الرئيسية / دراسات ومقالات / الكنوز البشرية الحية / الكنوز البشرية الحيّة .. سعود الأسدي

الكنوز البشرية الحيّة .. سعود الأسدي

 

الكنوز البشرية الحيّة

سعود الأسدي… حارس الذاكرة الشعبية

 

أمير الشّعر الشعبي الفلسطيني، سيد اللغة المحكيّة، فارس القصيدة الشعبية المحكيّة، رائد التنظير للشّعر المحكي، عاشق التراث الإنساني، كاهن منزرع في وجدان الحياة الشعبية، الوجهُ المشرق للشعّر العامّي، وأبو الصُور الحياتية في الأدب الفلسطيني…

تلك بعض الأوصاف التي نعتهُ بها المطّلعون على تجربته الحياتية الثريّة وعلى أدبه الغنيٌّ خاصة في مجال الشعر المحكي الفلسطيني. ونُضيف… بأنه أحد حرّاس الذّاكرة الشعبية في فلسطين، وحامي ذاكرتها الوطنية. ومن هنا، جاء تكريمه في موسم حراس الذاكرة الرابع 2012 الذي أقامته جمعية الحنونة للثقافة الشعبية، تكريما لكنز بشريٌّ حيٌّ في التراث الشعبي المحكي.

إنه الشاعر سعود الأسدي، ابن قرية دير الأسد، قضاء عكا. وُلد عام 1938 في بيئة زجلية أصيلة، فوالده هو شاعر الزجل الفلسطيني المشهور محمد أبو السعود الأسدي، وعمّه الشاعر الزجلي قاسم الأسدي “أبو غازي” وابنه الشاعر تميم الأسدي. وهو من بيت عريق عُرف عنه أنّه كان يحدو، ويزجل، ويُغنّي، ويردّد الأشعار، ويقول الزجل من شُروقي وعتابا وميجنا.

انتقل إلى النّاصرة عام 1960، ومارس مهنة التعليم ثلاثين عاما، وأصدر أول ديوان شعري في فلسطين باللغة المحكيّة، وهو ديوان “أغاني من الجليل” عام 1970 كما أصدر عددا من الدواوين باللغة المحكيّة العامية، وكتب أشعارا باللغة الفصحى نُشرت في الصحف غير أنها لم تصدر حتى الآن في كتاب. ومنها: ذكرى المتنبي/ التيه الأخير/ رأيت الشام في حلمي/ بغداد على الصّليب/ غمستُ خبزي بملحي. ومن إصداراته باللغة المحكية: نسمات وزوابع 1986/ ع الوجع 1993/ شبق وعبق 1999/ دعسة بنت النبي 2000 (على اسم صخرة بجانب قريته دير الأسد) / تحقيق وشرح كتاب “إشراقة الشعر الغنائي اليوناني 2005”.

له أشعار مترجمة إلى الإنجليزية والفنلندية والإسبانية وديوان إلى العبرية، وله مقالات متنوعة عن الفنون بأنواعها المختلفة: موسيقى/ سمفونيات عالمية/ لوحات تشكيلية/ آثار عمرانية/ تراث الشعوب الإنساني المتعدد الجوانب.

 

إنه كنز بشري وثروة حقيقية، يحفظ مئات الروايات والحكايات والطرائف الشعبية والملح والنوادر الخفيفة، ويبذل جهدا كبيرا في تدوين القصص التراثية والروايات الشفوية والذكريات الجميلة من الماضي، حيث كان يجتمع الزّجالين والقوالين قبل النكبة من لبنان وسوريا وفلسطين في الأعراس والمناسبات الاجتماعية وفي الدواوين التي كانت تعجّ بها القرى العربية الفلسطينية، وفي مقهى الدّلالين في مدينة عكا حيث كانت تُجرى اللقاءات التي تجمع بين الزجالين الشعبيين، والمحاورات الزجلية بين والده وعمّه. يعرف تفاصيل قصص الأغاني التراثية المُغنّاة في فلسطين: “الجفرا” و”ظريف الطول” و”الدلعونا” وغيرها والدبكات في الريف الفلسطيني من عهد كنعان.

