الرئيسية / دراسات ومقالات / أدب شعبي / مقالات / النكتة والقصة المضحكة في انتفاضة 1987 .. أ.د. شريف كناعنة

النكتة والقصة المضحكة في انتفاضة 1987 .. أ.د. شريف كناعنة

النكتة والقصة المضحكة في انتفاضة 1987

 

أ.د. شريف كناعنة*

*أستاذ علم الإنسان والتراث الشعبي والتاريخ الشفوي في جامعة بير زيت. له في هذه الحقول أكثر من ثلاثين كتابا وثمانين بحثا منشورا/ فلسطين

 

لقد حازت انتفاضة 1987 على اهتمام كبير محلياً وعربياً وعالمياً، ونتج عنها الكثير من الألم والحزن والأسى، فقد زاد عدد الشهداء على الألف، ويُعَدُّ الجرحى والمصابون والمشوهون بعشرات الآلاف، بينما زاد عدد المعتقلين والمسجونين على مئة ألف. ولكن، وعلى الرغم من هذا الألم والأسى كله، وربما بسبب هذا الألم والأسى كله، فقد خلقت الانتفاضة عدداً كبيراً من النكات والقصص والنوادر الطريفة التي لا يعرف عن وجودها سوى الفلسطينيين أنفسهم، والأطفال والأحداث منهم بشكل خاص.

 

يرى الفلسطينيون الانتفاضة كمرحلة جديدة محددة وواضحة المعالم في مسيرة نضالهم ضد الاحتلال، وينظرون إليها كأسلوب حياة جديد وكحالة نفسية ضميرية جديدة ومختلفة. وفي هذه المرحلة تدور جميع نشاطات المجتمع الفلسطيني ونواحي حياته حول جهود الانتفاضة، وتأخذ سماتها من الانتفاضة، فهنالك

“توقيت” انتفاضة، وملابس انتفاضة، وطعام انتفاضة، وأسعار انتفاضة، وأجور انتفاضة، وقوانين انتفاضة، ونكات انتفاضة. ويشير الناس إلى هذا الوضع بقولهم “طبيعة انتفاضة” كما يقال تقليديا “طبيعة رمضان” لوصف الحالة الاجتماعية والنفسية التي تسود أثناء شهر الصيام. ويروي الناس لبعضهم قصصاً ونوادر يشيرون إليها بأنها “قصص انتفاضة” أو “نكت انتفاضة”.

تستجيب النكتة والقصة الطريفة للأحداث المحلية والعالمية أسرع من أي لون آخر من ألوان الفلكلور. ولم أكن قبل بداية الانتفاضة أهتم بجمع النكتة أو دراستها، ولكن بعد أشهر قليلة من بداية الانتفاضة بدأت أسمع ما يشير إليه الناس ب “نكت انتفاضة”، فتنبَّهت إلى مقدرة النكتة والقصة المُضحكة على التعايش مع الألم والحزن والأسى، وهو شيء قد لا يقبله المنطق العادي الذي يفترض تناقضاً وتنافياً بين المُحزِن والمُضحِك. ومع اشتداد الانتفاضة، وازدياد البطش والعنف الإسرائيلي معها، أصبح واضحاً أن النكتة والطرفة لا تستطيع فقط التعايش مع الظروف القاسية، بل إنها قد تكون وليدة الظروف القاسية، وربما من متطلبات الحياة ضمنها.

تتميز النكات التي يدعوها الفلسطينيون “نكات الانتفاضة” عن غيرها من النكات في مواضيعها، فهي تدور عادة حول مواضيع ذات علاقة بالانتفاضة مثل: المظاهرات والاعتقالات والإضرابات ورفع الأعلام الفلسطينية والجنود والمُلثَّمين.

 

