الرئيسية / قصص للصغار / القنديل الصغير … غسان كنفاني

القنديل الصغير … غسان كنفاني

قصة: القنديل الصغير

وقصة: ورقةٌ من الرَّمْلة 

الكاتب الشَّهيد:غسان كنفاني

 

وُلد غسان كنفاني في مدينة عكا في فلسطين سنة 1936م، وبعد أن سقطت المدينة عام 1948م، نزح هو إلى سوريا حيث أكمل دراسته في جامعة دمشق وحصل على شهادة البكالوريوس من كلية الآداب، عمل في مدارس الأنروا في دمشق ثم انتقل للعمل في الكويت مدرسا.. بعد ذلك رجع إلى بيروت وأقام فيها، وعمل في الكثير من المجلات الصحفية إلى أن أصبح رئيس تحرير جريدة المحرر، وكان هو المؤسس لصحيفة “الهدف” الذي عمل رئيسا لها حتى تاريخ استشهاده عام 1972م على يد المخابرات الإسرائيلية، حيث وضعوا له لُغما في سيارته، لأنه شكل خطراً على المحتل عبر كتاباته وفكره.

كان غسان كنفاني مؤمناً بنضال الشعب الفلسطيني وحقه في الأرض، واعتبر العمل الصحفي والأدبي سلاحا للدفاع عن الحقوق واسترجاعها، فركز في أدبه على معاناة الشعب الفلسطيني وكانت معظم قصصه عبارة عن قصص مستوحاة من الواقع.

اهتم بالأطفال في كتاباته، حيث كتب الكثير من القصص القصيرة التي تهتم بالأطفال، لإيمانه بأن الأطفال هم مستقبلنا.

 

 

           قصة: القنديل الصغير

صَحَتِ المدينةُ ذات صباحٍ على خبر أليم مُحزن: لقد مات الملكُ الطيِّب العجوز الذي حكم طوال عُمره بالعدل وأحبَّه كافةُ الناس… وقد حزن الجميع أكثر لأن الملك لم يكن قد ترك سوى ابنةٍ صغيرةٍ ليس بوسعها أن تحكُمَ…

 

ولكنَّ الملك كان قد ترك أيضاً وصيةً لابنته الصغيرة قال فيها شيئاً قليلاً جداً… قالَ: “كي تُصبحي ملكةً يجب أن تحملي الشمس إلى القصر”.

وقال الملكُ في وصيته القصيرة أيضا: “وإذا لم تستطيعي حَمْل الشمس إلى القصر فإنك ستقضين حياتَكِ في صُندوق خشبي مُغلق عقاباً لك”، وبعد أن قرأتِ الأميرة الصغيرة الوصية استدعَتْ حكيمَ القصر وأخبرتهُ أن أباها قد كلّفها بمَهَمَّة عسيرة وأنَّها لا تريدُ أن تكون ملكة أبداً..إلا أنّ الحكيم العجوز قال لها: إن قوانين المملكة المكتوبة منذُ زمن بعيد تُحرِّمُ على الأمير أو الأميرة أن يرفضا الحُكْم وقال الحكيمُ العجوزُ: “إن ابنةَ الملك لا تستطيع إلا أن تكون أميرة.. وقد عاشتْ مملكتُنا بسعادة دائمة لأن كلَّ واحدٍ فيها يعرفُ واجبهُ ولا يهربُ منه، وقد كان والدُك الملكُ حكيماً حين قالَ لكِ إن عَليك إحضار الشمس إلى القصر أو العيشَ في صُندوق”. وفي صباح اليوم التالي قررت الأميرة أن تتسلَّق الجبل العالي الذي تمرُّ من جانبه الشمسُ في كلِّ يومٍ، وقد سألت الأميرة الحكيمَ عن رأيه في خُطَّتها فقال لها الحكيمُ: “أيتها الأميرةُ الصغيرة يجب أن تُحضري الشمس دون مساعدة أحد”. وهكذا بدأت الأميرة تتسلقُ الجبل العالي…

 

