بأغاني البحَّارة التي سقطت من الذاكرة؛ وللمفارقة التي تثير في الروح شجنًا قديمًا وطازجًا في الوقت نفسه، يتحول هذا البحر الذي ركب أمواجه القاصون والدُناة/الدانون، إلى جدار كالجدار، يصدُّ أحلام التوَّاقين إلى اعتلاء فلائك الصيد القديمة ونشر قلوعها، وهى تشق أزرق لم يجف لاجتلاب الرزق ولآلىء البحر، وطرح شباكها المطويّة التي مازال يغويها البريق والغوص. تذكّرتُ "حليمة" و"محفوظة" وجميع هؤلاء المتناثرين على الضفاف الأخرى للبلاد؛ حيث إنهم مذ اقتلاعهم من المكان لايعرفون عن البحر سوى صدى أمواجه والحكايات؛ فعند انكسار الموج على شواطىء عكا، عند الحد الفاصل بين الأرض المحتلَّة والأفق المُكبَّل، تطال يديك صدفاته المبلّلة الملونة بأطياف المكان وهواجس البشر، وبعض ما قُسِم لك من السمك الذي شاركك الخبز، عند الشاطىء الشرقي للمتوسط، ظهرك لمدينةٍ -وإن هزمت نابليون- ترزح تحت أغلال احتلال يجرِّف الهوية، وعيون تتطلَّع من محاجرها إلى اللانهائي من الاحتمالات، تختلط المشاعر وتتضارب حينًا، وتستكين في أحيان أخري؛ فتظل تتنازع بين الحضور والغياب.