إضافة إلى حفظه للتراث الشعبي فإنه يمتلك ناصية اللغة الفصيحة والعامية معا. وفي هذا الموضوع يقول كلاما جميلا يُعبّر عن وجهة نظر شمولية لمعنى الفن والأدب، إذ يقول: “إن أدبا يُكتب بالعامية لا يضير تلك المائدة الحافلة الغنية الفخمة المترفة كمائدة الأدب العربي، حيث أوانيها الباذخة بشتّى الألوان والأشكال. فهذه المائدة العريضة لن ترفض هذه الصحون الصغيرة من المتبّل الذي يفتح النفس، ويزيد في القابلية. والعربية أعظم لغة في الوجود، ويفهمها العربي المتعلم من المحيط إلى الخليج، والمحكيّة اكتسبت طواعية وتلقائية, ولا يجب التعصب لإحداهما. فهناك بلاغة ومعايير فنية تخص العامية، وليس كل تركيب التزم الإعراب هو الأرقى لأنه فصيح، وما كل تركيب لم يلتزم الإعراب هو الأدنى لكونه عاميا”.

لم يكتف بالكتابة باللغة المحكية والإبداع فيها، بل إنه نظّر للشعر المحكي، ويُعتبر رائدا في هذا المجال، حيث تحدّث عن أوزان الشعر المحكي وأصوله وتناول ذلك بالتفصيل الدقيق في كتاباته ومؤلفاته، وذكر الشعراء الذين أبدعوا في اللغة المحكية القريبة من مظاهر حياة الشعب الفلسطيني اليومية.

ارتبط بالناس في تفاصيل حياتهم اليومية وفي تطلعاتهم وآمالهم فارتبطوا بشعره وكلماته التي استقاها من بيئته الريفية في قريته التي عاش بها طفولته وصباه، فكانت أشعاره مليئة بمفردات البيئة الفلسطينية الغنية والمتنوعة (الطيور، الأزهار، النباتات، الأشجار، الغيمات، النجمات، البيادر، الكروم، عيون الماء، الساحات، الشوارع، الأزقة، الحارات، الشبابيك…) ولا عجب في ذلك، فهو ابن أصيل لتك البيئة، ومُلمّ إلماما وافيا بالجغرافيا الفلسطينية التي يسعى إلى حراستها وتثبيتها في عقول الناس ووجدانهم.

أنا بشعر

بهالدنيا اللعينه

شعور كبير

بالغربه الحزينه

 مثل غربة

زيتونه بيقلعوها من أرض الوعر

تيزرعوها على دوار في ساحة المدينة

الشاعر الفلسطيني الكبير توفيق زياد يقول: “نحن لا ننظر إلى الأدب الشعبي المتناقل وكأنه شيء في أثر الماضي، أو أيقونات نُعلّقها على الصدور، أو أشياء أثريّة للزينة، أو نصوص تُحفظ. ونحن لا ننظر إليه كجثة هامدة بعد تحنيطها ووضعها في مزاد، إنما ننظر إلى الأدب الشعبي من وجهة نظر الحاضر والمستقبل. ففي مسيرتنا نحو الحرية السياسية والاجتماعية نحن بأمس الحاجة إلى أن نشحذ ذلك السلاح الأصيل. إنه لازم لنا لنصقل به نفسيتنا حتى يزدهر كل ما هو طيب فيها”.

سعود الأسدي، هو ذلك السلاح الأصيل، الذي ندافع به عن هويتنا وتراثنا وحقنا في الوجود فوق أرضنا التي عمّرناها، سلاحٌ لا يقول ما يقوله مباشرة بل يُغلّفه بأسلوب فني راق وجميل. ولعل قصيدته يبوس (اسم القدس قديما) الطويلة، تعبير حقيقي عن ذائقته الشعرية الفنية، وثقافته العالية.