ولكن الأميرة حين وصلت إلى قمة الجبل اكتشفت أن الشمس ما تزالُ بعيدةً وأنه لا يُمكنُ لإنسانٍ أن يُمسكَ الشَّمس.. فعادت إلى القصر حزينةً وأغلقت غرفتها بالمفتاحِ وأخذت تبكي. وبعد يومين شاهدت الأميرةُ الحزينةُ ورقةً صغيرةً تحت باب غرفتها فركضت وأخذت تقرؤُها.. كان فيها جُملة صغيرة هي: “لن تستطيعي أن تجدي الشمس في غرفةٍ مغلقة”. واحتارت الأميرة لأنها لم تعرف صاحب الخطِّ الذي كتب تلك الجملة الصغيرة ولكنَّها قررت أن تُواصل بحثها عن الشمس ولو اضطُرَّتْ لتسلُّقِ الجبل كلَّ يومٍ.. وفي الوقت نفسه علّقت الأميرةُ على جدران القصر الخارجية بياناً قالت فيه إنَّ أيَّ رجلٍ يستطيعُ أن يُساعدها في حَمْلِ الشمس إلى القصر سينالُ مكافأةً من المجوهرات…

وفي أيام قليلة عرف كلُ الناس أنّ الأميرة الصغيرة تريدُ حَمْلَ الشمس إلى القصر، ولكنّ أحداً لم يَسْتطع أن يُساعدها، وقرر بعضُ الناس أنّ الأميرة مجنونةٌ لأنها تطمعُ في شيء مستحيل، وقرَّر آخرون أنّها أميرةٌ حكيمةٌ لأنّها تريد أن تُحقِّق شيئاً “مستحيلاً” ولكنّ الجميع عجزوا عن مساعدتها.. وفي صباح اليوم التالي جاء الحكيمُ العجوزُ إلى الأميرة وقال لها إنَّ الفرصةَ التي أُعطيت لها تُوشكُ أن تنتهي، شرح العجوز ذلك فقال: “إنَّ أباك الملك كان قد أوصاني قبل وفاته أن أُشْعل شمعةً كبيرة مباشرةً بعد وفاته، فإذا ذابت قبل أن تهتدي إلى الشمس فإن عقابَك يصيرُ واجباً..”

وحين خرج الحكيمُ من الغرفة حزنت الأميرةُ حزناً شديداً وعرفت أنه لن يتيسّر لها أبداً أن تصير ملكةً، وأخذت تتخيَّلُ نفسها في الملابس الملكية التي لن تستطيع أن تلبسها أبداً… وبينما هي غارقةٌ في حُزنها كان رجلٌ عجوزٌ جداً يحاول أن يَدخُل إلى القصر، ولكنَّ الحُرّاس كانوا يمنعونه من الدُّخول ويحاولون طرده بشتّى الوسائل، إلا أنّ العجوز كان عنيداً…

وشهدت الأميرةُ من شباك غرفتها ذلك المنظر، ثم سمعت صوت العجوز يصيحُ بالحرس: “أُريدُ أن أدخل لأُساعد الأميرة” وسمعت صوت الحَرَس: “هل تستطيعُ أن تساعدها أنت أيُّها العجوز الهرِمُ؟!” وعادت تسمع صوت العجوز وهو يصيحُ: “حسناً.. قولوا لها إنه إذا لم يكن بوسع إنسانٍ عجوز أن يدخل إلى قصرها فكيف تطمعُ أن تُدخل الشمس إليه؟! وفي تلك اللحظة أدار العجوز ظهره ومضى، وحاولت الأميرة أن تُناديه إلاّ أنّه كان قد اختفى في الزّقاق المجاور، وحين طلبت من الحرس أن يبحثوا عنه كان العجوز قد صار بعيداً… عادت الأميرةُ إلى غرفتها حزينةً يائسةً، وأخذت تفكر فيما قاله العجوزُ للحرّاس، إلاّ أنها لم تستطع أن تعرف ما الذي قصده.. وفجأة قررت أن تستدعي قائد الحرس.

