الرئيسية / موضوعات /  النبي روبين في يافا: من موسم ديني إلى مصيف … أ.د محمود يزبك

 النبي روبين في يافا: من موسم ديني إلى مصيف … أ.د محمود يزبك

 النبي روبين في يافا: من موسم ديني إلى مصيف

أ.د محمود يزبك

تتحدث هذه الدراسة عن تاريخ الموسم السنوي في مقام النبي روبين، الذي يقع على بعد 14 كيلومتراً جنوب يافا، من أواخر القرن الثالث عشر إلى دمار فلسطين في سنة 1948 والنكبة الفلسطينية. ويكشف السياق التاريخي إلغاءً تدريجياً للطابع المقدّس،  اذ تراجعت الطبيعة الدينية الواضحة للموسم تدريجاً وطغى الطابع العلماني مع مرور الوقت، فيما حوّلت الحشود المتزايدة المقام إلى مصيف بكل معنى الكلمة. ولا تشكّل مدينة الخيم “المؤقّتة” في مقام النبي روبين التي يُنظَر إليها بأنها فكرة ترحالية بين الواقع والخيال، أو “هيتروتوبيا” بتعبير فوكو، واحداً من عوارض أو مفاعيل الحداثة التي ظهرت شيئاً فشيئاً في فلسطين مع ما مارسته

من تأثير على مدينة يافا الفلسطينية وحسب، لكنها تصبح في ذاتها مكوِّناً من مكوِّنات تلك الحداثة.

 

مقدّمة

في أيلول / سبتمبر 1855، أقام القنصل البريطاني جيمس فين أثناء وجوده في الرملة خلال ما أسماه “الجولة السنوية لتفقّد البلاد”، في منزل عائلة محلّية كان من بين أفرادها وكيلٌ لدى قنصلية بروسيا والولايات المتحدة في الرملة، ووكيلٌ لدى قنصلية إنكلترا وبلاد فارس. يروي فين حدثاً كان شاهِداً عليه في تلك الفترة، ويقول:

مرّت زفّةٌ أمام المنزل، وكانت تضمّ رعاعاً من الأولاد المسلمين الذين يُرافقون شيخ مقام النبي روبين في طريقه للخروج من البلدة. كان ينقل مخزناً من الأدوات المنزلية وما شابه على ظهر الجمال، وكان يمتطي جملاً في مقدّمة الموكب، ويحتجب تقريباً خلف ملاءة من القماش المخملي الأخضر الداكن، كان يُلوّح بها من حين لآخر على وقع هتافات الأولاد، فلمحتُ مظهره الذي يوحي بأنه مجرد فلاّح قذر. (Finn 1878, vol. 2, p. 342).

ليس غريباً أن يصدر مثل هذا الكلام عن فين، فالقارئ يستشفّ فيه لهجة الاستعلاء، ويلاحظ الموقف الازدرائي من السكّان الفلسطينيين المحليين الذي يسود في صفحات مذكّراته عن السنوات التي أمضاها في القدس. يسجّل فين، كعادته، تفاصيل دقيقة عن الحدث الذي يدور أمامه (“أدوات منزلية”، “ملاءة من القماش المخملي الأخضر”)، لكنه يبقى غير مدرك لمعناها، فسؤاله الضمني إنما الواضح، لماذا يسير حشد مبتهج خلف “مجرّد فلاح قذر”، يسلّط الضوء على عدم فهمه لما يجري. على الرغم من أن الوصف الذي أورده فين موجز ومتعجرف، يبقى مفيداً لأنه أول وثيقة مدوَّنة عن زفّة الموسم التي تتّجه من البلدة نحو مقام النبي روبين، والتي كانت تعلن انطلاقة موسم الحج السنوي إلى ضريحه هناك1. لم يشارك في الزفّة “رعاع من الأولاد المسلمين” وحسب، إنما أيضاً جميع أبناء الرملة، رجالاً ونساء، كباراً وصغاراً، مسلمين ومسيحيين ويهوداً. وكان “مخزن الأدوات المنزلية” الذي تحدّث عنه فين يشكّل جزءاً من المطبخ المتحرّك الضخم الذي كان يُستقدَم سنوياً من المكان الخاص حيث كان يُحفَظ في الرملة، لتقديم وجبات ساخنة مجانية (سِماط) لآلاف الحجّاج طوال مدّة مكوثهم في المقام. أما “القماش المخملي الأخضر” فكان فعلاً كذلك، لكنه كان قد حيك منذ وقت قصير، وجرى تطريزه بعناية شديدة ليحلّ مكان قطعة القماش الخضراء التي تغطّي الضريح منذ الموسم السابق. خلال الزفّة من الرملة إلى مقام النبي روبين، كان الناس يلمسون قطعة القماش، أو يمرّون تحتها عند رفعها على أربع ركائز، إذ كانوا يعتبرون أنها مقدّسة وتملك القدرة على شفاء الأمراض وجلب الحظ.

في الصفحات  القادمة،  سأعود إلى الوراء “أبعد” من القنصل فين، إلى تاريخ انطلاقة الموسم في مقام النبي روبين في أواخر القرن الثالث عشر، والى الأمام وصولاً إلى تدميره خلال النكبة. يكشف السياق التاريخي إلغاءً تدريجياً للطابع المقدّس، فالطبيعة الدينية الواضحة للموسم تراجعت تدريجاً وطغى الطابع العلماني مع مرور الوقت، لا سيما بعد الحرب العالمية الأولى عندما باتت مدينة الخيم المؤقّتة في النبي روبين تستقطب 40000 وحتى 50000 شخص ممن يرغبون في تمضية العطلة وليس الحج، وأحاطت مناطق مخصّصة للمطاعم والمقاهي وحتى دور السينما، بالمقام فبدا وكأنه مصيف حقيقي. وفي انعكاس لمدينة يافا  الكوزموبوليتانية، تحوّل النبي روبين إلى احتفاء بحداثةٍ تنتشر شيئاً فشيئاً، أو كما كتبت ريما حمامي “ليس حداثة كاملة (هذا لو كان بإمكانها أن تكون كاملة) بل حداثة ناشئة – حداثة في طور التكوّن، لكنها توقّفت فجأة وبطريقة عنيفة في العام 1948” (Hammami 2010, pp. 264-265).

 

الأصول

للمقامات المقدّسة الإسلامية  عموماً، وتلك الموجودة في فلسطين  خصوصاً، تقليدٌ عريق في الزيارات. فبما أن فلسطين هي مهد اليهودية والمسيحية، وبما أن القدس هي ثالث مدينة مقدّسة في الإسلام، انطبعت صورة فلسطين في أذهان ملايين المؤمنين على مر القرون بأنها “الأرض المقدّسة”. فسواء كانوا يسمّونها Terra Sancta أو eretz ha-qodesh (بالعبرية) أو “الأرض المقدسة” (بالعربية)، كان أتباع الأديان الثلاثة يعتبرون أن للمقامات العديدة والأماكن المقدّسة الأخرى المنتشرة في البلاد، طابعاً سامياً. ويصف جوزف ميري في دراسة صدرت حديثاً، كيف بُنيت هذه “الطوبوغرافيا المقدّسة”:

 

خلق المؤمنون “القداسة” وحافظوا عليها عبر بناء المقامات والأضرحة وصروح تذكارية أخرى، والكتابة عن [الأماكن] المقدّسة واداء الشعائر والطقوس. تشمل الطوبوغرافيا المقدّسة السمات التي تُميِّز مكاناً ما حدّده سكّانه ومن يكتبون عنه والمسافرون إليه بأنه مقدّس – إنها عبارة عن صروح مثل المقابر والمدافن والأضرحة والمنازل والمقامات والمساجد والكُنس والكنائس، فضلاً عن مواقع طبيعية مثل الجبال والآبار والأنهر والكهوف. (Meri 2002, p. 12).

ليس مفاجئاً أن أصول معظم المقامات القديمة لا يزال محاطاً بغشاوة من الأساطير. فعلى غرار ما حدث في معظم أنحاء الشرق الأوسط، تبنّى اليهود والمسيحيون والمسلمون في فلسطين تقاليد الأماكن المقدّسة التي كانت موجودة قبل وقت طويل من صعود الديانات التوحيدية. ومع انتقال السكّان المحليين من معتقداتهم الوثنية إلى التوحيد، نقلوا معهم القدسية الملازِمة للمقامات المقدّسة القديمة لتكييفها مع الظروف الاجتماعية والسياسية والدينية المتغيِّرة. وهكذا بدا طبيعياً أن يتبنّى الإسلام، الذي اعتبر نفسه أنه يُحقّق اكتمال اليهودية والمسيحية على السواء، معظم الشخصيات التي يعبدها اليهود والمسيحيون ويعتمد عدداً كبيراً من رموزهم ومقاماتهم وأوليائهم. أصبحت الأماكن المقدّسة المكرَّسة للآباء والأنبياء في اليهودية أو للقدّيسين في المسيحية، مقامات بارزة للمسلمين أيضاً.  وساهم وجود تاريخ مكتوب يعود إلى ما قبل حلول الإسلام لبعض تلك المقامات، في تسهيل “إعادة اكتشافها” كمقامات خلال العصور الوسطى (Meri 2002, p. 12; Bowman 1993; Yazbak 2009). في الإسلام الشعبي الفلسطيني، تبرز بعض هذه المقامات إلى الواجهة لأسباب واضحة. فعلى مرّ السنين تحوّل الحرم الابراهيمي في الخليل، وقبر راحيل قرب بيت لحم، وقبر يوسف قرب نابلس، ومقام النبي صموئيل في قرية النبي صموئيل قرب القدس، وجهات مقدّسة للزيارات، حيث يتردّد الأشخاص منفردين أو في مجموعات صغيرة لزيارة المقامات على مدار السنة (Yazbak 2009, pp. 237-238). ويُطلعنا “كتاب الإشارات إلى معرفة الزيارات” لأبي الحسن الهروي، وهو أقدم دليل للحج صمد حتى يومنا هذا، على أن إحدى السمات البارزة لهذه المقامات والعديد من المقامات الدينية الأخرى في فلسطين هي أنها كانت موضع تبجيل وتقديس من المسلمين والمسيحيين واليهود في الوقت نفسه. كان المسلمون واليهود يعملون معاً قيّمين على المقامات نفسها، وغالباً ما كان المسافرون اليهود إلى الأراضي المقدّسة يعتمدون على أدلاّء مسلمين في رحلات الحج إلى الأماكن المقدّسة (الهروي 1953).

الخطوة التالية تمثّلت في سيطرة الأيوبيين من جديد على القدس وما أعقبها من قيام المماليك بطرد الصليبيين اللاتين من فلسطين، عندما بدأت السلطات الإسلامية تشجيع رحلات الحج والمواسم الدينية إلى المقامات في تواريخ محدّدة فضلاً عن إعادة تنشيط الزيارات التقليدية (Kana’an 1927, pp. 193-216؛ العسلي 1990؛ عراف 1993، المجلد 2، ص 575-586)2. وقد اختيرت المواقع المفضّلة للمواسم بين عدد قليل من المقامات، وكانت السلطات تتولّى تنظيم هذه المواسم وتمويلها بالكامل، وتسعى من خلالها إلى استقطاب أعداد ضخمة من الحجّاج. والموسمان الأوسع شهرة في فلسطين هما موسم النبي موسى المذكور في القرآن والإنجيل، والذي يقع قبره بحسب المعتقدات الشعبية للمسلمين الفلسطينيين قرب أريحا شرق القدس، وموسم النبي روبين (ابن يعقوب) الذي يقع مقامه على بعد نحو 14 كيلومتراً جنوب يافا عند مصب نهر روبين. وكُرِّس موسم ثالث، أصغر نطاقاً إلى حد ما، للنبي صالح قرب الرملة.

كانت المواسم تجمع بين عنصرَي الزفّة الشعبية والصلاة العامة (Petersen 1996, pp. 98-99؛ Kana’an 1927, pp. 193-216؛ العسلي 1990، ص 80-83؛ Grunebaum 1976, pp. 81-84؛ العارف 1999، ص 176-177؛ سرحان 1989، المجلد 3، ص 565). وكانت في البداية محاكاةً لمسيرات عيد الفصح التي كانت تلقى رواجاً شديداً لدى المسيحيين خلال المرحلة الصليبية، وكانت تنظّمها السلطات أيضاً. وبعد خضوع القدس من جديد لحكم المسلمين، استمرّت احتفالات الفصح في استقطاب أعداد هائلة من السكّان المسيحيين، وأيضاً آلاف الحجّاج المسيحيين من أوروبا، للاجتماع حول القبر المقدس في القدس (Schölch 1993, pp. 81-85). وعلى الرغم من أن السلطات المسلمة لم تفكّر يوماً في منع هذه التجمّعات الضخمة، لكنها كانت تعتبر أنها تهدّد بطمس الطابع الإسلامي للمدينة التي دفع المسلمون مرّة أخرى ثمناً باهظاً جداً لتحريرها. وهكذا كان الهدف الأول من تنظيم المواسم تظهير حضور قوي للمسلمين إلى العلن خلال موسم الاحتفالات المسيحية، وهذا ما يُفسّر لماذا تمحورت حول مقام النبي موسى قرب أريحا، مع انطلاق الزفّة من قلب القدس، ومقامَي النبي روبين في يافا والنبي صالح في الرملة، ومقام علي بن عليل في أرسوف، وبعض المقامات الأخرى، حيث كانت الطرقات المؤدّية إلى المقامات تكتظّ بحشود المؤمنين المشاركين في المسيرات. وتُظهر مصادر من القرنَين الثاني عشر والثالث عشر بوضوح، أنه في حين استمرّت الزيارات إلى الأضرحة المقدّسة طوال المرحلة الصليبية،  فإن السجلات لا تأتي على ذكر المواسم إلا بعد تحرير القدس (العسلي 1990، ص 80-83؛ Frenkel 2001, pp. 158-159). ومجدداً تبنّت هذه المسيرات ممارسةً درجت عليها الاحتفالات المسيحية في القدس، فكان يسير في مقدّمتها أشخاصٌ يحملون رايات الأضرحة المقدّسة.

