الرئيسية / دراسات ومقالات / صناعات وحرف تقليدية / الفُسيفساء حرفة الفن والجمال
SAMSUNG CAMERA PICTURES

الفُسيفساء حرفة الفن والجمال

حرفة الفن والجمال

في مدينة الفُسيفساء (مأدبا)

لميس البرغوثي

تصوير: هالة حنّا*

 

إنها مدينة مأدبا الواقعة على بعد 33 كم جنوب العاصمة عمّان، والتي تحتضن أقدم خريطة فسيفسائية أصلية للأرض المقدسة تعود إلى العهد البيزنطي سنة 560م في كنيسة الخارطة للروم الأرثوذكس، ويحيط بها جبل نيبو الذي يظهر على قمته بناء أنشأه الرهبان الفرنسيسكان لحماية لوحات الفسيفساء التي تعود إلى القرنين الرابع والسادس للميلاد.

مدينة تاريخية عريقة، لا مجال هنا إلى ذِكر تاريخها الممتد عبر آلاف السنين تفصيلا، غير أن جمالها وتميزها في اكتشاف اللوحات الفسيفسائية فيها قادنا إلى ضرورة الحديث عنها وعن عمليات ترميم وصناعة الفسيفساء فيها بأفواه أبنائها الذين عاصروا عمليات التنقيب عن الفسيفساء وعمليات ترميم اللوحات في بدايات القرن، والذين دعموا هذه الحرفة بتدريب الكوادر المؤهلة لذلك، وُتوَّجت جهودهم بتأسيس معهد الفسيفساء عام  1996 بدعم من الحكومة الإيطالية لتدريب الشباب على هذه الحرفة، وتأهيلهم لسوق العمل. وهو – أي المعهد- الأول من نوعه في المنطقة العربية، ويتخرّج فيه سنويا حوالي 70 طالبا.

كان لنا أكثر من لقاء مع عدد من الأشخاص حتى تكتمل صورة الصناعة الجميلة كما رأيناها على أرض الواقع في مدينة تضم كنوزا حقيقية للوحات فسيفسائية. وليصبح كل من يمارس دوره في الحفاظ عليها وتعلّم صناعتها كنزا بشريا حيّا يصون كنوزا مادية تحتضنها مدينة بأكملها.

بداية الحكاية

لكل إنسان حكاية، ولكل مكان حكاية، ولكل زمان حكاية.

يفَنى الإنسان، ويمرُّ الزمان، ويزول المكان.

               وتبقى الحكاية…

بهذه الكلمات بدأ السيد سامر الطّوال، مدير عام متحف حكاية التراثي في جبل نيبو حديثه معنا، ليروي لنا جزءا من حكاية الفسيفساء في المدينة، فيقول: يرجع تاريخ مأدبا إلى العصر الحديدي حوالي 1200 سنة قبل الميلاد. وهي مدينة قديمة ذكرت في التوراة والإنجيل بإسم (ميدبا) وسكنها المؤابيون وذكرت على المسلة المؤابية التي أقامها الملك المؤابي (ميشع) عام 850 ق.م والمعروفة باسم مسلة ميشع، كما سكنها العموريون والعمونيون واستقر بها الأنباط ثم احتلها الرومان. وقد بلغت فيها صناعة الفسيفساء أوجها في القرنين الرابع والسادس للميلاد. وتضم المدينة آثارا عديدة من أهمها: كنيسة الخارطة وكنيسة الرُّسُل وكنيسة العذراء، ويُعدّ موقع أم الرَّصاص من أهم المواقع الأثرية في المدينة، وفيه برج بيزنطي ارتفاعه 15 مترا. كما أن موقع صياغة الأثري الذي يقع شمال جبل نيبو يضم معالم الآثار الرئيسة للكنيسة. وحسب الكتابات التي وجدت على أقدم قطعة فسيفسائية وجدت في الأردن، فإن قلعة (مكاور) المشهورة والتي تقع إلى الجنوب الغربي من مدينة مأدبا قد بنيت في القرن الأول قبل الميلاد على يد القائد الإسكندري (جانيوس). وتعود أهمية القلعة الدينية للاعتقاد بأنها المكان الذي سجن فيه النبي يحيى (يوحنا المعمدان) الذي عمّد السيد المسيح –عليه السلام- في موقع المغْطَس، ثم قطع رأسه القائد الروماني (هيرودوس)، وإن بقايا آثار القلعة من أسوار وأدراج وقنوات وأعمدة وحجارة كبيرة تدل على عظمتها.