كان قائدُ الحرس رجلاً قوياً خدم في القصر أكثر من عشر سنوات، وحين دخل إلى الغرفة سألته عن الرجل العجوز الذي طرده الحرّاسُ، وهل جاء إلى القصر قبل ذلك؟ فقال قائدُ الحرس: إنّ الرجل العجوز يأتي كلّ مساءٍ، إلا أن الحراس يمنعونه من الدخول لأنهم يعتقدون أنه رجلٌ مجنونٌ..

 

قالت الأميرةُ: “صِفْهُ لي” فقال القائد: “إنه رجلٌ فقيرٌ يحملُ قنديلاً صغيراً دائماً…” قالت الأميرة: “إذا جاء الرجلُ العجوزُ غداً.. فاسمحوا له أن يدخل” إلا أن الرجل العجوز لم يأتِ في اليوم التالي وعادت الأميرة إلى حزنها ويأسها..

وبينما كانت الأميرة في غرفتها تبكي شاهدت ورقة أخرى تحت الباب، فركضت إليها وفتحتها وقرأت فيها: “الوقتُ ضيّقٌ.. الشمعةُ الكبيرةُ على وشكِ أن تذوب، إن البكاء والحزنَ لا يحلاّن المشاكل”.. أحسّت الأميرةُ الصغيرةُ بأنها يجب أن تفعل شيئاً وإلا قَضَتْ حياتها في صندوق مغلق، وفجأةً استدعت قائد الحرس وقالت له: “أريدُ أن تُحضروا إلى القصر كلّ رجلٍ في المملكة يحمل قنديلاً صغيراً..” فقال قائد الحرس متعجباً: “كل ذلك من أجل العجوز المجنون؟!” فقالت الأميرةُ: ” يجب أن أُجرِّب ذلك العجوز فقد يكون الحلُّ عنده” وفي الصباح الباكر وزّع قائدُ الحرس كلَّ الحراس في جميع أرجاء المملكة وأمرهم أن ينتظروا حتى المساء، فإذا حلّ الظلام فإنّ عليهم أن يُلقوا القبض على كل رجلٍ يحملُ فانوساً صغيراً وأن يرسلوه فوراً إلى القصر..

وعند المساء جلست الأميرة أمام النافذة تنظر إلى الشارع، وتنتظر قدوم الرجال الذين يحملون القناديل الصغيرة.. وفجأة شاهدت الأميرة منظراً عجيباً، ففي الأُفق المظلم البعيد كان آلافُ الرجال يحملون القناديل ويتقدمون نحو القصر من كافة النواحي.. وبعد قليل وصل الجميع إلى أبواب القصر التي كانت صغيرة ً ومغلقةً، وازدحموا أمامها، وفي كل لحظة كان الرجال حَمَلةُ القناديل يتكاثرون دون أن يستطيعوا الدخول بسبب الأبواب الصغيرة، فطلبت الأميرة من الخدم أن يهدموا الأسوار العالية، وأن يُوسِّعوا الأبواب كي يتيسَّرَ للجميع الدخول إلى باحة القصر..

ونزلت الأميرة من غرفتها إلى باحة القصر وإلى جانبها قائدُ الحرس ليدلّها على الرجل العجوز، وحين وصلت إلى الباحة كان الضوء يتوهّج كأنه الشمسُ لكثرة الرجال والقناديل، وقال قائدُ الحرس: “أيّتها الأميرةُ، لن أستطيع أن أتعرف على العجوز لأن الوجوه جميعها هنا تتشابه…”

وكانت الأميرة لا تستطيع أن تفتح عينيها جيداً لكثرة الضوء. وقالت لقائد الحرس: “لم أكن أتصور أنه يوجد في مملكتي كل هذه القناديل” فقال قائد الحرس: “إنهم يخافون من اللصوص” إلا أن الحكيم العجوز قال: “كلاّ.. حين يحل الظلام يحمل كلّ رجلٍ قنديله الصغير ليتعرف على طريقه..” ونظر الحكيم العجوز إلى الأميرة وقال: هل تستطيعين أن تحملي كل هذه القناديل دفعةً واحدة” قالت الأميرة: “طبعاً، لا” فقال الحكيم: “وكذلك الشمس… إنها أكبر من أن يُمسكها رجلٌ واحدٌ أو امرأة واحدةٌ..” قالت الأميرة: “لقد فهمت كلّ شيء الآن.. إنّ القناديل الصغيرة مجتمعةً هي الشمسُ التي قصدها والدي”.