سياسة الدين

خلال الحكم الأيوبي ثم المملوكي، ظل الحكّام المسلمون حذرين من احتمال التعرّض لغزوات جديدة من الغرب بعد استيلائهم من جديد على القدس واسترجاع الأراضي المقدّسة. لكن مع تثبيت حكمهم على مدن الساحل السوري، باتوا يسيطرون بالكامل على الطرقات التجارية المهمّة من الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب؛ أي من الساحل باتّجاه الداخل. وتسبّب ذلك بالتباس في المقاربة الاستراتيجية قد تكون أبرز تجلّياته قرار السلطان المنصور قلاوون نقل طرابلس أكثر نحو الداخل بعد سيطرته على المدينة. وقد كتبت ليندا نورثروب في هذا الإطار “ربما لم يكن الهدف حرمان العدو من موطئ قدم على الساحل وحسب، إنما أيضاً الأمل بأن تستعيد طرابلس أهمّيتها التجارية السابقة، ولذلك أمر قلاوون بإعادة بناء المدينة في مكان أقل عرضة للهجمات على بعد نحو ميل في الداخل” (Northrup 1998, p. 293).

لعل هناك عنصراً ثالثاً أكثر أهمّية عند النظر إلى الطريقة التي بدأت بها السلطات الحاكمة عن وعي بتوسيع الطوبوغرافيا المقدّسة في فلسطين وترسيخ الرابط الذي كان قائماً في نظر الإسلام الشعبي بين الأولياء التوراتيين والمحليين (Frenkel 2001, p. 153).

وفي حين أن تبنّي الإسلام لشخصيات  توراتية حصل في الأغلب قبل الغزو الصليبي للقدس في العام 1099، تسارعت هذه النزعة عندما أدرك الحكّام المسلمون أنها يمكن أن تساعد على حشد الدعم الشعبي الكبير الذي يحتاجون إليه في الحرب ضد الفرنجة. وبالنسبة إلى المماليك، لا شك في أن تعزيز الطبيعة الإسلامية للمواقع الدينية القائمة كان مرتبطاً أيضاً بشرعيتهم كحكّام عالمٍ إسلامي يجب أن يقبلهم أبناؤه حرّاساً للعقيدة. وقد ساهمت المعركة المطوّلة لاسترجاع القدس في سنة 1187، في تعزيز القدسية التقليدية لتلك المدينة في عيون المؤمنين المسلمين، ثم شعّت خارج جدران البلدة لتشمل المناطق المحاذية وفي نهاية المطاف في أرجاء الأراضي المقدّسة برمتها (للاطلاع على دراسات مفصّلة، انظر Sivan 1971, Goitein 1966). عقب الانتصارات التي أحرزها صلاح الدين الأيوبي لاحقاً على الصليبيين، بدأ الحكّام الأيوبيون ليس فقط تشييد عدد كبير من المباني الدينية الجديدة في القدس، إنما أيضاً إعادة إضفاء الطابع المقدّس على القبور الموجودة في جوارها من أجل حضّ المؤمنين على إدراجها ضمن الزيارات. لكن لم تُطلَق حملة فعلية لتركيز الوعي العام في شكل مكثّف على الأضرحة الإسلامية المقدّسة في مختلف أنحاء البلاد سوى بعد إلحاق السلطان بيبرس (1223-1277) هزيمة نكراء بالغزاة المغول في عين جالوت في  سنة 1260، وقد هدفت هذه الحملة في الوقت نفسه إلى  نشر صيت بيبرس  وشهرته على أنه حاكم مسلم  شرعي في مختلف أنحاء العالم الإسلامي (للاطلاع على لائحة كاملة بالإنشاءات التي شيّدها بيبرس في فلسطين، انظر Frenkel 2001, pp. 156-162). كان عدد كبير من  المقامات التي أعاد بيبرس بناءها، يحتل مواقع استراتيجية على طول الطريق  الساحلي الذي كان يربط بين القاهرة ودمشق، الركيزتَين الأساسيّتين في أمبراطوريّته، وربما استُخدِمَت لأغراض عسكرية أيضاً، إذ كانت تشكّل جزءاً من منظومته الدفاعية لبلاد الشام ككل (Meri 2002, pp. 259-260). ومنها الإنشاءات الرائعة التي شيّدها فوق أضرحة أبو هريرة في يبنا، وعلي بن عليل في أرسوف، وسليمان الفارسي في  أسدود. واستمّرت جهود البناء والتدعيم في ظل خلفه، السلطان المنصور قلاوون، لكن نجل الأخير ووريثه إلى العرش، الأشرف خليل (نحو 1291-1293)، هو الذي أصدر التعليمات لحاكم غزة، تمراز الأشرفي، لتشييد مبنى فوق ضريح “روبين، نبي الله”، على بعد بضعة كيلومترات غرب يبنه. وهكذا فالمماليك هم من أعادوا تصميم المشهد المقدّس في الأراضي المقدّسة، إذ بدأت المدافن الكثيرة التي باتت مرتبطة بشخصيات  توراتية تؤدّي دوراً مهماً، لا بل جوهرياً في الدين الإسلامي الشعبي في فلسطين.

 

نحو إسلام فلسطيني شعبي

بحسب التوراة العبرية، يستحيل تحديد مكان معيّن واعتباره الموقع الذي يحتوي على ضريح موسى، الذي كان قد دفن: “في الجواء في أرض مواب مقابل بيت فغور ولم يعرف إنسان قبره إلى هذا اليوم” (سفر التثنية إصحاح 34، آية 6). أما المصادر الإسلامية فقد اقترحت من جهتها احتمالات متعدّدة عن الأماكن التي ربما يرقد فيها النبي موسى. لكن عندما قرّر بيبرس في  سنة 1265 بناء مقام كبير فوق موقع يُعرَف الآن بـ”مقام النبي موسى”، انطبع هذا الموقع بصورة دائمة في المخيّلة الشعبية للإسلام الفلسطيني بأنه ضريح النبي موسى (العسلي 1990، ص 14 – 19، 25). والشيء عينه ينطبق على روبين، الابن البكر ليعقوب الذي هو من الآباء عند اليهود، حيث لا يتضمّن التقليد اليهودي أي ذكر لموقع دُفِن فيه روبين، في حين أن المصادر الإسلامية تقدّم احتمالات عدّة. فأحدها يشير إلى الموقع الموجود في جنوب يافا، فيما يذكر مصدر ثانٍ أنه مدفون في قرية كابول في الجليل الغربي، ويعتبر مصدر ثالث أن النبي روبين يرقد في مقبرة في جبل  المقطم جنوب القاهرة (الهروي 1953، ص 22؛ Petersen 1996, p. 99). على غرار الموقع الموجود في القاهرة، شكّل المرقد في كابول وجهة محلية للزيارات فقط، إلى جانب مئات المواقع الأخرى الموزَّعة في البلدات والقرى في الأراضي المقدّسة.

كانت المواسم في مقام النبي موسى قرب القدس، ومقام النبي صالح قرب الرملة، تُجرى في شهر نيسان / أبريل من كل عام وتمتدّ لثلاثة إلى خمسة أيام. يتميّز موسم النبي روبين بينها ليس لأنه الأطول بين المواسم الثلاثة في فلسطين وحسب – كان يستمرّ لأربعة أسابيع، فيمتدّ عادةً من منتصف آب / أغسطس إلى منتصف أيلول / سبتمبر – بل أيضاً لأنه كان يستقطب أعداداً أكبر بكثير. ومع مرور الوقت، تحوّل موسماً حاشداً للحج، حيث كانت العائلات تتقاطر طوال شهر كامل مع الأقرباء والأصدقاء من مختلف أنحاء البلاد، وحيث كان البعض يبحثون عن زوج أو زوجة إما لهم وإما لأولادهم، وكان البعض الآخر يرسّخ علاقاته التجارية ويعقد صفقات في مجال الأعمال، لكنهم كانوا يأتون قبل كل شيء للاسترخاء والاستمتاع خلال عطلة طويلة ينتظرونها بفارغ الصبر. على امتداد قرون وأجيال، شكّلت المواسم الفلسطينية الثلاثة في مقامات النبي موسى والنبي صالح والنبي روبين، مكوِّناً أساسياً في المعتقدات الدينية الشعبية، لكن في الذاكرة الجماعية الفلسطينية اليوم، ولا سيما في ذاكرة الفلسطينيين من منطقة يافا، يبرز موسم النبي روبين على وجه التحديد كاحتفال شعبي ضخم، وقد تحوّلت الكثبان الرملية المحيطة بالمقام مصيفاً كبيراً.

 

من الزيارة إلى الموسم

 

كما هو الحال في عدد كبير من المدافن، لا تتضمّن المصادر المتوافرة أي إشارة إلى التاريخ الذي أصبح فيه روبين لأول مرة مرتبطاً في الوعي الشعبي بالمقام الذي يحمل اسمه. ولا نعرف أيضاً من قرّر أن النبي روبين هو الذي يرقد في القبر، أو متى أصبح لأول مرة وجهة للحج. أوّل من ذكر قبر النبي روبين في موقعه الحالي هو الرحّالة المسلم المعروف في القرن الثاني عشر، أبو حسن الهروي، الذي كتب واصفاً مئات الأضرحة المقدّسة التي زارها أو كانت لديه معلومات عنها في بلاد الشام. مرّ في الرملة في  سنة 1173 مدوِّناً: “خارج مدينة الرملة، غرب البحر الميت وعلى مقربة منه، يقع قبر روبين، ابن يعقوب” (الهروي 1953، ص 33). ليس واضحاً إذا كان قد وجد أي نوع من الإنشاءات في المكان – ربما لم يزر الهروي المكان شخصياً لكنه اكتفى في الأغلب بتدوين ما رُوي له – إلا أنه يُبيِّن بوضوح أن السكّان الفلسطينيين كانوا يعتبرون المقام مكاناً مقدّساً في القرن الثاني عشر.

بعد نحو 300 عام على صدور كتاب الهروي، “كتاب الإشارات إلى معرفة الزيارات”، وضع مجير الدين الحنبلي كتابه الذي سرعان ما اكتسب شهرة كبيرة، “الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل”، والذي يُعتبَر على نطاق واسع بأنه الدراسة الأكثر شمولاً عن منطقتَي القدس والخليل في الربع الأخير من القرن الخامس عشر. ويكتب عن النبي روبين:

 

بظاهر  الرملة من جهة  الغرب بالقرب من البحر المالح  مشهد يقال إن به  ضريح سيدنا روبين بن يعقوب، عليهما السلام، . وهو مكان مأنوس  يقصد للزيارة، وفي كل سنة له موسمً يجتمع الناس فيه من الرملة وغزة وغيرهما3, ويقيمون أياما  وينفقون أموالا كثيرة  ويقرأ  هناك القرآن العظيم, والمولد الشريف.  والذي عمَر  هذا المشهد سيّدنا ومولانا شيخ الإسلام ولي الله تعالى الشيخ شهاب الدين بن أرسلان تغمده الله بالرحمة والرضوان. (العليمي 1999، مجلد 2, ص 133)

يذكر مجير الدين، وهذه نقطة مهمة، أنه وجد مشهداً أي ضريحاً، مبنياً فوق موقع القبر ومحيطاً به من مختلف الجوانب، في إشارة واضحة إلى أن مقام النبي روبين تمتّع بدرجة أعلى من القداسة وارتقى من مجرد موقع للزيارة إلى موسم، مما أدّى إلى تعزيز مكانته في الديانة الشعبية المحلية، وتوسيع نطاق العادات والأعراف الدينية. في  سنة 1933، تم العثور على نقشٍ، كان متضرِّراً جداً، على لوح رخام مثبَّت فوق باب المدخل في المقام، ونقرأ فيه ما يأتي:

 

باسم الله الرحمن الرحيم. أصدر سعادة سيف الدين… تمراز المؤيدي الأشرفي، حاكم غزة، الأمر ببناء هذا القبر المبارك لنبي الله، رو[بين]، عـ[ليه] السلام…  الناصري. وملعون وابن ملعون كل من [يلحق الأذى] بساكنه [أي من يرقد هنا]… انظر (Mayer 1993, p. 230).

 

كيف يمكن إذاً تفسير أن حاكم غزة المملوكي، وليس الشيخ أرسلان، كما كتب مجير الدين، هو من بنى المشهد في العام 1431؟ كان الشيخ شهاب الدين (1352 – 1440) من الصوفيين الكبار في الرملة، وكان يتولّى مناصب دينية مرموقة ليس في الرملة وحسب إنما أيضاً في القدس. وكان من عادته الاختلاء لأشهر من أجل التعبّد، برفقة تلاميذ أو بمفرده، في مبنى منعزل بمحاذاة البحر، قد يكون مقام النبي روبين. يشير كاتب سيرته الذاتية إلى التكريم والتقدير اللذين كان يكنّهما له الأشرفي (السخاوي، المجلد 1، ص 282-288). وربما كان الأخير، بوصفه حاكم غزة المملوكي، يفكّر في تحصين الساحل لأغراض استراتيجية عندما عمد في بادرة خاصة تجاه الشيخ، إلى بناء المشهد فوق قبر النبي روبين ليلبّي حاجاته في شكل أفضل كمكان للاختلاء. وهكذ فإن الوجود الدائم لشيوخ صوفيين ونسّاك في الموقع، والزيارات والموسم السنوي سلّطت مجتمعةً الضوء على الحضور المسلم الرسمي الذي بدأ الموقع يتمتّع به على امتداد العام، وبات بإمكان الناس أن يدقّوا ناقوس الخطر في حال اقتراب العدو من الساحل. وفي إطار الجهود التي بذلها المماليك لتحفيز المؤمنين على المشاركة في الزيارات، وفي الموسم السنوي على وجه الخصوص، شجّعوا ظهور مسلك أدبي خاص  حول “فضائل فلسطين وبلاد الشام”، أشاد بالأهمّية الدينية للإقامة على طول الساحل الفلسطيني ووصف الزيارات إلى الأماكن المقدّسة بأنها فعل تقوى (Anabseh 2006, pp. 187-198). إلى جانب الهدف التكريمي للشيخ أرسلان، لا شك في أن المشهد الذي بناه الأشرفي فوق قبر النبي روبين كان أيضاً جزءاً من استراتيجيته، شأنه في ذلك شأن الجهود الترويجية التي سعت إلى تشجيع الحشود على المشاركة بأعداد كبيرة ومتزايدة في الموسم السنوي. وبالأهمّية نفسها، كانت السلطات المملوكية تتولّى تمويل المواسم على نفقتها، كما كانت تسدّد تكاليف إقامة الشيوخ الصوفيين في المكان.