 

اسمك يَبوس

ولمّا أهلك عمّروكي ع الجبل

شُعلة أمل

ورفعوا مقامك فوق

والكون انطبل فيكي 

وشو صرتي المدينة الجوهرة

ومضمّرة ومخضّرة ومزنّرة

بالتين والزيتون وبقوس القزح

ومعطّرة مثل الفرح

بالشعر، بالدبكة، بتهاليل المسا

بقصة غزل ما بتنتسى

بالياسمين اللي على بوابك بنوس

يبوس!

إنتي مكحلة عيون البشر

بالنور والنوار في ليل السمر

في الكروم العالية

وإنتي المدينة الغالية

ويا الله شو خضرا على مد النظر                                          تصوير جمال كيوان 

باللوز والرمان والسماق

والدراق وشجار الوعر

همس الشذى، وريح الغدى

وعطر الندى اللي بينهدى

بتسابقوا

مين الي قبل الصبح أعتابك يبوس

  

وصفه أحد النقاد بأنه ظاهرة… يعشق المعري والسمفونيات معا، يجمع بين المحكية والفكر اليوناني، يؤصل المحكية في الفصيحة ويجعل الفصيحة تتهادى تجر أذيالها بصحبة سته زليخا!

إنه كنز بشري حي – أطال الله عمره – حفظ التراث الشعبي، ودوّنه وكتب عنه، وأجاد في الشعر العامي والزجل والمعنّى والحداء…

بيوت عتابا غزلية

يا سمرا أنا بْحارْتِكْ  كنت ساكنْ

وهيّجتي غرامي الكان ساكنْ

وْكسرتي بْخاطري كحرف ساكنْ

التقى بساكن بجنبو ومش عَجَبْ

              ***

إذا كنّ السّمكْ في البحر لاكنّْ

وعليكي سناني مرّ الصبر لاكنْ

وإنتي السبب في هالأمر لكنْ

أنا بعطي سبب غير هَالسببْ

              ***

أنا عابيتكو من يوم عَدّيتْ

خاطر والدِكْ يا بنت عَدّيتْ

وأيام الفراق كثير عّدّيت

وعلى طول العمر أجمع حسابْ

              ***

 

دموعي جَرَّحتْ فيكي مُقُلْتي

وأنا اللي قلتها وإنتي مَ قلتي

علييّ بين صاحْباتِكْ مَقِلتي

لحتى ابقى فِ بالِك في الغيابْ

              ***

جناحي من هواكي ما عِرِي شي

تعي مُرّي بْأصابيعك عَ ريشي

ومِثِل ما الدالي تِتْعَرْبَش عريشِه

عَرِبشيني تحت ظلّ الِهْدابْ

              ***

طريقِكْ يا بِنِتْ لما طَرَقْتي

دخيلِكْ ليش تاراسِكْ طَرَقْتي ؟!

ولما الباب في وجهي طَرَقْتي

سقط قلبي على طرقِة البابْ

              ***

عليكي يليق فستانِكْ وشالِكِ

وغرامي جابِكْ لْقلبي وشالِكْ

وإذا الواشي أجا وْعنّي وشا لِكْ

قُليلو للأبد نِحْنا حْبابْ

              ***

طول البعد عني انكان حالِكْ

خلاّني لحالي بْليل حالِكْ

وأنا بسأل عليكي كيف حالكْ ؟

اسألي عنّي تأعطيكي جوابْ

              ***

مع طيفِكْ أيا سمرا سمر مر

بليالي جُنْحها أسمر سمرمر

سلامي إلِكْ مع طائر سمرمر

بعثتو وليش يرجَع مع غْرابْ

              ***

أنا راعي وفا وإنتي وفيِّه

اشرحي لي الشوق يَلْ فيكي وفِييّ

ربيع بلادنا ميّه وفيِّ

وربيعِكْ شَلْبَنِه* (جمال) وْصحّة ْشباب

عن adminh