فقال الحكيمُ: “نعم، ولكن انظري إلى هناك” وأشارَ إلى النافذة، كانت الشمسُ قد بدأت تُشرق وتدخل أشعّتُها إلى القصر، وصاحت الأميرة “شيءٌ عجيبٌ، هذا يحدث لأول مرة” .

فقال الحكيم: “نعم هذا يحدثُ لأول مرة لأنك هدمت الأسوار والأبواب.. هل نسيت؟ لقد كانت تلك الأسوارُ هي التي تحجُبُ أشعة الشمس وتمنعها من دخول القصر..”

وبعد لحظة ألبسها الحكيم التاج المزنّرَ بالجواهر وقال لها: “أصبحت ملكة لأنك نفّذت وصيّة والدك واستطعت أن تحملي الشمس إلى القصر.

 

             قصة: ورقة من الرملة

أوقفونا صَفَّيْن على طرفيْ الشارع الذي يصل الرَّمْلة بالقدس، وطلبوا منَّا أن نرفعَ أيدينا مُتَصالبةً في الهواء، وعندما لاحظ أحدُ الجنودِ اليهود أنَّ أمِّي تحرصُ على وضعي أمامها كي اتَّقِي بِظِلِّها شمسَ تمُّوز، سحبني من يدي بعنفٍ شديدٍ، وطلب مِنِّي أن أقفَ عل ساقٍ واحدةٍ، وأن أُصالب ذراعي فوق رأسي في منتصفِ الشارعِ المُتْرَب . .

كنتُ في التاسعةِ من عمري يَوْمَذاك، ولقد شهدتُ قبلَ أربعِ ساعاتٍ فقط كيف دخل اليهود إلى الرَّمْلة، وكنت أرى وأنا واقفٌ هناك في منتصفِ الشارعِ الرَّمادي كيف كان اليهودُ يُفتِّشون عن حُلِيِّ العجائزِ والصبايا، ويَنْتِزعونَها مِنْهُنَّ بعنفٍ وشراسةٍ، وكان ثمَّة مُجنَّداتٍ سَمْراواتٍ يَقُمْنَ بنفسِ العمليَّة، ولكن في حماسٍ أشد. وكنتُ أرى أيضا كيف كانت أمي تنظرُ باتجاهي وهي تبكي بصمت، وتمنيتُ لَحْظَتذاك لو أستطيعُ أن أقولَ لها إنَّنى على ما يُرام، وأن الشمسَ لا تُؤثِّر فِيَّ بالشكل الذي تتصوره هي.. .

كنتُ أنا من تَبَقَّى لها، فأبي قد مات قبل بَدْءِ الحوادث بسنةٍ كاملةٍ، وأخي الكبير أخذوه أول ما دخلوا الرَّمْلة، لم أكنْ أعرفُ بالضَّبط ماذا كنتُ أعْنِي بالنسبة لأمَّي، لكنَّني الآن لا أستطيعُ أنْ أتصَّورَ كيف كانتْ الأمورُ سَتَجْري لوْ أني لم أكن عندها ساعة وصلت دمشق، لأبيعَ لها جرائد الصباحِ وأنا أنادي وأرتجفُ قربَ مواقفِ الباصاتِ…

لقد بدأتْ الشمسُ تُذيب صمودَ النِّساءِ والشُّيوخ، وارتفعتْ من هنا وهناك بعضُ الاحتجاجاتِ اليائسةِ البائسةِ، كنتُ أرى بعضَ الوجوهِ التي اعْتَدْتُ أنْ أراها في شوارعِ الرَّمْلة الضَّيِّقة وتبعثُ فيَّ الآن شعوراً دقيقاً من الأسَى، لكنَّني أبدا لنَ أستطيعَ تفسير ذلك الشعورِ العجيبِ الذي تملَّكني ساعةَ رأيتُ مُجنَّدة يهودية تعبثٌ ضاحكةً بلحيةِ عمِّي أبي عثمان .