 

يافا في الواجهة

ظلّ موسم النبي روبين يزدهر في الحقبة العثمانية، وهذا ما تبيّنه الخرائط التي حملها المسلمون إنما أيضاً الأوروبيون معهم خلال رحلات الحج، فقد وُضِعَت عليها علامة واضحة حول المقام. وفي  سنة 1693، زار الشيخ عبد الغني النابلسي، الذي كان شيخاً صوفياً مرموقاً من دمشق، الموقع خلال رحلة الحج التي قادته إلى بلاد الشام ومصر والحجاز، وقد كتب في يومياته “نظرنا إلى القبّة فوق قبر النبي روبين عليه السلام” (النابلسي 1989، ص 421). وبعد حوالي مئة عام، تحديداً في  سنة 1816، زار ضابطان في البحرية البريطانية الموقع خلال رحلة إلى مصر وسورية، ووصفاه على الشكل الآتي:

في الضفة المقابلة لهذا النهر، على هضبة صغيرة، يقع قبر الشيخ (!) روبين، ويحيط به جدار مربّع، مع بعض الأشجار… القبر عبارة عن غرفة  صغيرة مع قبّة فوقه، ومدهون بماء الكلس من الخارج؛ وفي داخله حصيرٌ وجرّة ماء للوضوء قبل الاختلاء للتعبّد… لا يزال الناس حتى يومنا هذا يقطعون النذور في هذا المقام؛ ويحضرون معهم أيضاً مؤونة ويُقيمون احتفالات هناك. (Irby and Mangles 1823, pp. 182-184)

 

زار الإنكليزيان المكان عندما كان محمد أبو نبوت حاكماً على يافا (من 1805 إلى 1818). يُعتبَر أبو نبوت عن حق مهندس إعادة إحياء يافا بعد تدميرها وإبادة سكّانها على يد نابوليون في  سنة 1789. فقد نجح، بفضل شخصيته القوية وطاقاته التي لا حدود لها، في تحويل يافا عاصمةً للمنطقة المحيطة بها، وجعْلِ مرفأها من جديد الميناء التجاري الأساسي لوسط وجنوب  الساحل الفلسطيني. (Kana‘an 2001a, pp. 189-204; Kana‘an 2001b, pp. 120-40). وإلى جانب تحصين المدينة، فعّل إلى حد كبير الأمن والأمان على الطرقات، فازدهرت حركة المسافرين للبلدة  أكثر فأكثر، إذ بات التجّار يعلمون أن بإمكانهم السفر  مع قوافلهم معتمدين على حرّية التحرّك التي لا تعترضها أية عوائق. وفي يافا استثمر مبالغ طائلة في تشييد مبانٍ عامة مهمّة، بينها مسجد رائع وسبُل مياه مصمّمة بإتقان، حيث كان بإمكان المسافرين وحيواناتهم أن يرووا ظمأهم. وإذ ازدهرت مدينة يافا من جديد في عهده، أبدى أبو نبوت بطبيعة الحال اهتماماً شديداً بتطوير مقام النبي روبين أيضاً، الذي يقع على بعد 15 كلم إلى الجنوب، وبتشجيع الموسم السنوي. لهذه الغاية، بنى طريقاً جديداً من الرملة حيث كانت تنطلق الزفّة، مروراً بقرية صرفند التي تقع على بعد خمسة كيلومترات من الرملة، وفي صرفند أنشأ سبيلاً مركزياً في  سنة 1810، وأنشأ بيارة حمضيات بجانبه، وأوقفها لصيانة السبيل طوال العام “لخدمة  ا المسافرين”. وفي وقفيّة البيارة والسبيل، خصّص أبو نبوت 200 قرش من عائدات قرية لصرفند لشيخ القرية في مقابل الحفاظ ورعاية البيارة  الوقفية طوال العام. واشترط أبو نبوت: إذا لحقت أضرار بالسبيل أو لم يعمل كما يجب لسبب من الأسباب، كان بالإمكان تحميل الشيخ المسؤولية وإرغامه على دفع تعويض  عطل وضرر يصل  لخمسة آلاف قرش (سجل، 24 ربيع الأول 1233 ه./27 آذار/مارس 1818، المجلد 4، ص 176). وفي خطوة ذكيّة، أشرك حاكم يافا أيضاً القبائل البدوية المحلية في المشروع ودفع لها لحراسة المقام والحفاظ على الأمن حول سُبل المياه الواقعة عند جوانب الطرقات، وخصّص عائدات مزيد من بيارات  الحمضيات قرب الرملة لصيانة المقام وتسديد نفقات موسم النبي روبين (سجل، 25 ربيع الأول 1290 ه./23 أيار/مايو 1873، المجلد 32، ص 34)، وقد شجّعت هذه البادرة وجهاء يافا على تقديم تبرّعات مماثلة4. وكان منصب متولّي الوقف يُسنَد إلى شخص من أسرة الشيخ أرسلان، وينتقل من جيل إلى آخر. كما شغل المتحدِّرون من سلالة الشيخ أرسلان منصب مفتي الرملة على مر القرون (Abbas 1979, pp. 1-19). نستنتنج من السجلاّت حيث كانت تُدوَّن عادةً الشؤون الإدارية المتعلّقة بالأوقاف، أنه بحلول العام 1830، كان مدخول وقف النبي روبين قد ازداد إلى حد كبير، وتزامن ذلك مع زيادة في النفقات المترتِّبة على الموسم السنوي. وتُظهر الوثائق أيضاً أنه في عهد أبي نبوت وبهدف المساعدة على تغطية تكاليف الموسم، حصل متولّي الوقف على قطعة أرض كبيرة لتأجيرها إلى الفلاّحين (مركز احياء التراث، ملف 10/1، 14/22/16).

يُبيِّن ما تقدّم كيف أن نجاح أبي نبوت في تحويل يافا للمدينة الأهم في جنوب فلسطين بعد القدس، أثي أثر وبشكل مباشر وملحوظ  على الازدهار الذي حقّقه موسم النبي روبين لاحقاً. فبعدما كانت بلدة الرملة تعتزّ بتنظيم الزفّة، انتقلت هذه المكانة تدريجاً إلى يافا، وبحلول منتصف القرن التاسع عشر، لم يعد الاعتبار الأساسي يقتصر على مستوى الاحتفالات ونطاقها، بل بات يشمل أيضاً طبيعتها. نستطيع أن نستشف هنا، أكثر منه في أي موسم آخر في فلسطين، بداية تحوّل واضح في التركيز (سبق أن أشرنا إليه آنفاً) عبر الابتعاد عن المظاهر الدينية والتعبدية  والتوجّه أكثر نحو الطابع “العلماني” والترفيهي للاحتفالات في النبي روبين التي كانت تستقطب سنة تلو الأخرى مزيداً من الحشود القادمة من المدن.

 

المرحلة االعثمانية الأخيرة: “روبين، ابن يعقوب، أبيكم!”

التحوّل نحو الطابع العلماني الذي أشرنا إليه للتو، ينعكس على وجه التحديد في الكتابات القليلة التي وصف فيها أشخاص غير مسلمين، ولا سيما أجانب، جذبتهم الاحتفالات في تلك الفترة، الموسم خلال المرحلة العثمانية الأخيرة. لقد تعرّفنا إلى القنصل فين الذي شاهد سريعاً في العام 1855 – بدافع الفضول أكثر منه الاهتمام الحقيقي، وخير دليل على ذلك كلامه عن “الفلاح القذر الذي يلوّح بملاءة من القماش المخملي الأخضر” – الموكب البهيج الذي انطلق من الرملة إلى النبي روبين. ولم يلاحظ فين أيضاً أن الحشد الذي تألّف منه الموكب كان يضمّ أشخاصاً من مختلف الأطياف في البلدة، رجالاً ونساءً وأولاداً، كباراً وصغاراً، والأهم على الأرجح أنهم لم يكونوا مسلمين فقط بل كان هناك أيضاً مسيحيون ويهود من أبناء البلدة.

إلا أننا نقع على وصف أكثر اطّلاعاً ودقّة عن الاحتفالات في المقام وانطلاقة الزفّة، إنما هذه المرة من يافا، بقلم شخص يدعى مير همبرغر الذي أخبر قرّاءه الأوروبيين في أيلول / سبتمبر 1867 من اليهود الأشكناز في تقرير له عن مقام النبي روبين نُشِر في الصحيفة العبرية Hamagid:

المكان كبير جداً، وفيه الكثير من الماء، وإلى جانب الضريح أيضاً هناك بئر ماء عذب وأشجار تُظلِّل القبر. وفوق القبر قبّةٌ كبيرة مع فتحتَين يجتمع آلاف الإسماعيليين القادمين من المنطقة بأسرها تحتها طوال شهر كامل للصلاة في أواخر الصيف… هناك مختلف ضروب المأكولات والمشروبات. (Hamagid، 10 تشرين الأول / أكتوبر 1867، عدد 315)

 

وقد أُعجِب همبرغر كثيراً بـ”المخيّم الكبير” في المقام خلال الموسم:

البعض يُقيمون في خيم، والفقراء بينهم يصنعون سقائف من القصب للاحتماء من أشعّة الشمس. منذ بداية الشهر حتى نهايته، يتوزّع في المكان ما لا يقلّ عن 500 خيمة، ويُقيم نحو 2000 شخص في سقائف من القصب، وهذا العام، كان هناك أكثر من 5000 إسماعيلي [مسلم]، من رجال ونساء وأولاد. (Hamagid، 10 تشرين الأول / أكتوبر 1867، عدد 315)

 

يحرص مراسل Hamagid على إخبار قرّائه كيف لاقاه مسلمو البلدة (“أولاد إسماعيل”) معربين عن احترامهم الشديد لليهود، لا سيما من يحملون اسم روبين، وسألوه لماذا لا يأتي اليهود للصلاة عند ضريح النبي روبين، فهم ليس لديهم ما يخشونه، كما أن روبين هو “ابن يعقوب، أبيكم!” أما بالنسبة إلى الزفّة من يافا وقطعة القماش المخملي فوق القبر، فمن الواضح أن همبرغر يملك معلومات وافية في هذا المجال:

كل عام، يُصنَع غطاء جديد من الصوف الأخضر المطرَّز بالحرير مع كتابات متنوِّعة، وفيما يُحمَل الغطاء المرفوع على أربع ركائز عبر شوارع مدينتنا مصحوباً بالأناشيد والتهليل، برفقة أحبارهم [مشايخهم]، يُسمَح للنساء والأولاد بالمرور تحته ليجلب لهم الحظ السعيد. (Hamagid، 10 تشرين الأول / أكتوبر 1867، عدد 315)

كان للموسم أيضاً جانبٌ يجمع بين الطابعَين الديني والثقافي- الاجتماعي (لم يأتِ همبرغر على ذكره)، ويتمثّل في ختان الأولاد الذكور لدى العائلات المسلمة في يافا. هنا أيضاً كانت قطعة القماش الخضراء تؤدّي دوراً محورياً حيث كان جميع الصبيان يمرّون تحتها خلال الزفّة، فيما تؤدّى طقوس الختان لاحقاً في جوار الضريح مصحوبةً بالكثير من الاحتفال. وكانت هذه المناسبة مهمّة للغاية إلى درجة أنها كانت تُستعمَل بمثابة علامة زمنية في السجلات، حيث كان يرد “وقت الزفة للختان في روبين” (سجل، 5 شعبان 1277 ـ 16  شباط / فبراير 1861، المجلد 22 ، ص 53).

وتنبع أهمّية الوصف الذي يستعرضه همبرغر أيضاً من الطريقة التي ينظر بها إلى أبعد من النشاطات الدينية، فيوجّه انتباه قرّائه، ولو بصورة وجيزة، نحو الطابع الاجتماعي الواضح للموسم. فهو يُصوِّر المخيّم المؤقّت على الشواطئ الرملية لمقام النبي روبين بأنه موقع الاستجمام العائلي الأهم لسكّان يافا والمنطقة المجاورة، حيث يُمضون شهراً كاملاً في أواخر الصيف، وتستمتع عائلات بأسرها، من رجال ونساء وأولاد، بـ”مختلف ضروب المأكولات والمشروبات”. إذا كنت أتوقّف مطوّلاً عند رواية همبرغر، فالسبب هو أننا لا نملك سوى عدد قليل جداً من الوثائق المعاصرة التي يمكن أن تساعدنا على رصد التطوّر التاريخي لمقام النبي روبين بوضوح أكبر، هذا فضلاً عن أن كتاباته (“خيم وسقائف من القصب… أكثر من 5000 شخص من رجال ونساء وأولاد”)، وهذه نقطة أساسية، تُقدِّم دلالة إضافية على أن التقاليد الاجتماعية والمعايير الثقافية التي كانت تقوم على الفصل بين الرجال والنساء في البلدة، لم تكن تُراعى تماماً على الشاطئ في مقام النبي روبين.

 

الاقتصاد

في المرحلة نفسها تقريباً، وفي إطار الإصلاحات العامة للإدارة العثمانية في ستّينات القرن التاسع عشر،  طلبت وزارة الاوقاف العثمانية من متولّي وقف  مقام النبي روبين رسمياً المباشرة بالاحتفاظ بسجلاّت سنوية مفصَّلة عن الموازنات اللازمة لتنظيم الموسم والاعتناء بمنطقة الضريح بكاملها. تُظهر التقارير المالية لسنة  1869 / 1870 أن الدخل المتراكم من وقف النبي روبين كان كبيراً بما يكفي لتغطية معظم الخدمات التي قُدِّمَت إلى الحجّاج. وقد تضمّنت أملاك الوقف التي وُضِعَت في تصرّف مقام النبي روبين، كما أشرنا آنفاً، أراضي زراعية واسعة كانت تؤجَّر للفلاّحين في المنطقة، وكان ثلث المحاصيل يُخصص  للمقام. وكانت هذه الإيجارات تؤمِّن للوقف دخلاً سنوياً صافياً يبلغ أربعة آلاف قرش. وإلى جانب بدلات الإيجار، كان الفلاّحون يُسلِّمون إدارة المقام ثلث المحاصيل التي تؤمّنها لهم أراضي الوقف، والتي كانت قيمتها تصل إلى خمسة آلاف قرش في السنة (كانت المحاصيل تتألّف في شكل أساسي من القمح والشوفان والسمسم والذرة الرفيعة والبطيخ). أما إجمالي النفقات فكان يصل إلى 12 ألف قرش، أي أكثر بمعدّل الثلث تقريباً. وكانت وزارة الأوقاف العثمانية تتولّى تغطية مبلغ الثلاثة آلاف قرش المتبقّية (مركز إحياء التراث، ملف 9/2/4،3/286/16، دفتر اامصروفات ومدخولات،  وقف النبي روبين في العام 1286/1869-1870).