وعن علاقته بالكنوز الفسيفسائية الموجودة في المدينة، يضيف محدثنا: إن مدينة مأدبا الحديثة كما تذكر المصادر التاريخية تأسست عام 1880م على يد عشيرة العزيزات التي أنتمي إليها والتي نزحت من الكرك (جنوب الأردن) إلى مأدبا. وقد تربيتُ في بيت جدِّي الذي تحوّل إلى (متحف مأدبا)، والمنزل مقام على بناء قديم تحوي أرضياته قطعا فسيفسائية قديمة في غاية الروعة. فكانت أرضيات المطبخ والصالة والمجلس مغطاة بالفسيفساء، وكنا – للأسف – ونحن صغار نعبث بهذه القطع ولا ندرك حقيقة أهميتها التاريخية وأن عمرها يصل إلى 1700 سنة، وقد أدركنا هذه الأهمية لاحقا والفضل في ذلك يعود إلى الأب (ميشيل بيشيرللو) MICHELE PICCIRILLO وهو إيطالي الجنسية عاش ثلاثين عاما في جبل نيبو واكتشف الفسيفساء في مدينة مأدبا وأرّخ لها وأشهرها عالميا من خلال محاضراته عنها التي كان يلقيها في المؤتمرات العلمية. وكُل أهالي مأدبا تعلّموا سرّ الصنعة منه. وكان يتكلم سبع لغات ويُتقن العربية ويتحدثها بطلاقة.ورمّم جميع القطع الفسيفسائية في مأدبا ورمم كنيسة البتراء (جنوب الأردن) وعمل على اللوحات الفسيفسائية في جرش، هذا إضافة إلى ترميمه للفسيفساء في القدس وسوريا. فكان يعد مرجعا هاما في منطقة بلاد الشام.

مرحلة الاكتشاف والترميم

وهنا، كان لا بد لنا أن نسأل عن تلاميذ الأب ميشيل وأن نبحث عن مريديه ومرافقيه لتكتمل جوانب من قصة الفسيفساء كما يرويها أبناء المدينة …

التقينا مع مرافقه لمدة تزيد عن 35 عاما، لازمه منذ عام 1976 وكان في سن الرابعة عشرة وحتى وفاة الأب ميشيل قبل أربع سنوات. شهد معه معظم عمليات البحث عن الفسيفساء وترميم اللوحات المكتشفة في مأدبا بشكل عام وفي موقع أم الرّصاص الهام بشكل خاص… التقينا في مأدبا مع السيد عوده صالح فليح الوخيان، أبو محمد (55 عاما) والذي كان يحمل بيده كتابا باللغة الانجليزية عن جبل نيبو لمؤلفه الأب ميشيل. قلّب صفحاته أمامنا وأشار في ابتسامة ممزوجة بالحنين إلى صورة يعتزّ بها يظهر فيها شابا يافعا في مقتبل عمره مع الأب ميشيل وعدد من الآثاريين أثناء عملهم في ترميم الفسيفساء في جبل نيبو في سبعينيات القرن الماضي. ثم يشير إلى صورة في الصفحات الأولى للكتاب لرجل بلباس بدوي يمتشق بندقية وخلفه تبدو مسلّة ميشع، ويقول: إنها صورة والدي الحاج صالح الوخيان الذي عاصر بداية الحفريات التي تمت في جبل نيبو عام 1933 حيث اشترى الآباء الفرنسيسكان الأرض من والدي، ولا يزال بيتنا موجودا في جبل نيبو ويقع على الباب الرئيس لمدخل الدير.

علاقتي مع فسيفساء مأدبا بدأت منذ زمن بعيد، وفرحتنا في اكتشاف موقع أثري يحتوي على لوحات فسيفسائية كانت لا توصف خاصة بعد فترة عمل طويلة وشاقة قد تستمر لأشهر عدة حيث نبدأ العمل في الموقع في السادسة صباحا. وأهم موقع شهدت اكتشافه كان في أم الرصاص، وكان الاكتشاف عبارة عن لوحة طولها 9 أمتار في 5 أمتار. وأذكر أنه قبل أن يتم اكتشاف اللوحة ب 15 يوما ذكر الأب (ميشيل) أن التنقيب في هذا الموقع سيؤدي إلى اكتشاف لوحة فسيفسائية، وبالفعل هذا ما كان. وهنا، أشار محدثنا – للتوضيح – إلى صورة لوحة مثبتة في الكتاب في غاية الجمال، وذكر أنها كانت مغطاة بلوحة فسيفسائية موضوعة فوقها لحمايتها من العبث فيها، وخاصة الوجوه حتى لا يتم اعتبارها تصويرا لآلهة تُعبد، فيتم بالتالي تحطيمها.