وعمِّي أبو عثمان ليس عمِّي بالضَّبط ، ولكنه حلاَّقُ الرَّمْلة وطبيبها المتواضع، ولقد تعوَّدنا على أن نُحبَّه منذُ وَعَيْناه وأنْ نُناديه بعمِّي احتراماً وتقديراً، كان واقفاً يضمُّ إلى جنبهِ ابنتِه الأخيرةِ، فاطمة. صغيرةٌ سمراءُ تنظرُ بعينيْها السوداوتيْن الواسعتيْن إلى اليهوديةِ السمراءِ…

–  ابنتك ؟ !

هزَّ أبو عثمانَ رأسَهُ بقلقٍ، ولكنَّ عينيْه كانتا تلتمعانِ بِتَكَهُّنٍ قاتمٍ عجيبٍ، وببساطةٍ شديدةٍ رفعتْ اليهوديةً مدفعَها الصغيرَ، وصَوَّبَتْهُ إلى رأسِ فاطمةَ الصغيرة السمراء ذات العيون السوداء المُتَعجَّبة دائما.. .

في تلكّ اللَّحظةِ، وصَلَ أحدُ الحرُّاسِ اليهودِ في تِجواله أمامي، ولفَتَ نظرهُ الموقفَ، فوقفَ حاجباً عنِّي المنظرَ، ولكنَّني سمعتُ صوتَ ثلاث طلقاتٍ متقطعةٍ دقيقةٍ، ثمَّ تيسَّر لي أنْ أرى وجهَ أبي عثمانَ يَتَمَوَّجُ بأسىً مريعٍ، ونظرتُ إلى فاطمةَ، مُدَلَّى رأسها إلى الأمام، ونُقاط من الدم تتلاحقُ هابطةً خلالَ شعْرِها الأسودِ إلى الأرضِ البُنِّيةِ السَّاخنة .

وبعد هُنَيْهَةٍ، مرَّ أبو عثمانَ من جانبي حاملاً على ساعدَيْهِ الهَرِمَتَيْنِ جُثَّةَ فاطمةَ الصغيرةَ السمراءَ.  كانَ صامتاً جامداً ينظرُ أمامَه بهدوءٍ رهيبٍ، وما لبِثَ أنْ مَرَّ بي غيرَ ناظرٍ إليَّ البتَّة،  وراقبتُ ظهرَه المُنْحَني وهو يسيرُ بهدوءٍ بينَ الصَّفَّيْنِ إلى أوَّلِ مُنْعَطَفٍ، وعُدْتُ أنظرُ إلى زوجتِهِ جالسةً على الأرضِ ورأسِها بين كفَّيْها تبكي بأنينٍ مُتَقَطَّعٍ حزين]، وتوجَّه جنديٌّ يهوديٌّ نحوَها، وأشارَ لها أن تقفَ… ولكنَّ العجوزَ لمْ تقِفْ، كانتْ يائسةً إلى آخرِ حدودِ اليأسِ.
هذه المرة، استطعتُ أن أرى بوضوحٍ كلَّ ما حدثَ، ورأيتُ بعيْنَيَّ كيف رَفَسَها الجنديًّ بقدمِهِ، وكيف سقطتْ العجوزُ على ظَهْرِها وَوَجْهُها ينزفُ دماً، ثم رأيتُه بوضوحٍ كبيرٍ يضَعُ فُوَّهَةَ بندقيته في صدرها ويُطْلقُ رصاصةً واحدةً ..