تُقدّم هذه السجلاّت لمحة رائعة عن كيفية تأمين الطعام لنحو 5000 شخص كانوا يشاركون في الموسم في ستينات وسبعينات القرن التاسع عشر، حيث كانت تُوزَّع عليهم وجبات مجانية، أي “مختلف ضروب المأكولات والمشروبات” التي تحدّث عنها همبرغر. طوال فترة الاحتفالات، كانت إدارة الوقف تُدير ما يُعرَف بـ”السِّماط” الذي كان يُقدِّم مجموعة متنوّعة من الوجبات الساخنة الأساسية التي تتألّف من الحساء والأرز واللحم والسمك، وكان يوزِّع الخبز الطازج على الحجّاج، وذلك بكلفة إجمالية تبلغ 9000 قرش كانت تتم تغطيتها كاملةً بواسطة الدخل الذي يُجمَع من أراضي الوقف التي كانت تؤجَّر إلى الفلاّحين المحلّيين وحصّة الثلث التي كانوا يُقدِّمونها للوقف من محاصيلهم. كان المخزن الكبير الذي يضم معدّات الطهو والآنية (“مخزن الأدوات المنزلية وما شابه” الذي تحدّث عنه فين) ويشكّل المطبخ المتحرِّك، يُحفَظ في الرملة ويُستقدَم سنوياً إلى مقام النبي روبين بعد تنظيف القدور النحاسية الضخمة جيداً لاستعمالها في الطهو. وكان الوقف يستخدم طهاة محترفين وسواهم من الأشخاص خصّيصاً في موسم الحج للاهتمام بالطهو. هذا فضلاً عن إنفاق مبلغ غير ضئيل على إطعام البغال والحمير والجمال التي كان الحجّاج يستعملونها للتنقّل. وكانت الخيم التي ينصبها الناس، لا سيما الأثرياء والميسورين، تبلغ أحياناً أحجاماً كبيرة جداً، وهو ما سنتطرّق إليه لاحقاً، حيث كانت تحتوي على “غرف” عدّة فضلاً عن مساحة أشبه بالفناء الخاص مسيَّجة بقطعة قماش.

أخيراً، كانت تُنفَق مبالغ كبيرة على أعمال الصيانة المستمرّة. فعلى سبيل المثال، وبما أن المقام كان يقع على الكثبان الرملية، كان يجب تنظيفه سنوياً من كمّيات الرمل الضخمة التي كانت تتجمّع هناك. في  سنة 1869، شملت أعمال الترميم العامة التي أجراها  متولّي الوقف، أبو الحسن الخيري،  تصليحاتٍ في الجدار القديم حول القبر وبوّابة المدخل، وقد جرى قصّ الحجارة الجديدة وتلبيسها في الرملة ثم نُقِلَت إلى الموقع. وقد رفع الخيري تقريراً مفصَّلاً مرفقاً بموادّ أخرى عن هذه التصليحات، إلى مسؤول المنطقة في يافا كي يدققه  ويوافق عليه بعد انتهاء الموسم، ثم سُلِّم التقرير إلى وزارة الأوقاف في اسطنبول التي كانت ستتولّى تغطية النقص في الموازنة البالغ ثلاثة آلاف قرش (مركز احياء التراث ، ملف 9/2/4،3/286/16، دفتر مصروفات ومدخولات ، وقف النبي روبين  سنوات 1286 – 1869 – 1870).

الخدمات التي أمنها  متولي وقف مقام النبي روبين    تحوّلت عرفاً مع مرور الزمن، وتضمنتها  رسائل تعيينهم والتي لا تزال اثنتان منها محفوظتَين في سجل يافا. الرسالة الأولى تعود إلى  سنة 1867 وتروي قصّة تعيين الشيخ أبو محسن الخيري بعد اتّهام سلفه أبو السعود الخيري، بالغش واعفائه من منصب المتولّي (سجل، 21 جمادى الثانية 1284/20 تشرين الأول / أكتوبر 1867، المجلد 29، ص 33).

وقد ورد في رسالة تعيين ثانية تعود إلى  سنة 1886، أن “متولّي الوقف المعيَّن حديثاً، الشيخ عبد المجيد أفندي التاجي، من أعيان أهالي قصبة الرملة البيضاء ، … ونظرا لكونه يصرف واردات الوقف المذكور حسب التعامل القديم الجاري على ما يلزم للمقام الشريف … من التعمير وعلى اطعامية الواردين والمترددين لزيارة ذلك لزيارة ذلك المقام الشريف … من قديم الزمان، وله موسم في كل عام، تهرع لزيارته الناس من شواسع أقطار الأرض ويصنع في تكيته التي تتخذ الموايد(!) الكافية للفقراء والزائرين في أوقات الموسم كما هو التعامل القديم”.    (سجل، 21 شوال 1303/23 تموز / يوليو1886).

تُظهر تقارير المتولّي في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، حدوث زيادة في نفقات المطبخ وفي كمّيات الطعام التي كانت تُحضَّر خلال الموسم، في إشارة إلى تزايد أعداد الحجّاج. وفي موازاة ذلك، سُجِّلَت زيادة في مداخيل أملاك الوقف: فمع النمو في الأراضي المستأجرة، زادت أيضاً المحاصيل. ونجد لأول مرّة، في مطلع القرن العشرين، إشارةً إلى السكّر والقهوة ضمن لوائح المشتريات (مركز احياء التراث ، ملف 9/2/3،15/308/16).

مع توسّع نطاق الموسم أكثر فأكثر، وتحوّل المقام محطة استقطاب أساسية للسكّان من مختلف أنحاء منطقة يافا، حصل متولّي الوقف في تسعينات القرن التاسع عشر، الشيخ عبد المجيد أفندي التاجي، على الموافقة من هيئة الوقف والسلطات في القضاء  لتوسيع مجمّع الضريح وبناء مسجد كبير بجانبه مئذنة (مركز احياء التراث ، ملف 3/4،4/328/16؛ 3/1،4/307/16)5.

لذلك ليس مفاجئاً أن نعلم أنه في أواخر الحقبة العثمانية، كانت احتفالات موسم النبي روبين قد انتزعت لنفسها مكانة راسخة جعلت منها المهرجان الشعبي الأساسي، في يافا في المقام الأوّل، ومن ثم أيضاً في اللد والرملة، وبدرجة أقل في غزة. صحيح أن المتولّي ظلّ يعيش في الرملة، وبقي مسؤولاً عن إحضار أدوات المطبخ وكل المعدّات الأخرى اللازمة في الموسم والزفّة السنوية إلى المقام، لكن،  وبحلول مطلع القرن العشرين اضطلعت يافا بالدور المحوري في تنظيم الموسم وصيانة مقام النبي روبين.

 

الاحتفالات

تمحور موسم التبي روبين  حول احتفالَين أساسيَّين: زفّة ثوب روبين (فلسطين، 31 آب / أغسطس 1912: ص 3)، وزفّة علَم روبين أو فقط زفّة روبين (فلسطين، 20 آب / أغسطس 1933: ص   3).

كانت زفّة ثوب روبين تتم أولاً في البلدات، أي في يافا والرملة واللد، ثم تُكرَّر في المقام نفسه بعد نحو أسبوعَين، وشارك فيها سكان هده البلدات  ونصبوا خيامهم في منطقة الكثبان (فلسطين، 20 أيلول / سبتمبر 1913: ص 1).

الزفة في الفولكلور الفلسطيني عبارة عن مسيرة حاشدة ومفعمة بالبهجة تتألّف عادةً من أفراد العائلة والأصدقاء وسواهم من الأشخاص الذين يرافقون العريس فيما يستعدّ للقاء عروسه في يوم زفافهما6. كانت النساء اللواتي يسرن خلف الرجال وينشدن أناشيد الفرح والسعادة، يحملن ملابس العريس الجديدة ويرفعنها عالياً كي يرتديها بعد الاستحمام. ثم يمتطي جواداً، ويرافقه الحشد وهم يتابعون الرقص ويغنّون ويتبارزون بالسيف طوال الطريق المؤدّي إلى منزل أسرة العروس.

إطلاق تسمية الزفّة على المحطّة الأولى في احتفالات روبين دليلٌ على أن المسيرة كانت بالنسبة إليهم مناسبة احتفالية ومفعمة بالبهجة إلى حد كبير. كان علَم روبين وثوبه اللذان كانا يُرفَعان عالياً خلال الزفة يرمزان إلى العريس الذي كان الجميع يريدون مشاركته في يوم عرسه. كانت الزفّة تبدأ مباشرةً بعد صلاة الظهر، فكان المتولّي يرفع عالياً مفتاح الغرفة في جامع المحمودية (الجامع الكبير) في يافا حيث كانت تُحفَظ الأعلام خلال العام إلى جانب الآلات الموسيقية التي كانوا يعزفون عليها لمرافقة الصوفيين الذين يقودون الزفّة. وكُتِبَت على الأعلام شعاراتٌ مثل “لا إله إلا الله، روبين نبي الله”، أو “لا إله إلا الله، روبين محبوب الله”. وكانت حشود غفيرة تنضمّ إليهم في الطرف المقابل من المسجد.

وكان المسؤولون العثمانيون الكبار يحرصون على الحضور خلال الموسم، كما تُبيِّن تقارير الصحف التي ترد أسماؤهم فيها. فعلى سبيل المثال، في أيلول / سبتمبر 1913، تحدّثت صحيفة “فلسطين” عن وصول متصرّف القدس وحاشيته:

“قدم الثغر … عطوفة متصرفنا ماجد بك وركب أمس بعد الظهر بصحبة سعادة قائمقامنا هاشم بك وأصحاب المعزة عمر أفندي [البيطار] رئيس بلديتنا وجلال بك رئيس محكمة جزاء القدس وقومندان جاندرمة القدس لزيارة النبي روبين عليه السلام ةسيعودون من ه>ه الزيارة مساء الأحد”” (فلسطين،، 13 أيلول / سبتمبر 1913: ص 3.

 

أيام  الانتداب البريطاني: “يأتين مرتديات أفخم الملابس ومتزيِّنات بأرقى الحلى”

ازدادت بصورة لافتة التقارير المنشورة في الصحافة الفلسطينية عن الاحتفالات في يافا ومقام روبين، لا سيما في صحيفة “فلسطين” الصادرة في يافا، حتى إنها كانت تُجنِّد أحياناً مراسلاً دائماً لتغطية أحداث الموسم. أما في الصحافة الصهيونية، فقد برزت صحيفة “حزب العمل”، Davar، الصادرة في  تل أبيب التي لم يكن قد مضى عشرون عاماً على تأسيسها، والتي أظهرت اهتماماً كبيراً بالاحتفالات في يافا، فأطلعت قرّاءها على خلفيّتها التاريخية، وعلى طبيعة المقام ونطاقه، وكان مراسل خاص يُعدّ تقارير من المكان خلال الموسم. فعلى سبيل المثال كتبت Davar في سنة 1928:

تُعلَن انطلاقة الموسم بنقل الأعلام من مساجد يافا واللد والرملة في زفّة تهدف إلى حشد أعداد غفيرة من الناس للحجّ إلى ضريح النبي. يسير في الطليعة المنظِّمون الذين هم متولّو الوقف، يليهم الشيوخ، ومجموعات الدراويش، والموظّفون الدينيون، ثم عناصر مسلّحة من حرس الشرطة، والحشود في المؤخّرة (Davar، 20 آب/أغسطس 1928:ص. 3).

في سنة 1930، كتبت صحيفة Davar تحت عنوان “مهرجان النبي روبين في يافا”، كيف تحتفل المدينة بـ”زفة الثوب” التقليدية إلى مقام النبي روبين:

أُحضِرَت الأعلام القديمة والصنوج والطبول من الزاوية الصوفية في الجامع الكبير، وانطلقت الحشود على الطريق القديم من شارع المرفأ مروراً بأزقّة المدينة القديمة وصولاً إلى شارع العجمي ثم عادت إلى الجامع في غضون ثلاث ساعات تقريباً… كانت هناك أحصنة مزيَّنة يمتطيها صبيةٌ يستعدّون للختان. وإلى جانب الأولاد، كانت الجياد تحمل على ظهرها حزماً من الملابس والأقمشة المطرَّزة، وتُرفَع أمامها تماثيل متنوِّعة فيما كانت فرقةٌ موسيقية من دار الأيتام التابع لمجلس القدس الإسلامي تضيف مزيداً من البهجة إلى الأجواء العامة. وكان الموكب يتوقّف من حين لآخر ليُقدِّم مبارِزون ماهرون يحملون سيوفاً ودروعاً عتيقة، عرضاً أمام الحشود… يُعلن مهرجان الثوب عملياً انطلاقة موسم النبي روبين، حيث يجتمع عشرات آلاف العرب القادمين من المنطقة الساحلية طيلة شهر تقريباً للراحة والاستجمام عند الكثبان الرملية. (Davar، 17 آب/أغسطس 1930:ص. 4) ]

 

يتّضح من الصحافة العربية المحلّية أيضاً أن يافا باتت في الواجهة، فبالكاد يؤتى على ذكر الرملة. كما تُبيِّن الروايات المعاصرة أن زفّتَي العلم والثوب في يافا انتقلتا إلى منتصف آب / أغسطس7، وأن الاحتفالات عند ضريح النبي روبين كانت تبلغ ذروتها مع زفة الثوب في رحاب  المقام بعد أسبوعَين تقريباً من الاحتفالات في يافا8. كانت زفة ثوب روبين تنطلق من الجسر فوق نهر روبين بمشاركة مجموعات صوفية من يافا والرملة واللد، إلى جانب أعداد كبيرة من أفنديات  تلك البلدات، ورؤساء المجلس الإسلامي الأعلى، وقياديين فلسطينيين كبار، فضلاً عن آلاف المشاركين الذين يبدأون بالتوافد إلى المكان فور انتهاء زفة الثوب في يافا (فلسطين، 23 آب / أغسطس 1933: 6؛ 31 آب / أغسطس 1933:ص. 5).