راودتنا أثناء حديث (أبو محمد) تساؤلات داخلية، قد تثير دافعيةَ لدى المهتمين في علم الاجتماع للكتابة عنها تفصيلا… إلى أي مدى تنعكس طبيعة المدن العريقة على طبيعة أبنائها؟ وهل تمنح المدن ملامحها لأبنائها وينعكس ذلك على سلوكياتهم  ونظرتهم إلى الحياة ودورهم فيها؟ وإذا كانت الجغرافيا تلعب دورا كبيرا في تشكيل طبيعة المدينة ومزاج أهلها، فما دور التاريخ وآثاره في تشكيل طبيعة العلاقات الاجتماعية بين أفراد المجتمع؟

العلاقة بين الأب (ميشيل) والسيد عوده (أبو محمد) التي وصلت إلى درجة من الرقي الإنساني دفعت السيد (أبو محمد) وعشيرته وغيرها من العشائرالأردنية في محافظة مأدبا إلى فتح بيوت العزاء عند وفاته وإحضار جثمانه من إيطاليا ليتم دفنه في جبل نيبو كما أوصى بذلك. هذا التنوع والتناغم والانسجام بين أهالي المدينة، والذي يلمسه الزائر للمدينة بوضوح في رؤيته للكنائس والمساجد والآثار التي تروي حكاية أزمنة متعددة، هو انعكاس لطبيعة المدينة التي تشكل لوحة فسيفسائية جميلة ذات ألوان زاهية بقطعِ حجارة متناغمة ومتجانسة، يتنوع سكانها من حضر وبدو وأبناء مخيم وأجانب ومسلمين ومسيحيين.

 

في صحبة الجيل الجديد

عفاف ضيف الله (28 سنة) واحدة من عشرات الفتيات اللواتي تعلّمن هذه الحرفة وبَرَعْنَ فيها. أشارت إلى لوحة فسيفسائية معلقة على الجدار بمقاس كبير وقالت – باعتزاز- : أنجزتُ هذه اللوحة على مدى قرابة ثلاثة أشهر من العمل المتواصل مستعينةً بالرسوم التي تمّ العثور عليها في اللوحات الفسيفسائية الأصلية المكتشفة. لقد تعلّمت هذه الحرفة وأحببتها وما زلت أعتبر نفسي في بدايات الطريق، وأسعى إلى تطوير مهاراتي الفنية باستمرار لتشكيل لوحات جديدة بتصاميم جميلة.

وعن تفاصيل عملها، قالت: هذه الحرفة تتطلب دقة متناهية، ومثابرة وصبرا في تركيب قطع الحجر الصغيرة والتي قد يصل حجم بعضها إلى 2 ملليمتر فقط، وكلما كان حجم الحجر المستخدم صغيرا كلما ارتفع سعر اللوحة، وكلما زادت فترة العمل عليها.

وتمرعملية تصنيع اللوحة الفسيفسائية بعدة مراحل: تبدأ بتحضير قطعة من الخشب نُثبّت عليها قطعة من القماش الأبيض، ونقوم برسم أو طباعة الشكل المطلوب على القماش، ثم نقطع الأحجار إلى قطع صغيرة جدا بواسطة القطَّاعة اليدوية. وهذه الأحجار تكون طبيعية وبألوان مختلفة ويتم جلبها من مناطق مختلفة من الأردن أشهرها حجارة معان، كما نستخدم حجر كرارة الإيطالي والجرانيت والبازلت والرخام أيضا. ونقوم بتثبيت الحجر بواسطة الغِراء المؤقت المصنوع من الطحين والماء، ثم نحضر إطارا من الخشب أو الحديد يكون مناسبا لحجم اللوحة ونضع فيه اسمنتا أبيض ورملا وغراءً أبيض وماءً، ثم نقلب اللوحة على الإطار الخشبي ونضع ماءً ساخنا على قطعة القماش لتسهيل نزعها، وتُترك أربعة أيام إلى أن تجفّ.

 

حكاية متحف الحكاية

مشاغلٌ للفسيفساء والصدف والأرابيسك، متحفٌ يروي حكايات التاريخ وتفاصيل حياة الناس، مطعمٌ يُطِلُّ على الجبال والوديان والأماكن المقدسة، منتوجاتٌ فسيفسائية متنوعة من لوحات وأثاث منزلي وهدايا تذكارية، أيدي عاملة شابة تمارس حرفتها بدقة وإتقان، قاعةٌ تضم أكبر لوحة فسيفسائية حديثة في العالم يُتوقّع تسجيلها في موسوعة (غينتس) للأرقام القياسية … كلها أماكن يضمها المجمّع التراثي (حكاية) بإدارة السيد سامر الطوال، والذي تم افتتاحه بتاريخ 20/3/2013.