في اللَّحْظةِ التَّاليةِ، توجَّهَ الجنديًّ ذاته نحوي، وبهدوءٍ شديدٍ طلبَ مِنِّي أنْ أرفعَ ساقَي التي أنزلتُها على الأرض دون أنْ أشعرَ، وعندما رفعتُ ساقي راضخاً، صفعَني مرَّتيْن، ومسح ما علقَ على ظاهرِ يدِهِ مِنْ دَمِ فَمي، بِقميصي. وشعرتُ بِإعْياءٍ مُدمِّرٍ لكنَّني نظرتُ إلى أمِّي هناك بينَ النِّساءِ، رافعةً ذراعيْها في الهواءِ. كانتْ تبكي بصمتٍ، ولكنَّها في تلكَ اللَّحظةِ ضحكتْ من خلالِ بكائِها ضحكةً صغيرةً دامعةً، وشعرتُ بِساقي تلتَوي تحتَ ثِقَلي، وبألمٍ فظيعٍ يكادُ يقطعُ فخْذي، لكنَّني ضحكتُ أيضًا، وتمنَّيتُ مرةً أخرى لوْ أنَّني أستطيعُ أنْ أركضَ إلى أمِّي، فأقولُ لها إنَّني لمْ أتألمْ كثيراً من الصَّفْعَتَيْن، وإنَّني على ما يُرام، وَأَرجوها باكياً أنْ لا تَبْكي، وأن تتصرَّفَ كما تصرَّفَ أبو عثمان قبلَ هُنَيْهَةٍ .

وقطعَ أفكاري مرورَ أبى عثمان مِنْ أمامي عائداً إلى مكانِهِ بعدَ أنْ دفنَ فاطمةَ، وعندما حاذاني، غيْرَ ناظرٍ إليَّ البَتَّة، تذكرتُ أنَّهم قتلوا زوجتَهُ، وأنَّ عليْهِ أنْ يُواجِهَ مُصاباً جديداً الآن، وتابعتُه مُشفقاً، خائفاً بعضَ الشَّيء، إلى أنْ وصلَ إلى مكانِهِ، فوقفَ هُنَيْهَةً مولياً ظهره المُحْدَوْدَب المبلول بالعرقِ، لكنَّني استطعتُ أن أتصوَّرَ وجهَهُ: جامداً، صامتاً، مزروعاً بِحُبَيْباتٍ منَ العرَقِ اللاَّمع. وانْحنَى أبو عثمان ليحملَ على ذراعيْهِ الهَرِمَتيْنِ جُثَّة زوجتِهِ التي طالما رأيتُها مُتربِّعة أمامَ دُكَّانه تنتظرُ انتهاءَه من الغداءِ كيْ تعودَ إلى الدَّارِ بالأواني الفارغةِ، وما لبِثَ أن مرَّ بي، وللمرَّة الثَّالثة، لاهثاً لُهاثاً رفيعاً مُتواصلاً وحُبَيْبات العرقِ مزروعَة في وجهِهِ المغضن. وحاذاني غير ناظرٍ إليَّ البَتَّة، وعدتُ مرَّة أخرى أراقبُ ظهرَه المُنْحني المُبْتَلّ بالعَرق وهو يسيرُ الهُوَيْنَى بيْنَ الصَّفَّيْنِ .

لقدْ كَفَّ النَّاسُ عن البكاء…وَخَيَّمَ سُكونٌ فاجعٌ على النساءِ والشًّيوخِ …وبدا كأنَّما ذكريات أبي عثمانَ تَنْخَرُ في عِظامِ الناسِ بإصرار، هذه الذكرياتُ الصغيرةُ التي حكاها أبو عثمان لكلِّ رجالِ الرَّمْلة وهم مستسلمونَ لهُ على كرسي الحِلاقة… هذه الذكرياتُ التي بَنَتْ لنفسها عالماً خاصاً في صدورِ كلِّ الناس هنا… هذه الذكرياتُ بَدَتْ كأنما تنخر في عِظام الناسِ بإصرار.