كما ذكرنا آنفاً، كانت زفة الثوب تتم بعد زفة العلَم أي الزفة الكبيرة داخل يافا. في مطلع ثلاثينات القرن العشرين، تمّت هذه الزفّات في خضم أوضاع سياسية حادة وأمنية متردية  بعدما تيقن  الناس، كيف أن البريطانيين، وبدلاً من ترسيخ استقلال فلسطين  التي انتدبتهم  عصبة الأمم  عليها، يعملون فعلياً على تمهيد الطريق أمام قيام “الوطن القومي اليهودي” الذي وعدوا الصهاينة به في إعلان بلفور9. وقد تعزّزت هواجس الفسطينيين  من أن البريطانيين يديرون الأمور بطريقة ستؤدّي إلى سرقة بلادهم  منهم عن طريق الخداع، فاندلعت الثورة الكبرى في العام 1936، والتي كانت شرارتها قمع البريطانيين للإضراب العام الذي نُفِّذ في أيار / مايو من العام نفسه، حيث فتحت الشرطة البريطانية النار على المتظاهرين في يافا (Pappe 2004, p. 106; Swedenburg 1993, pp. 467-502; Yazbak 2000: 93-113). ولذلك كان محتوماً أن تكتسب مواسم سنوات الثورة إيحاءات قومية واضحة، مع رفع المشاركين أعلاماً ورموزاً فلسطينية في الزفّات وإطلاقهم هتافات سياسية، ومع استخدام السياسيين الاحتفالات منصّة سياسية لاستقطاب الحشود (فلسطين، 20 أيلول / سبتمبر 1933: ص. 3)10.

كانت زفّة العلم تنطلق من جامع المحمودية باتّجاه مرفأ يافا حيث كان بحّارة يافا يرحّبون بالمنظّمين الذين يتقدّمون الموكب، وينضمّون إليه رافعين راياتهم التي كانت تُحفَظ في مقرّهم الخاص وليس في المسجد، في دليل على الموقع النافذ لمنظّمتهم11. ومن المرفأ، تتوجّه الزفّة نحو قلعة يافا ثم تعبر الأسواق والأزقّة في المدينة القديمة، وتعود إلى ساحة الجامع الكبير حيث تُعاد الأعلام والآلات الموسيقية إلى مكاتب الوقف المحاذية للمسجد. وفي هذا الوقت أيضاً، يُعلن متولّي الوقف موعد زفّة الثوب التي تنطلق مجدداً من مكاتب الوقف في الجامع الكبير باتّجاه مقام النبي روبين. في اليوم المحدّد الذي يشهد الاحتفالات الأكبر – ويُحرَص دائماً على أن يصادف في يوم يكون فيه البدر كاملاً – تنطلق الزفّة مع الثوب، أي الغطاء المخملي الأخضر والمطرَّز بالأسود الذي يحل مكان الغطاء الذي وُضِع على ضريح روبين في العام السابق. يتقدّم الزفّة مبارِزون يحملون سيوفهم ودروعهم، فيما تنشد الحشود “شوباش” (مدائح) النبي روبين، لكن الأجواء كانت تصدح أيضاً بالأناشيد والهتافات السياسية التي كان الناس يعبِّرون من خلالها عن غضبهم من المسار المشؤوم الذي تسلكه الأحداث في البلاد (Davar، 26 تشرين الثاني/نوفمبر 1934؛ البوّاب 2003، المجلد 2، ص 1355). وكانت الزفّة تتوقّف في ضواحي يافا الجنوبية، ومن هناك كانت الحشود تُكمل طريقها سيراً على الأقدام أو على ظهر الجمال التي كانت تُزيَّن خصيصاً للمناسبة. كما أن  المركبات الآلية بدأت تحلّ تدريجاً مكان الجمال والبغال. ولاحقاً، بدأت شركة الحافلات المملوكة من عائلة بامية تُسيِّر حافلات بانتظام ثلاث مرات في اليوم بين يافا والنبي روبين، كما بدأ الميسورون في يافا يستأجرون حافلات لتقلّ عائلاتهم بكاملها من المقام وإليه (البواب 2003، المجلد 2، ص 1355).

لدى وصول الحجّاج إلى الجسر فوق نهر روبين، على بعد نحو كيلومتر من المقام، كانوا يتوزّعون من جديد كما في زفّة الثوب التي جاءت بهم إلى ضواحي يافا. ففي المقدّمة كان يقف حملَة أعلام يافا والرملة واللد والقرى المجاورة، يليهم الصوفيون، والدراويش الذين يقرعون الطبول ويعزفون على آلات موسيقية أخرى، ثم المسؤولون في المجلس الإسلامي الأعلى وسواهم من نبلاء البلدة والمنطقة. وفي المؤخّرة حشودٌ غفيرة من الرجال والنساء والأولاد الذين يشكّلون الجسم الأساسي في الزفّة ويواصلون الإنشاد حتى بلوغ المقام (للاطّلاع على أمثلة عن تلك الأناشيد، انظر البواب 2003، المجلد 2، ص 1354). وكانت الزفّة تنتهي بالصلوات، ثم يبدأ السِّماط حيث تُوزَّع على آلاف المشارِكين أولى الوجبات التي يؤمّنها الوقف طيلة الموسم الممتدّ لشهر كامل.

قبل استخدام السيارات والحافلات، كان الناس يستعملون الجمال في شكل أساسي للانتقال من يافا إلى مقام النبي روبين. فبما أن الجمال تستطيع أن تنقل بسهولة حمولة يصل وزنها إلى 300 كلغ، كانت تُعتبَر الوسيلة المفضَّلة لنقل الحمضيات من البساتين الواقعة في المنطقة المحيطة بالبلدة إلى سوق يافا ومرفئها. كان موسم النبي روبين يسبق قطاف الحمضيات، ولذلك كان يشكّل بالنسبة إلى العدد الكبير من البدو وأصحاب الجمال  في منطقة يافا، مصدراً ميموناً لتأمين دخل إضافي: ويتحدّث سكان يافا في مذكّراتهم عن “قوافل الجمال المزركشة” التي كانت تتنقّل بين يافا ومقام النبي روبين طوال فترة الموسم (جداي 2003، ص 25، أبو الجبين 2005، ص 76، أبو الجبين 2009: 29؛ الرنتيسي 1991، ص 71-73). كانت الأسر الثريّة تستأجر قوافل الجمال لنقل الخيَم الكبيرة والمقتنيات الكثيرة التي كانوا يحضرونها معهم إلى مقام النبي روبين، وكان حجم القافلة يرمز لمكانة العائلة ووضعها الاجتماعي. وكانت نساء هذه العائلات يركبن في هذه القوافل تحت مظلاّت مطرَّزة، وكانت الأكثر ثراء بينهن يأتين مرتديات أفخم الملابس ومتزيِّنات بأرقى الحلى، فيستفدن من الفرصة التي تقدّمها لهنّ احتفالات النبي روبين لاستعراض ثروتهنّ (جداي 2003، ص 25؛ أبو الجبين 2005، ص 76؛ أبو الجبين 2009، ص 29). لكن جميع النساء القادمات إلى مقام النبي روبين كان يُحرّكهنّ الحافز نفسه، فقد كان الموسم يُتيح لهنّ بصورة مؤقّتة فرصة فريدة كي يخرجن من داخل “الجدران الأربعة” الاجتماعية والثقافية لمساحتهن الخاصّة التقليدية، وينضمين إلى الاختلاط المقبول اجتماعياً بين الجنسَين في الميدان العام المشترك الذي يؤمّنه الموسم. تعود سلوى أبو الجبين بالذاكرة إلى يافا في أربعينات القرن العشرين، فتسلّط الضوء في مذكّراتها التي نُشِرَت بعد ستّين عاماً، على الحماسة للانطلاق إلى مقام النبي روبين بعد الاستعدادات التي تستمرّ طيلة العام تقريباً:

كان هذا الموسم من المواسم الذي تنتظره الأمهات والفتيات بفارغ الصبر، أذكر أن الأطفال والأمهات جميعهن يجتمعون في باص واحد ونقضي الطريق ونحن نغني وننشد، وعند وصولنا نجد الرجال وقد نصبوا الخيام الجميلة وكل خيمة حولها حائط مربع من القماش حتى يكون ساترا لأصحاب الخيمة.  والدي يستأجر حافلة لتقلّ فتيات العائلة ونسائها إلى مقام النبي روبين”. (أبو الجبين 2009 ص 29).

 

مدينة الخيَم المؤقّتة

يقع مقام النبي روبين على بعد نحو كيلومترَين من الشاطئ الذي يحمل اسمه: كان شاطئ روبين عبارة عن امتداد واسع من الكثبان الرملية البيضاء التي تظلّ مهجورة طوال العام ما خلا قوافل الجمال التي كانت تعبرها بانتظام خلال سلوكها الطريق الرئيس بين يافا وغزة. كان عدد قليل من الحجّاج يأتي من حين لآخر للصلاة عند الضريح.

لكن اعتباراً من مطلع آب / أغسطس، كانت وتيرة الحركة على الشاطئ ترتفع إلى حد كبير استعداداً للموسم. لم يستطع مراسل صحيفة Davar أن يُخفي دهشته إزاء هذا التحوّل: “وكأنّ عصاً سحرية من قصص ألف ليلة وليلة تمرّ من هناك، فتظهر مدينة من 40 إلى 50 ألف نسمة على الرمال المهجورة” في أقل من شهر – ويسمّيها “مدينة الخيَم” أو “مدينة النبي” (Davar، 20 آب/أغسطس 1928: ص. 3 و13 أيلول/سبتمبر 1928: ص. 3).

بيد أن “السحر” يستند إلى تخطيط شديد الدقّة والتأنّي. فقبل نحو أسبوعَين من الموسم، كان المسؤولون في السلطات المحلّية والمناطقية، ورؤساء بلديات  يافا والرملة واللد، ومأمورو الأوقاف، ومدير دائرة الصحة في المنطقة، ومدير قسم الشرطة يجتمعون في بلدية يافا لمناقشة نقطتَين أساسيّتين: كيفية مراعاة شروط الصحة العامة، وكيفية الحفاظ على الأمن والنظام مع احتشاد الآلاف في المكان. كانت مناطق يافا واللد والرملة – التي يقع مقام النبي روبين ضمن نطاقها معاً – تتحمّل تكاليف التشغيل، إلى جانب المجلس الإسلامي الأعلى الذي كانت تقع على عاتقه مسؤولية إدارة وقف روبين. فعلى سبيل المثال، في مطلع آب / أغسطس 1928، أورد المجلس في تقرير صادر عنه أنه نجح في تجفيف المستنقع قرب نهر روبين عبر بناء سدّ وزرع حرش  من أشجار الكينا هناك، فقضى بذلك على خطر تفشّي الأوبئة المستوطنة في المنطقة مثل الملاريا (مركز إحياء التراث ، ملف 10/23،1/34/16 و10/24،5/28/16؛ فلسطين، 22 آب/أغسطس 1923: ص. 6؛ Davar، 20 آب/أغسطس 1928، ص. 3).  ونعلم أيضاً أن فرقاً طبّية خاصّة كانت تتوافر طوال فترة الموسم، وكان يُطلَب من مفوّض الشرطة في القضاء  نشر عدد كافٍ من عناصر الشرطة للحفاظ على النظام العام والتأكّد من أن المقاهي والأسواق تُقام فقط في الأماكن المخصَّصة لهذا الغرض. وبالطبع كان الحفاظ على النظافة العامة من الأولويّات: كانت توضَع سلسلة من المغاسل العامّة في مناطق محدّدة، ويتولّى فريق من العمّال جمع النفايات بانتظام ونقلها إلى مكبّ خارج المخيّم12.

وكانت تُعطى أولويّة قصوى أيضاً لتأمين مياه الشفة العذبة للجميع. وكانت الآبار الموجودة في منطقة الكثبان تؤدّي دوراً أساسياً في هذا المجال، ولا شكّ في أنها كانت تحتلّ مواقع ملائمة، لكن على بعد كيلومترَين من المقام، كان هناك نهرٌ دافق كانت مياهه قادرة على تلبية مختلف الحاجات: كان حمّالو المياه يجلبونها إلى الخيَم ويبيعونها هناك. ومع تزايد الحشود، عمد المجلس الإسلامي الأعلى إلى تركيب مضخّة فوق مجرى النهر  في  سنة 1922، ولاحقاً حُفِرت آبار جديدة وبُنيت حجر جديدة للمضخّات (مركز إحياء التراث ، ملف 16/28/24،5/10)13.

فضلاً عن ذلك، كانت بلديّة يافا تتحرّك في عملها انطلاقاً من خريطة مفصَّلة أعدّتها عن الموقع المناسب للخيَم بما يتماشى مع الممارسات المعتمدة منذ وقت طويل: كانت مدينة الخيَم تمتدّ على طول الشاطئ وصولاً إلى محاذاة المقام، وكانت الأسواق والمقاهي ومواقع الترفيه الأخرى تتوزَّع حولها (مركز إحياء التراث ، ملف 10/23،1/34/16). كانت خيَم أبناء الرملة تتركّز في الشمال، وخيَم أبناء يافا في الغرب، وكانت المساحة بينهما مخصَّصة لأهل اللد، وحولها خيَم القرويين القادمين من المنطقة. وعلى مقربة من ضفة النهر، كان يقع مخيّم الوقف الذي كان يضمّ الضيوف رفيعي المستوى، والصوفيين من الزوايا المختلفة وما شابه (مركز إحياء التراث ، 16/28/24،5/10، سجل اجتماع اللجنة المنظِّمة بتاريخ 27 آب/أغسطس 1928). كان أفراد النخبة في يافا يحجزون مناطق من سنة إلى أخرى لنصب خيَم عائلاتهم عليها، وكان حجم تلك الخيَم والمبالغ التي تُنفَق عليها تُعتبَر رموزاً عن المكانة الاجتماعية (البواب 2003، المجلد 2: 1362، 1369). وكانت هذه الخيَم تضم أحياناً غرفاً عدّة لأفراد العائلة، إنما أيضاً مساحات عامّة لاستقبال الضيوف وإيوائهم (أبو الجبين 2009، ص 49-50). وكانت العائلات تحاول نصب خيمها على مقربة من خيم أقربائها وأصدقائها: ومن أجل تسهيل التعرّف على مخيّمات العائلات الكبيرة، كانت هذه العائلات ترفع أعلاماً خاصّة عند مدخل منطقتها وفوق خيَمها، فتُضيف مزيداً من الألوان إلى المشهد الزاهي في مدينة الخيَم ككل14.