وحول حكاية المتحف والمجمع التراثي، كانت لنا جولة فيه، وحديثٌ مع السيد سامر الطوال الذي بدأه بقوله: خلال فترة عملي على مدى عشرين عاما في القطاع السياحي كدليل سياحي للوفود الإيطالية بشكل خاص، كانت أسئلة السائحين بشكل أساس تنصبّ حول تاريخ الأردن وحضارته وتراثه… انبثقت لدي الفكرة بأهمية تأسيس متحف يحكي بالحركة والصوت والصورة حكايتنا كشعب فوق تراب هذا الوطن. ومن هنا، جاءت تسميته بمتحف حكاية التراثي الذي يعكس جوانب من تاريخ الأردن اجتماعيا واقتصاديا حيث يحتوي المتحف على قسم خاص بحياة البادية وعرض للملابس الشعبية، وقسم آخر للنشاط الاقتصادي والمهن الحرفية كالنجارة والحدادة والحلاقة والخبازة، وغيرها … والأدوات المستخدمة فيها. كما يضم المتحف مجسمات تطابق الأصل لبعض الأماكن الدينية الهامة مثل المسجد الحرام والمسجد النبوي ومسجد قبة الصخرة، وفيه تجسيد لجوانب من حياة السيد المسيح عليه السلام كتعميده في نهر الأردن والعشاء الأخير. فهو متحف متنوع وحيوي وشامل حقق خلال فترة قصيرة سمعة محلية وعربية وعالمية جيدة، حيث بلغ عدد زواره خلال عامين165,000  ألف زائر منهم 120,000 ألف من الأردنيين و45,000 ألف من السائحين العرب والأجانب.

وعن فكرة المجمع التراثي ودوره في دعم حرفة صناعة الفسيفساء، يُضيف محدثنا: لقد نجحنا في الأردن بشكل عام ومنذ عام 1996 تحديدا في الإنتاج بشكل تجاري للّوحات والقطع الفسيفسائية، حيث تمّ من خلال مدرسة الفسيفساء في مأدبا رفد السوق المحلي بالكوادر الشابة المؤهلة علميا لممارسة هذه الحرفة، وأدخلناها في العديد من الصناعات، مثل: صناعة الأثاث والأدوات المنزلية، والهدايا التّذكارية، والديكور الداخلي للمنازل والفنادق وأحواض السباحة وغيرها. ورسالتنا في المجمع التراثي هي دعم هذه الحرفة لسببين، أولهما: الحفاظ على هذا الإرث الحضاري الهام المتمثل في الكنوز الفسيفسائية في مأدبا وغيرها من المدن الأردنية. وثانيهما: تعليم هذه الحرفة للأجيال الشابة لتحقيق مصدر دخل جيد لهم. ولذلك، فإن مشاغل المجمع تضم عددا كبيرا من الشباب العاملين في الفسيفساء، ويتم عرض منتوجاتهم للبيع في قاعات العرض، أو للتصدير إلى الخارج وخاصة إلى إيطاليا وروسيا وقد حققنا نجاحا ملحوظا في هذا المجال حتى أننا قمنا بتصدير أرضية فسيفسائية دائرية قُطرها سبعة أمتار إلى كنيسة في نيويورك بناء على طلبها نتيجة لإعجابهم بمنتوجوتنا. ولتعزيز هذه الحرفة لدى عامة الناس، أنجزنا خلال عامين من العمل المتواصل لوحة فسيفسائية بعنوان الطريق الملوكي، وهي عبارة عن خمسة أجزاء يبلغ طولها 30 مترا وارتفاعها 6 أمتار، وشارك في وضع الحجارة (القطع الصغيرة) أكثر من 110,000 آلاف شخص، وكل شخص وضع حجرا كتب اسمه عليه. ومن المتوقع – كما ذكر- أن تدخل هذه اللوحة موسوعة (غينس) للأرقام القياسية كأكبر لوحة فسيفسائية حديثة.

 وأخيرا، انقضى زمن جولتَيْنا في مأدبا سريعا، ولمْلمنا في ساعات قليلة بعض جوانب حكاية الفسيفساء في المدينة، وعُدنا ونحن على يقينٍ بأن لكل لوحة حكاية، ولكل حكاية تاريخ.

عن adminh