لقد كان أبو عثمان، كل عمرِهِ، رجلاً مُسالماً مَحبوباً، كان يؤمنُ بكلِّ شيْء، وأكثر ما آمنَ بنفسِهِ، لقد بنى حياتَهُ من اللاَّشْيء، فعندما قذفتْهُ ثورةُ جبلِ النَّار إلى الرَّمْلة كان قد فقدَ كل شيء، وبدأ من جديد: طيباً كأيِّ غرْسَةِ خضراءَ في أرضِ الرَّمْلة الطيبةِ، وكسبَ حبَّ الناس ورضا الناس، وعندما بدأتْ حربُ فلسطينَ الأخيرة، باع كلَّ شيْء، واشترى أسلحةً كان يُوزِّعها على أقاربِهِ ليقوموا بواجبِهم في المعركةِ، لقد انقلبتْ دكانُهُ إلى مَخْزنٍ للمتفجرات والأسلحةِ، ولم يكنْ يريدُ لهذه التضحيةِ أيّ ثَمَنٍ، كلُّ ما كان يطلبُهُ هو أن يُدْفَنَ في مقبرة الرَّمْلة الجميلةِ المزروعةِ بالأشجارِ الكبيرةِ، هذا كان كل ما يريدُهُ منَ الناسِ… كلُّ رجالِ الرَّمْلة يعرفونَ أن أبا عثمانَ لا يريدُ إلاَّ أن يُدفَنَ في مقبرة الرَّمْلة عندما يموت .

هذه الأشياءُ الصغيرةُ هي التي أسكتَتْ الناس، كانت وجوهم المَبْلولة بالعرقِ تَنوءُ تحتَ ثِقَل هذه الذكرى… ونظرتُ إلى أمي، واقفةً هناك، رافعةً ذراعيْها في الهواءِ، شادَّةً قامتها كأنها وقفتْ الآن، تُتابعُ أبا عثمان بنظرِها… صامتةً كأنها كومُ رصاصٍ، وعُدْتُ أنظرُ إلى بعيدٍ، ورأيتُ أبا عثمانَ واقفاً أمامَ حارسٍ يهودي يُحادثه ويُشير إلى دُكَّانه، وما لبثَ أنْ سارَ وحيداً باتِّجاه الدكان، وعادَ حاملاً فوطةً بيضاءَ لفَّ بها جُثة زوجته… وتابعَ طريقه إلى المقبرة .

ثم لمحتُهُ عائداً من بعيد، بخطواتِهِ الثقيلةِ وظَهْره المُنْحني وساعديْه الساقطتيْن إلى جنبيْه بإعياء، واقتربَ مِنِّي بطيئاً كما كان يسير، شيخاً أكثر مما كان، مُعَفَّراً مُغْبَرّا يلهثُ لهاثاً طويلاً رفيعاً، وعلى صدريتِهِ نقاطٌ كثيرةٌ من الدم الممزوجِ بالتراب…

ولمَّا حاذاني، نظرَ إليَّ كأنَّهُ يمرُّ بي للمرةِ الأولى ويراني، واقفاً هناك، في منتصفِ الشارعِ تحتَ سطحِ شمسِ تَموز المُحرِقة: معفراً مبلولاً بالعرق، بِشِفَةٍ مجروحة مُدَلاَّة تجمَّد عليها الدم، وأطال النظرَ وهو يلهثُ، كانتْ في عينيْه معانٍ كثيرة لم أستطعْ فهمها لكنني أحسستُها وما لبث أن عاد إلى مسيرِهِ، بطيئاً مغبراً لاهثاً، فوقف، وأدارَ وجهَهُ للشارع، ورفعَ ذراعيْهِ وصالبهما في الهواء.

لم يتيسَّرْ للناس أن يدفنوا أبا عثمان كما أراد، ذلك أنه عندما ذهب إلى غرفة القائدِ ليعترفَ بما يعرف، سمعَ الناسُ انفجاراً هائلاً هدم الدار وضاعتْ أشلاءُ أبي عثمان بين الأنقاض .
وقالوا لأمي، وهي تحملني عبرَ الجبالِ إلى الأردن، أنَّ أبا عثمان عندما ذهبَ إلى دُكانه قبلَ أن يدفنَ زوجتَه، لم يرجعْ بالفوطةِ البيضاء، فقط.

عن adminh