كتب مراسل صحيفة Davar الذي زار مدينة الخيَم ذات عشيّة في النصف الثاني من الموسم في  سنة 1934:

 

ترجّلنا من السيارة ودخلنا منطقة روبين. وهناك رأينا خيَماً كبيرة وأكواخاً من الألواح والحصائر، تتوزّع كلّها في صفوف في السهل الرملي من أجل ترك مساحات فارغة للمرور… هناك مطاعم ومقاهٍ… وهي لا تختلف عن تلك الموجودة في البلدة إلا في موقعها، فالمطاعم والمقاهي الموجودة أمامنا مزروعة في الرمال… كان الباعة ينادون على بضاعتهم – مأكولات، أدوات منزلية، ألعاب، وأشياء من هذا القبيل… ألحان تتصاعد من علب الموسيقى، وأعداد كبيرة من الناس يجلسون على مقاعد منخفضة ويستمتعون بتدخين النرجيلة – والمشهد بأكمله يجعل الناظر ينسى كلّياً أنه قبل أسبوعَين فقط، كان المكان مجرّد مساحة رملية شاسعة وفارغة لا يلوح فيها حجرٌ أو بشر، وما يُثير الدهشة أيضاً هو أنه بعد أسبوعَين أو أقل، لن يبقى شيءٌ من صخب الحياة في هذه “البلدة” مع “سكّانها” الذين تصل أعدادهم إلى عشرات الألوف. لن يبقى شيء ما عدا المسجد فوق ضريح روبين ومئذنته الطويلة التي تضاء هذا المساء لأداء صلاة الجمعة (Davar، 26 تشرين الثاني/نوفمبر 1934: ص. 3).

“يا بتروبنّي يا بتطلّقني!”

الصورة التي نستشفّها من ذكريات سكّان يافا ومذكّراتهم – تعرّضت يافا بكاملها عملياً للتطهير العرقي في العام 1948 – تكشف مجدداً كيف أصبحت النشاطات ذات الطابع الديني المحض حول مقام النبي روبين ثانويةً بشكل مؤكَّد بحلول ثلاثينات القرن العشرين، إن لم يكن قبل ذلك. الذكريات عن الموسم هي قطعاً “علمانية” الطابع، ويجري تكراراً الإشارة إلى المكان كمصيَف (جداي 2003، ص 25؛ أبو الجبين 2005، ص 76، أبو الجبين 2009، ص 29؛ الرنتيسي 1991، ص 71-73). اللافت في الجزء الأكبر من ذكريات الأشخاص عن موسم النبي روبين هو وصف الرمال النظيفة، وأنواع الترفيه المختلفة التي كانت متوافرة هناك، والأسواق مع أكشاكها المختلفة الكثيرة وبضائعها المتنوِّعة، والمقاهي والمطاعم العديدة التي نادراً ما كانت تفرغ من الزبائن، وهكذا دواليك. أما الممارسات التقويّة لدى الشيوخ الصوفيين، أي ما يُعرَف بحلقات الذكر، أو الأنواع الأخرى من النشاط الديني، فلا يأتون على ذكرها إلا بصورة عابرة جداً إلى درجة أنه يتعذّر رسم صورة كاملة عن الفعاليات الدسنية  التي ظلّت مرتبطة بالموقع. نقع على تلميحات سريعة إلى احتفالات الختان في المقام، أو زيارة النساء لضريح النبي روبين إيفاءً لنذر ما أو من أجل أن يسألن النبي معروفاً ما، لكنها تأتي عرَضاً في سياق الرواية، وسرعان ما يتحوّل التركيز من جديد من الموسم إلى المصيف.

 

يسلّط الفولكلور المحلّي الضوء على الحداثة التي كان مقام النبي روبين يجسّدها وكانت تنتشر شيئاً فشيئاً. فبما أن النشاطات الاجتماعية في المقام كانت أكثر انفتاحاً واسترخاء إلى حد كبير من النشاطات في البلدة، كانت النساء تنتظرن حلول المهرجان بحماسة شديدة: كانت العبارة الشعبية “يا بتروبنّي با بتطلّقني!” (إما تصطحبني إلى روبين وإما تطلّقني) تختصر حجم الترقّب الذي كانت تعيشه النساء، والأهمّية التي كانت احتفالات النبي روبين ترتديها بالنسبة إليهن، حتى ولو كنّ يردّدنها على سبيل المزاح.

كان خيري أبو الجبين يحتفظ بيوميّات ويدوِّن فيها روايات عن يافا “من الذاكرة”. كتب واصفاً مكوث عائلته طوال شهر في مقام النبي روبين في  سنة1937:

 

رجعنا أمس من روبين [ يوم السبت 18 أيلول / سبتمبر 1937]،لأن المدرسة ستفتح ابوابها يوم الإثنين بعد غد. … وقد ذهبت مع العائلة إلى روبين قبل شهر تقريبا بعد أن شاهدت في يافا “زفة الثوب” ا… وكانت فرقة ” الحاج جمعة” الموسيقية النحاسية تشارك في هذا الموكب …وروبين مصيف جميل جداً…وأذكر اننا لم نذهب إلى روبين  في الصيف الماضي بسبب الإضراب [العربي الكبير]. وفي هذه السنة عدنا  للذهاب إلى روبين ولاحظت أن فرق الأندية والكشافة من  يافا والرملة واللد شاركت  في احتفالات الموسم ونصبت الخيام الكبيرة لأفرادها وأقامت الإستعراضات والنشاطات المختلفة هناك. … ويوجد في روبين سينمات ومسارح وهناك أسواق ومقاهي وعيادات أطباء وأفران ومطاعم وكل ما يؤمن للسكان الحياة المريحة ،. (أبو الجبين 2005، ص 76-77.

 

وإذ يصف خيري أبو الجبين كيف كانت عائلته تمضي وقتها، ينقل ببراعة أجواء العطلة في المكان:

في روبين عشنا ببساطة وكنا ننام على الأرض وكنا في إجازةة… و في ساعات الصباح كنا نلعب ونتسامر حول الخيام أو نذهب مع الوالد الى أحد المقاهي المنتشرة في الأسواق وكان والدي يلعب هناك”الورق” أو”الدومينو” …   وفي عصر كل يوم كنا نذهب الى “السبق” أي سباق الخيل الذي كان يجري قرب “المخاضة”  … وكان البعض يذهبون صباح كل يوم من أيام المصيف الى يافا بالسيارات لقضاء أعمالهم ثم يعودون الى روبين في المساء … …وكانت الأسواق في روبين عامرة وكان هناك سوق للسيدات مليء بالأقمشة والفوانيس والأساور وكل ما يلزم للسيدات …  وكان سوق السيدات مقتصرا عليهن في الليل وكنت أذهب مع والدتي الى ذلك السوق.  (أبو الجبين 2005، ص 79؛ انظر أيضاً أبو الجبين 2009، ص 29؛ ملك 1996، ص 62؛ جداي 2003،ص 25، قليوبي 2002، ص 114؛ الرنتيسي 1991، ص 71). كانت صحيفة “فلسطين” تنشر بانتظام تقارير عن روبين، حيث “ضُرِبَت في هذه السنة خيام لأكثر من 35 الف نسمة تواردت من كل صوب وحدب لتستريح هناك مدة شهر من تعب الحياة” ، مع الإشارة إلى عروض السينما التي كانت تُنظَّم في الهواء الطلق في “مدينة الخيَم في روبين” (فلسطين، 20 أيلول / سبتمبر 1913: ص 3.) وكانت الصحيفة تورد دائماً عناوين الأفلام وأسماء الأبطال الذين يؤدّون أدواراً فيها. فعلى سبيل المثال، قدّمت إحدى دور السينما، وكانت تُعرَف بـ “سينما المعرض العربي”، فيلماً بعنوان “أولاد الذوات” في سنة 1932، وفي الأسبوع الثاني من الموسم، عرضت “دار السينما الوطنية” فيلم “5001” من بطولة ممثّلين مصريين معروفين في تلك الحقبة (فلسطين، 22 آب/أغسطس 1923: ص 3).   وتذكر الصحيفة أماكن ترفيهية أخرى، مثل حدائق الملاهي و”اللونابارك” و”جدار الموت”،  “وقد نبّه الضابط شفيق عبد الهادي على أصحاب المقاهي بأن يمنعوا لعب القمار في مقاهيهم وأن لا يجيزوا فيها شيئا من المخدرات أو الخمور” (فلسطين، 227 آب/أغسطس 1933: ص 7)،  في إشارة إلى أن بعض الأشخاص لم يكونوا يُقلعون عن الرذائل خلال العطلة في روبين. يوم الاثنين 28 آب / أغسطس 1933، أرسلت صحيفة “فلسطين” مندوباً إلى مقام النبي روبين الذي كان قد وصل إليه 50000 مصطاف. وبعد ثلاثة أيام، كتب:

لما أن أتمت الفرقة المتجولة الاسلامية بيافا استعدادها لزيارة روبين وجاءت بقطع موسيقية جديدة يعزف عليها أفرادها وهيأت معدات حفلات السهر من مختلف القطع التمثيلية والغنائية، غادرت يافا بكامل أفرادها البالغ عددهم 40 كشافا فوصلوا روبين مساء الأحد وعند نزولهم على المخاضة استقبلوا من الجماهير الحاشدة بالهتاف والترحيب وعزفت موسيقاهم قطعة موسيقية ثم ساروا الى قطعة الأرض التي عينوها لنصب مخيمهم فنصبوه في مدة قصيرة لا تتجاوز الست ساعات بطريقة التعاون بين الأفراد وتمكنوا من رغم ضيق الوقت أن يهيئوا مخيمهم لحفلة سمر كبرى في مساء يوم الاثنين للنساء فكانت حفلة باهرة بمعنى الكلمة القيت فيها القطع الجميلة وكان عدد اللواتي زرنها يزيد على الأربعمائة سيدة.   (فلسطين، 1 أيلول / سبتمبر 1933: ص 6).

في اليوم التالي، يوم الثلاثاء، دعا نادي يافا الرياضي النساء لحضور مسرحيّة لكاتب مسرحي جديد من يافا بعنوان “الحنان القاتل”: “وقد كان التمثيل موفقا غاية التوفيق وكثر عدد الحضور من السيدات، واشترك في تمثيل هذه الرواية نخبة من الممثلين بينهم السيد اديب الكورة ورشاد افندي الدباغ ومصطفى السمهوري والحاج ابراهيم جبر وغيرهم فأبدعوا في تمثيل ادوارهم وخرجت الحاضرات من النساء وكلهن معجبات بما شاهدن” “. (فلسطين، 1 أيلول / سبتمبر 1933: ص. 6).

مساء الأربعاء، بعد مشاركة الفرقة الموسيقية الإسلامية في زفة الثوب، قدّمت حفلة ثانية في الجزء الخاص بها في المخيّم، وكان الحضور يتألّف هذه المرّة من الرجال:

 “وفي مساء الأربعاء –أول من أمس- أحيت الفرقة المتجولة الاسلامية حفلتها الثانية للرجال فهي بعد أن أتمت واجبها باستقبال علم النبي روبين توجهت الى مقرها لتستعد لتهيئة الحفلة وترتيبها. وبعد الغروب برز المقر بحلة جميلة من الأنوار والزينات وكانت المصابيح التي صنعت بأيد عربية موزعة في جميع أنحاء المخيم. وعند منتصف الساعة التاسعة غص المكان بالحضور وكان الأستاذ جميل القدومي قائد الفرقة كالحركة الدائمة لا يهدأ عن اجابة طلبات الضيوف وعن مؤانستهم والترحيب بهم، ولما أن رفع الستار عن رجال الفرقة اعلن عن افتتاح الحفلة فسارت في بهجة وطرب وضحك متواصل، ونظرا لنشاط هذه الفرقة وعملها الدائم لافادة المجتمع بهدوء واخلاص فقد كَثُر أنصارها ومريدوها وانهالت الدعوات عليها من جميع الجهات وممن دعاها فضيلة الشيخ راغب افندي ابو السعود الى حفلة غداء ” (فلسطين، 1 أيلول / سبتمبر 1933:ص. 6).ي الأمسية التالية، قدّمت الفرقة العباسية من الرملة المسرحية الشهيرة “ذي قار” (فلسطين، ص 1 أيلول / سبتمبر 1933: ص. 6).

يتّضح لنا من الإعلانات في صحيفة “فلسطين” أن مغنّين مشهورين وفرقاً مسرحية معروفة كانوا يعودون إلى مقام النبي روبين سنةً تلو الأخرى خلال الموسم، وكانت الصحيفة تحرص على الإعلان عن الحفلات والعروض التي يقدّمونها (على سبيل المثال، فلسطين، 27 آب / أغسطس 1933: ص. 3؛ 29 آب / أغسطس 1933: ص. 5).

في آب / أغسطس 1933، وصف مراسل “فلسطين” روبين بأنه:

 

 “يبدو روبين اليوم في أفخم حلة من الأبهة والعظمة وقد بات الموسم في ابانه وأصبح الزوار يزيد عددهم على ثلاثين الفا … فقد كاد روبين يصبج كالمدينة العامرة في مبانيها ومختلف ملاهيها ومتاجرها ومتنزهاتها. ويقام على أرض براح بين النهر واشجار الكينا بعد ظهر كل يوم سباق للخيل تتوارد اليه الخيول الأصيلة من جميع فلسطين.  ” (فلسطين27 آب / أغسطس 1933:ص. 7).

 

وكانت مباريات المصارعة التي تلي هذه السباقات تستقطب أيضاً أبطالاً من مختلف أنحاء البلاد (فلسطين، 27 آب / أغسطس 1933: ص. 7؛ انظر Davar، 20 آب / أغسطس 1928: ص. 3).

 

“عن مساحات أخرى”

إحدى السمات الأساسية في المعتقدات الشعبية الإسلامية هي مشاركة النساء الكاملة، إلى جانب الرجال، في الحج إلى المقامات المقدّسة، وزياراتهنّ المعتادة إلى أضرحة الأنبياء، سواءً بصورة فردية (بمفردهنّ) أو ضمن مجموعة. في الواقع، فُرِض الحج، ركن الإسلام الخامس، على جميع المؤمنين، نساءً ورجالاً، بالتساوي. وإلى جانب فريضة الحج إلى مكّة، أوصي المؤمنون أيضاً بزيارة ضريح النبي محمد في المدينة. وهذه الوصيّة،  هي مصدر العُرف الذي منح النساء دوراً بارزاً في زيارة الأضرحة المقدّسة. كما أن الأهمّية الكبيرة للأضرحة المقدّسة الإسلامية، لا سيما في فلسطين، هي من الأسباب التي جعلت زيارات النساء إلى هذه الأضرحة جزءاً لا يتجزأ من المعتقدات الشعبية الإسلامية الفلسطينية. لكنْ ثمة جانب آخر يُميّز مشاركة النساء في المواسم والزيارات. فكما أشرنا آنفاً، كان الحجّاج، ولا سيما النساء، يصلّون في هذه المناسبات ويسجدون أمام الضريح، أي في حضرة النبي أو الولّي الذي يرقد بداخله، ويطلبون منه التوسّط لدى الله من أجلهم، كي ينالوا أمنياتهم – الصحة، والثروة، وما إلى هنالك. وكانت النساء يطلبن ذلك لأنفسهن، إنما أيضاً وفي معظم الأحيان، لأزواجهن أو أولادهن أو أهلهن أو سواهم من الأقرباء، ولذلك كانت لدى الرجال في العائلة مصلحة أكيدة في السماح للنساء بزيارة المقامات المقدّسة بمفردهن (Cana’an 1927, p. 213, pp. 235-241).

يُضاف إلى كل ما تقدّم، الخيَم التي كانت تُنصَب بالآلاف على الكثبان الرملية في مدينة الخيَم المؤقّتة في النبي روبين خارج يافا طيلة فترة الموسم الممتدّة لأربعة أسابيع، وتجاورُها الشديد، و”الشوارع” الضيّقة بينها، ووجود غرباء بصورة دائمة في المخيّم إلى جانب أفراد العائلة والأصدقاء، ناهيك عن الأسواق المفتوحة وأماكن الترفيه المتاحة أمام الجميع، فقد ساهمت كل هذه العوامل، بطبيعة الحال وبصورة حتمية، في التساهل في تطبيق الأعراف التي كانت تُمارَس تقليدياً في المدن “الدائمة” لناحية الفصل بين الرجال والنساء. يكفي أن نذكر في هذا الإطار أن النساء كنّ يتردّدن باستمرار إلى الآبار لجلب المياه، والتي كانت تقع أحياناً على بعد مئات الأمتار سيراً على الأقدام من الخيمة العائلية، وأن نتوقّف عند الوصف الذي اقتبسناه آنفاً عن خيري أبو الجبين: “في روبين الحياة بسيطة، تنام على الأرض، كنّا في عطلة”.

إذاً قد نتخيّل أن المدينة المؤقّتة في النبي روبين هي انعكاس لصورة المدينة الدائمة، إلا أنها تبقى مختلفة ولا يمكن اختزالها بها. ولذلك، أعتقد أن النبي روبين شكّل مساحة مضادّة بمعنى الـ”هيتروتوبيا”، أي الفكرة الترحالية بين الواقع والخيال، التي حلّلها ميشال فوكو بأفكار مستنيرة في نصّ قصير بعنوان Of Other Spaces (عن مساحات أخرى)، كتبه في  سنة 1967 لكنه لم يوافق على نشره سوى في 1984 (Foucault 2001). يقول فوكو:

 

ربما في كل ثقافة، وكل حضارة، هناك أماكن حقيقية – أماكن… تتشكّل في أساس المجتمع – هي أشبه بالمواقع المضادّة، نوع من اليوطوبيا الفعلية حيث تتمثّل وتُفنَّد وتُقلَب رأساً على عقب كل المواقع الحقيقية الأخرى الموجودة داخل الثقافة. هذا النوع من الأماكن هو خارج كل مكان، حتى لو كان ممكناً تحديد موقعه في الحقيقة ( Foucault, “Of Other Places”).

 

يصف فوكو في الطوبولوجيا التي يُقيمها، الـ”هيتروتوبيا” بأنها “قادرة على أن تجمع في مكان حقيقي واحد مساحات عدّة، مواقع عدّة غير منسجمة في حدّ ذاتها”، وبأنها “تفترض دائماً منظومة من الفتح والإغلاق تجعلها معزولة وفي الوقت نفسه متاحة للدخول إليها… ومن أجل دخولها، يجب أن يحصل المرء على إذن معيَّن ويقوم ببعض البادرات  ( Foucault, “Of Other Places”).

 

ربما لم يدرك القنصل فين ذلك، لكن هذا هو بالضبط ما شاهده في الرملة: زفة ثوب روبين، المسيرة المفعمة بالبهجة التي كانت تعلن انطلاقة موسم النبي روبين، والتي كانت احتفالية وصاخبة مثل الزفة التي ترافق فيها الحشود العريس للقاء عروسه، وكان الناس يمرّون تحت القماش المخملي الأخضر ويلمسونه استجلاباً للحظ السعيد. ويصبح الموسم، بوصفه هيتروتوبيا بالمعنى الذي تحدّث عنه فوكو، مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بـ”الزمن في وجهه الأكثر دفقاً وزوالاً وهشاشة، كما في المهرجانات. ليست هذه الهيتروتوبيا موجَّهة نحو الأزلي [كان فوكو قد اعتبر في وقت سابق أن المدافن هي هيتروتوبيا]، بل إنها مؤقّتة قطعاً” ( Foucault, “Of Other Places”).

 

ومن الأمثلة التي يسوقها في هذا الإطار “أرض المعارض، هذه المواقع الفارغة الرائعة في ضواحي المدن التي تعجّ بالحياة مرّة أو مرّتين في السنة”، إنما أيضاً “المصايف” مثل “قرى النادي المتوسّطي” التي كانت قد بدأت تكتسب رواجاً في ذلك الوقت15. فلنتذكّر المبارِزين الماهرين، وسباقات الخيل ومباريات المصارعة في النبي روبين، ومجدداً: “الحياة في روبين بسيطة، تنام على حصيرة على الأرض، كنّا في عطلة”.

وماذا عن التحدّي الذي يجمع بين المزاح والجدّية الذي ترفعه نساء يافا في وجه أزواجهنّ: “يا بتروبنّي يا بتطلّقني!”؟ تعبيراً عن معنى “الاختلاف” الذي تولّده الهيتروتوبيا – ويتمثّل في حالة النبي روبين في رفض نساء يافا “للجدران الأربعة” لوجودهنّ التقليدي – يرى فيها فوكو مرآةً “تمارس نوعاً من الإبطال للموقع الذي أحتلّه. فمن زاوية المرآة، أكتشف غيابي من المكان الذي أتواجد فيه لأنني أرى نفسي هناك”. وهذا يولّد الخطوة المهمّة الآتية: “انطلاقاً من هذه النظرة الموجَّهة نحوي، من أرض هذه المساحة الافتراضية في الجهة الأخرى من زجاج المرآة، أبدأ مجدداً بتوجيه ناظريّ نحو نفسي وبإعادة تكوين نفسي هناك حيث أنا“( Foucault, “Of Other Places”).

 

تعكس الطبيعة العلمانية للطريقة التي كان الرجال والنساء يمضون بها وقتهم في النبي روبين، أي العملية التدريجية التي أدّت إلى نزع الطابع المقدّس عن المكان والتي أشرت إليها آنفاً، التمدين والتغيير الاجتماعي اللذين طبعا المجتمع الفلسطيني في شكل عام، وبلدة يافا في شكل خاص، في أواخر الحقبة العثمانية. فالرغبة الشديدة لدى الناس في أخذ قسط من الراحة والابتعاد مؤقتاً عن الروتين اليومي والإجهاد المتزايد لحياتهم اليومية من خلال تمضية عطلة مطوَّلة بعيداً من البلدة، وبحثهم عن “مفرّ” في الاستجمام على شاطئ البحر، تشير إلى الحداثة التي انتشرت شيئاً فشيئاً والتي تتحدّث عنها ريما حمامي في روايتها لذكرياتها عن  سنة 1948. فعلى النقيض من حيفا التي أصبحت بلدة عربية – يهودية “مختلطة” خلال الانتداب البريطاني، ظلت يافا عربية بالكامل تقريباً، فاكتسبت فرادةً في تجسيدها لطابع فلسطين الحديث والكوزموبوليتاني قبل سنة 1948. (Hammami 2010, p. 261).

وما يُميِّز يافا أكثر فأكثر هو الخلاصة المثيرة للاهتمام التي نستمدّها مما تقدّم، وهي أن مدينة الخيَم “المؤقَّتة” في النبي روبين لا تمثّل مجرّد عارض من عوارض الحداثة في يافا أو مفعول من مفاعيلها، بل إن منطقة النبي روبين بحدّ ذاتها كانت مكوّناً أساسياً من مكوّنات تلك الحداثة.

 

خاتمة

 

آخر موسم في النبي روبين كان في العام 1946 (الرنتيسي 1991، ص 73). وقد تسبّب اشتداد العداوة والعنف والهجمات المتكرّرة من قوات الهاغاناه الصهيونية على البلدات والقرى الفلسطينية، بإلغاء الموسم في سنة 1947. وبحلول منتصف تموز / يوليو 1948، تعرّضت بلدات اللد والرملة ويافا مع مناطقها الريفية الداخلية، لتطهير عرقي، فطُرِد 97 في المئة من سكّانها إلى الأردن أو هربوا عبر البحر والبر إلى غزّة. وكانت يافا أولى المدن التي تعرّضت للهجوم: ففي 13 أيار / مايو، قبل يومَين من انتهاء الانتداب البريطاني، استولت القوات الصهيونية التي تألّفت من 5000 جندي، على المدينة بعدما كان  المتطوعون للدفاع عنها والذين بلغ عددهم 1500 شخص، قد ساعدوا السكّان على الصمود في وجه حصار استمرّ ثلاثة أسابيع. وقد طُرِد جميع سكّانها، وكان عددهم 50 ألف نسمة: “دُفِع الناس [بالمعنى الحرفي للكلمة] نحو البحر، حيث راحت الحشود تحاول الصعود على متن زوارق الصيد الصغيرة جداً التي أقلّتهم إلى غزة، فيما كان الجنود اليهود يطلقون النار فوق رؤوسهم للتعجيل في طردهم” (Pappe 2006,pp. 102-3, p. 166; Morris 2004, pp. 110-115, pp. 211-220).

وفي غضون شهر، دُمِّرت اللد والرملة، وهنا أيضاً أرغم الصهاينة 50000 شخص على السير باتّجاه الضفة الغربية والأردن من دون مأكل أو مشرب (Pappe 2006, p. 169). يكتب اسبيرو منيّر في مذكّراته التي صدرت في سنة 1997 ويروي فيها ما شاهده بأمّ العين: “أقام جنود الاحتلال حواجز على كل الطرقات المؤدّية إلى الشرق [انطلاقاً من اللد] وراحوا يفتّشون اللاجئين، لا سيما النساء، ويسرقون مجوهراتهن من أعناقهن ومعاصمهن وأصابعهن، وكل ما هو مخبّأ في ملابسهن، فضلاً عن المال وكل ما هو ثمين وخفيف بحيث يسهل حمله” (Munayer 1998, p. 96).

صادرت دولة إسرائيل كل الأراضي التي كانت تابعة لوقف النبي روبين، ومساحتها الإجمالية 32520 دنماً (للاطلاع على خريطة عقارية للمنطقة، انظر مركز احياء التراث، ملف 10/46،1/22/16). دُمِّر المسجد، أما المئذنة التي تُرِكَت في البداية، فقد هُدِمَت في سنة1991، واقتُلِعت أشجار التوت الضخمة التي كانت مزروعة في فناء الضريح. بقي المقام قائماً لكنه تحوّل إلى موقع ديني يهودي حصراً. ولم يكن الوحيد الذي لقي هذا المصير: فتقريباً كل المقامات التي كانت تشكّل قبل العام 1948 جزءاً من المعالم المقدّسة المشترَكة في فلسطين، صادرتها إسرائيل أو دمّرتها أو قامت بـ”تهويدها” (Yazbak 2009, pp.231-248; Yazbak 2010, pp. 23-46; Benvenisti 2000,, pp. 256-280; Bar 2009, pp. 67-91). تعرّضت مقامات عدّة للإهمال فكان نصيبها الخراب، ونُقِلَت ملكيّة مقامات أخرى من “حارس أملاك الغائبين”، بحسب التسمية الأسرائيلية، إلى دولة إسرائيل التي باعتها على مر السنين إلى مواطنين إسرائيليين (أي يهود حصراً) حوّلوها إلى مطاعم وحانات ومراقص فخمة، في حين استعملوا المقامات الموجودة خارج المدينة حظائر للأبقار (Dumper 1997,pp. 44-62).

اليوم نقرأ في نقش عبري أشبه بالغرافيتي فوق مدخل ضريح النبي روبين: “روبين، ابن يعقوب” (زار الكاتب المقام في 10 تشرين الأول / أكتوبر 2006). نجد بداخله كتب  التوراة وكتاب صلاة عبرياً، وبعض الشموع، وصندوقاً للتبرّع. وقد استُبدِل الثوب، أي قطعة القماش المخملية الخضراء التي تغطّي الضريح وكُتِب عليها بالعربية: “لا إله إلا الله، روبين نبي الله” بستارة حمراء عليها آية من سفر التكوين (إصحاح 49، الآية 3) باللغة العبرية (Benvenisti 2000, p 275).

“رَأُوبَيْنُ، أَنْتَ بِكْرِي، قُوَّتِي وَأَوَّلُ قُدْرَتِي، فَضْلُ الرِّفْعَةِ وَفَضْلُ الْعِزِّ”

هوامش

 

  1. أن تكون مذكّرات القنصل فين أوّل وثيقة مكتوبة وصلت إلينا عن الزفة، دليل إضافي على التحدّيات المنهجية التي يواجهها المؤرِّخون لدى الكتابة عن تاريخ فلسطين؛ إن المصدر المدوَّن الأساسي لمساعدتنا على فهم مجتمع كان زراعيّ الطابع إلى حد كبير، هو سجلات المحاكم الشرعيّة، وقد دُمِّر قسم كبير منها في العام 1948 أو أنه لم يصلنا سوى أجزاء منها. ولحسن الحظ، فإن سجلات يافا التي استعملتُها في كتابة هذا المقال، هي من المجموعة التي صمدت، لكنها تعود فقط إلى مطلع القرن التاسع عشر، مع إعادة بناء البلدة بعد تدميرها على يد قوّات نابوليون.

 

  1. لمزيد من المعلومات عن معنى كلمة “موسم”، انظر Grunebaum (1967, pp. 76-85). يبدو أنّ معظم الكتّاب يتّفقون على أن توقيت الموسم يتزامن ربما مع التاريخ الذي كانت تُنظَّم فيه قديماً مهرجانات تكريماً للطبيعة، ولا يرمز إلى حدث فعلي في سيرة حياة الأولياء التي تغلب عليها الأساطير إلى حد ما.

 

  1. في مؤشّر مهم، تُذكَر الرملة هنا باعتبار أنها المدينة الرئيسة، إذ كان المماليك قد دمّروا بلدة يافا المرفئية في القرن الثالث عشر في إطار استراتيجيتهم الإجمالية التىي هدفت إلى منع القوّات العدوّة التي تهاجمهم من البحر من إحكام سيطرتها على الشاطئ؛ وعلى غرار مدينة طرابلس التي أعيد بناؤها (انظر أعلاه)، تقع الرملة على بعد بضعة أميال نحو الداخل. وفي هذه المرحلة أيضاً، كان نائب قنصل البندقية مثلاً يتّخذ من الرملة مقراً له (انظر Ashtor 1983, p. 462).
  2. يحتوي سجل يافا على مئات الحالات المماثلة، انظر سجل، المجلد 76، ص 41.
  3. تخطّت النفقات لبناء المسجد 50,000 قرش.
  4. لمزيد من التفاصيل عن استعمالات لفظة “الزفة”، انظر Heffening (2010, p. 899, column 2)
  5. بدأ موسم 1930 يوم الجمعة 15 آب / أغسطس، انظر Davar، 17 آب / أغسطس 1930: ص. 4؛ وموسم 1933 بدأ يوم الجمعة 18 آب / أغسطس 1933؛ انظر فلسطين، 23 آب / أغسطس 1933: ص. 2.
  6. أوردت صحيفة “فلسطين” في 23 آب / أغسطس 1933، ص. 2، أن متولّي الوقف في المجلس الإسلامي الأعلى أعلن أن زفة علم روبين قرب مقام روبين ستبدأ في 10 جمادى الثانية – 30 آب / أغسطس 1933، أي بعد اثني عشر يوماً من المهرجان في يافا.
  7. لا شك في أن البريطانيين والفرنسيين تصرّفوا أيضاً بحسب ما يرونه مناسباً في البلدان المنتدَبة الأخرى، أي الأقاليم العربية العثمانية السابقة التي أعادوا رسم حدودها بعد الحرب العالمية الأولى، فقد كتبت باربرا سميث أنه في المقام الأول، “كان تعيين الأراضي بموجب نظام الانتداب أشبه بمنح الدول المنتدِبة سند ملكية مغطّى بقناع رقيق، مما أتاح للدول المشرِفة ترويج مصالحها المتروبوليتية السياسية والاستراتيجية والاقتصادية” (Smith 1993, p. 4).
  8. بعض الشعارات السياسية فضلاً عن الأغاني موثَّقة لدى البواب 2003: المجلد 2، ص 1357.
  9. انظر صور الزفة في فلسطين، 20 آب / أغسطس 1933: ص 3. انظر أيضاً Tamari (2005, pp. 105-107)؛ Davar، 26 تشرين الثاني / نوفمبر 1934. شدّد المراسل على أن البحّارة في يافا كانوا ممثَّلين اجتماعياً ومهنياً من خلال منظّمة نافذة. وخير تعبير عن القوّة التي كانوا يتمتّعون بها كمجموعة اجتماعية هو أنهم كانوا يقودون زفة النبي روبين.
  10. استعانت السلطات المحلية التي كانت تدير موسم النبي روبين بمسؤولين مدنيين أيضاً للمساعدة على حفظ النظام خلال الاحتفالات، انظر فلسطين، 22 آب / أغسطس 1923: ص 6.
  11. سجل اللجنة المسؤولة عن موسم النبي روبين في 7 آب/أغسطس 1928، انظر مركز احياء التراث ، ملف 16/28/24،5/10، أوردت صحيفة “فلسطين” أن لجنة النبي روبين استعانت بنحو 21 مسؤولاً لتنظيف الطرقات داخل المخيم خلال الموسم، انظر فلسطين، 22 آب / أغسطس 1923: ص 6.
  12. في سنة 1933، أوردت صحيفة “فلسطين أن عائلة دجّاني، وهي من النخبة القديمة في يافا، دعت إلى مخيّمها المسؤولين الكبار في إدارة يافا، وأقامت على شرفهم مأدبة غداء احتفالية وفاخرة، انظر فلسطين، 26 آب / أغسطس 1933: ص. 3؛ أبو الجبين 2009، ص 29).
  13. يذكر فوكو قرى النادي المتوسّطي في محاضرته في سنة 1967 (الشريط الصوتي متوافر على العنوان الإلكتروني

http://foucault.info/documents/heteroTopia/foucault.heteroTopia.en.html)؛ في النص المنشور، تُذكَر القرى البولينيزية بدلاً من قرى النادي المتوسّطي كـ”نوع جديد من الهيتروتوبيا المؤقّتة… التي اختُرِعَت حديثاً”.

 

المراجع

الأرشيف

أرشيف مركز إحياء التراث الإسلامي، فلسطين، أبو ديس، القدس.

سجل المحكمة الشرعية في يافا.

 

الصحف

Davar (عبرية)

Hamagid (عبرية)

فلسطين (عربية)

 

المراجع العربية

 

  • أبو الجبين، خيري (2005)، كتاب حكايات عن يافا (عمان: دار الشروق).
  • أبو الجبين، سلوى (2009)، شهادة طالبة من يافا (عمان: دار ورد).
  • البواب، ح. علي (2003)، موسوعة يافا الجميلة، مجلّدان. (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر).
  • تماري، سليم (2005)، الجبل ضد البحر : دراسات في إشكاليات الحداثة الفلسطينية ، (رام الله: مواطن، المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية).
  • جداي، فخري (2003)، يافا عروس البحر، (القدس: مطبعة الآباء الفرنسيسكان).
  • الرنتيسي، الياس (1991)، موسم النبي روبين، يافا، عطر مدينة، تحرير امتياز دبي وهشام شرابي، (الناصرة: مركز يافا للأبحاث).
  • السخاوي، م. عبد الرحمن شمس الدين (مجهول التاريخ)، الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، (بيروت: مكتبة الحياة).
  • سرحان، نمر (1989)، موسوعة الفولكلور الفلسطيني، الطبعة الثانية، 3 مجلدات (عمان: البيادر).
  • العارف، عريف (1999)، المفصّل في تاريخ القدس، الطبعة الخامسة (القدس: مكتبة الأندلس).
  • عراف، شكري (1993)، طبقة الأنبياء والأولياء الصالحين في الأرض المقدسة، مجلّدان، (ترشيشة: مطبعة مخول).
  • العسلي، كامل ج. (1990)، موسم النبي موسى في فلسطين، تاريخ الموسم والمقام، (عمان: مطبعة الجامعة الأردنية).
  • العليمي، مجير الدين الحنبلي (1999)، الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل (الخليل: دنديس).
  • القليوبي، طاهر أديب (2002)، رسالة عشق إلى يافا (عمان: مطبعة السنابل).
  • ملك، حنا عيسى (1996)، الجذور اليافية، (القدس: مطبعة الشرق العربية).
  • النابلسي، عبد الغني (1989)، الحقيقة والمجاز في رحلة بلاد الشام ومصر والحجاز – تحقيق رياض عبدالحميد مراد (دمشق: دار المعرفة).
  • الهروي، أبو حسن (1953)، الإشارات إلى معرفة الزيارات، تحرير ج. سوردل-تومين (دمشق: المعهد الفرنسي للدراسات العربية).

 

المراجع الأجنبية

  • Abbas, Ihsan (1979) ‘Hair al-Din al-Ramli’s Fatawa: A New Light on Life in Palestine in the Eleventh/Seventeenth Century’, Die Islamische Welt Zwischen Mittelalter und Neuzeit, eds. U. Haarman and P. Bachman (Beirut: American University of Beirut).
  • Ashtor, Eliyahu (1983) The Levant Trade in the Later Middle Ages (Princeton, N.J.: Princeton University Press).
  • Anabseh, Ghaleb (2006) ‘The Sanctity of the City of ‘Asqalan in the ‘Merits of Literature’ of Palestine: Examination ofMamluk and Ottoman Sources’, Holy Land Studies: A Multidisciplinary Journal vol. 5, no. 2, pp. 187–198.
  • Bar, Doron (2009) ‘Wars and Sacred Space: the Influence of the 1948 War on Sacred Space in the State of Israel’, in Marshal J. Berger et al (eds.), Holy Places in the Israeli-Palestinian Conflict: Confrontation and Co-existence (London and New York: Routledge), pp. 67–91.
  • Benvenisti, Meron (2000) Sacred Landscape: the buried history of the Holy Land since 1948 (Berkeley: University of California Press).
  • Bowman, Glenn (1993) ‘Nationalizing the Sacred: Shrines and Shifting Identities in the Israeli-Occupied Territories’, Man, vol. 28 , no. 3, pp. 431–460.
  • Cana’an, Tawfiq (1927) Mohammedan Saints and Sanctuaries in Palestine (London: Journal of the Palestine Oriental Society).
  • Dumper, Michael (1997) Islam in Israel: Muslim Religious Endowments and the Jewish State (Washington, DC: Institute for Palestine Studies).
  • Foucault, Michel (2001) ‘Des espaces autres’, Architecture, Mouvement, Continuité 5 (October 1984), included in idem, Dits et Écrites (1976–1988), vol. 2 (Paris: Gallimard).
  • Foucault, Michel (N.d.) ‘Of Other Places’, translated from French by Jay Miskowiec, available at http://foucault.info/documents/heteromTopia/foucault.heteroTopia.en.html; Unpaginated.
  • Finn, James (1878) Stirring Times: Records from Jerusalem Consular Chronicles of 1853 to 1856 (London: C. K. Paul).
  • Frenkel, Yehoshu‘a (2001) ‘Baybars and the Sacred Geography of Bilad al-Sham: A Chapter in the Islamization of Syria’s Landscape’, Jerusalem Studies in Arabic and Islam, vol. 25, pp. 153–70.
  • Goitein, S. D. (1966) ‘The Sanctity of Jerusalem and Palestine in Early Islam’, Studies in Islamic History and Institutions (Leiden: Brill), pp. 135–48.
  • Hammami, Rema (2010) ‘Gender, Nakba and Nation: Palestinian Women’s Presence and Absence in the Narration of 1948 Memories’, in Ilan Pappé and Jamil Hilal (eds.), Across theWall: Narratives of Israeli-Palestinian History (London and New York: I.B. Tauris), pp. 235–66.
  • Heffening,W(2010) “Urs’, Encyclopaedia of Islam, Second Edition, vol.X (Lieden: Brill). Irby, Leonard Charles and Mangles James (1823) Travels in Egypt and Nubia, Syria and Asia Minor During the Years 1817 & 1818 (London: T. White).
  • Kana‘an, Ruba (2001a) ‘Two Ottoman sabils in Jaffa (c. 1810–1815): An Architectural and Epigraphical Analysis’, Levant 33, pp. 189–204.
  • Kana‘an, Ruba (2001b) ‘Waqf Architecture and Political self-fashioning: the Construction of the Great Mosque of Jaffa by Muhammad Aga Abu Nabbut’, Muqarnas 18, pp. 120–140.
  • Mayer, L. A. (1933) Saracenic Heraldry: A Survey (Oxford: the Clarendon Press).
  • Meri, W. Joseph (2002) The cult of Saints among Muslims and Jews in Medieval Syria (Oxford: Oxford University Press).
  • Morris, Benny (2004) The Birth of the Palestinian Refugee Problem Revisited (Cambridge: Cambridge University Press).
  • Munayer, Spiro (1998) ‘The Fall of Lydda’, Journal of Palestine Studies vol. 27, no. 4 (1998), (extracts, with an introduction and notes by Walid Khalidi, translated from his Lydda during the Mandate and Occupation Periods, Beirut: Institute of Palestine Studies, 1997).
  • Northrup S. Linda (1998) From Slave to Sultan: The Career of al-Mansur Qalawun and the Consolidation of Mamluk Rule in Egypt and Syria 678–689 A.H./1279–1290 A.D. (Stuttgart: Franz Steiner Verlag).
  • Pappe, Ilan (2004) A History of Modern Palestine: One Land, Two Peoples (Cambridge: Cambridge University Press).
  • al-Qalyubi, Tahir Adib (2006) The Ethnic Cleansing of Palestine (Oxford: Oneworld Publications).
  • Petersen, Andrew (1996) ‘A Preliminary Report on Three Muslim Shrines in Palestine’, Levant 28, pp. 97–113. Smith, J. Barbara (1993) The Roots of Separatism in Palestine. British Economic Policy, 1920–1929 (Syracuse: Syracuse University Press).
  • Schölch, Alexander (1993) Palestine in Transformation, 1856–1882: Studies in Social, Economic and Political Development, translated by William C. Young, Michael C.
  • Gerrity (Washington, D.C.: Institute for Palestine Studies).
  • Sivan, Emmanuel (1971) ‘The Beginning of the Fada’il al-Quds Literature’, Israel Oriental Studies 1: 263–71.
  • wedenburg, Ted (1993) ‘The Role of the Palestinian Peasantry in the Great Revolt (1936–1939)’, in Albert Hourani, Philip S. Khoury and Mary C. Wilson (eds.), The Modern Middle East: A Reader (London and New York: I. B. Tauris), pp. 467–502.
  • Von Grunebaum, E. Gustav (1976) Muhammadan Festivals (London: Curzon Press).
  • Yazbak, Mahmoud (2000) ‘From Poverty to Revolt: Economic Factors in the Outbreak of the 1936 Rebellion in Palestine’, Middle Eastern Studies vol. 36, n. 3, pp. 93–113.
  • Yazbak, Mahmoud (2009) ‘Holy Shrines (Maqamat) in Modern Palestine/Israel’, in M.J. Marshall, Y. Reiter and L. Hammar (eds.), Holy Places in the Israeli-Palestinian Conflict: Confrontation and Co-Existence (London: Routledge), pp. 231–48.
  • Yazbak, Mahmoud —(2010) ‘The Islamic Waqf in Yaffa and the Urban Space: From the Ottoman State to the State of Israel’, Makan (2), pp. 23–46.

بروفيسور ورئيس دائرة تاريخ الشرق الأوسط – جامعة حيفا  [1]

عن adminh

شاهد أيضاً

الأزياء الشعبية في قُرى يافا

   تمتاز الأزياء الشعبية للنساء في قرى فلسطين بشكل عام بالتطريز على الثوب في مواقع محددة بألوان وأشكال ووحدات زخرفية مختلفة ومتنوعة، يتم من خلالها تحديد مصدر الثوب، والقرية التي يمثلها، والوضع الاجتماعي للمرأة تحديداً كان فيما مضى أقرب ما يكون إلى الجزم. غير أن عوامل كثيرة: اجتماعية واقتصادية وسياسية، وما سببته النكبة من  تشتيت وتهجير، أدت إلى اختلاط الأمر، وأصبح التعرف على القرية من خلال أثواب نسائها في الوقت الحاضر أمراً صعباً.