منهجية البحث ومرحلة الجمع

    لقد بدأتُ بجمع نكات وقصص الانتفاضة في بداية شهر آب – أغسطس 1988، ولم تكن لديَّ في حينه أية فرضيات أو أي إطار نظري محدد، وإنما قمت بتدوين ما سمعته من هذه القصص. ومع مرور الوقت ازداد اهتمامي بهذه القصص وصرتُ أتابعها وأفتش عنها، ثم قمتُ بتجنيد عدد من الطلاب ومساعدي البحث لجمع مثل هذه القصص، ولم نستعمل أية خطة رسمية مُقنَّنة في جمعها وإنما انحصر أسلوبنا في جمع ما نسمعه. وفي المجالس التي لم تكن تُذكر فيها مثل هذه القصص بشكل عفوي، كنا نلجأ إلى قصِّ بعض هذه القصص بأنفسنا مما كان يوجه الحديث في الاتجاه المرغوب، ثم نقوم بتسجيل القصص بعد انتهاء الجلسة. وقد تمكنتُ بهذه الطريقة من جمع ما يزيد على مئتي نكتة ونادرة وقصة طريفة تتعلق بظروف الانتفاضة. وليس لديَّ أي معيار نظري دقيق لإدراج أية قصة أو نكتة – بين ما أسميه “نكت الانتفاضة”- أو استثنائها. والمعيار الوحيد الذي استعملته بهذا الصدد هو الإشارة من قبل فلسطينيين من الضفة الغربية أو قطاع غزَّة إلى القصة بأنها “قصة انتفاضة” أو “نكتة انتفاضة”، وأنهم استجابوا لها كنكتة أو طرفة، أو أنها ذُكِرت في إطار “جلسة نكت انتفاضة” أو أتت كرد فعلٍ أو استجابةٍ لقصة عرفت بأنها “نكتة انتفاضة”.

جاءت مجموعة القصص التي قمت بجمعها من جميع نواحي الضفة والقطاع، وجُمعت خلال مدة عام، من آب-أغسطس 1988 إلى آب-أغسطس 1989. وتتحدث هذه القصص بشكل عام عن أحداث الانتفاضة وظروفها. وقد يشير بعضها إلى بعض الأحداث الحقيقية، ولكن القصص نفسها ليست حقيقية ولا يعتقد مُحدِّثوها بأنها حدثت فعلاً.

النكات جزء من الفلكلور ومن الثقافة، وهي شديدة التأثر بالإطار الثقافي والاجتماعي واللغوي الذي تعيش فيه. ولذا، فقد يصعب نقل بعض هذه النكات إلى لغة غير اللغة العربية، وقد يصعب على غير العرب، وأحياناً على العرب من غير الفلسطينيين الذين عاشوا الانتفاضة، أن يتذوقوها. وقد تختلف حتى بعض الفئات الفلسطينية في مدى تذوقها لهذه القصص، فما يجده الفلسطيني العِلْماني طريفا قد يجده الأصولي ممجوجا، والعكس بالعكس. بعض هذه القصص هي نكات تقليدية معروفة على المستوى المحلي أو العربي أو العالمي، وقد أُجريَت عليها بعض التحويرات والتغييرات كي تتناسب مع ظروف الانتفاضة، بينما بعضها الآخر وليد ظروف الانتفاضة.

سوف لا أتطرق في هذا الموضوع  إلى نقاط نظرية، مثل: تعريف النكتة، أو البحث في الدوافع النفسية الكامنة وراءها أو استجلاء الوظائف النفسية أو الاجتماعية لها، بل إنني سأفترض أنه ينطبق على هذه القصص ما ينطبق على النكتة والقصة الطريفة بشكل عام، وأنتقل من ذلك مباشرة إلى تحليل بعض نواحي المحتويات السطحية والظاهرة لهذه القصص. يتوقف ما يمكن استنتاجه أو استنباطه من أية مجموعة من المعطيات -إلى حد كبير- على الزاوية التي ننظر منها إلى هذه المادة، والأسئلة التي نحاول الإجابة عنها من خلال هذه المادة. وفي مجال تحليلي لهذه القصص سأعتمد على افتراضيْن أعتقد أنهما مقبولان من قبل العاملين في حقل دراسة النكتة بشكل عام.

الافتراض الأول: هو أن جميع أنواع النكتة تحتوي بحكم تعريفها على عنصر التنافس والعدوانية. الافتراض الثاني: هو أن الآلية الرئيسة في النكتة هي التعارض أو التناقض بين حالتين أو واقعين أحدهما متوقع ولكنه لا يظهر في النكتة والآخر غير متوقع ولكنه يظهر في النكتة. بعد قبول هذين الافتراضيْن أتوجه إلى مجموعة القصص المتوفرة لدينا للإجابة عن بعض الأسئلة مثل: من هما طرفا التنافس أو الصراع في هذه القصص؟ من هو الخاسر ومن هو المنتصر في الصراع الذي تصوره هذه القصص؟ وكيف يختلف هذا عن الواقع الحقيقي في الحياة الحقيقية والصراع الحقيقي؟.

المرأة في الانتفاضه الاولى 

ملاحظات حول قصص الانتفاضة

تقسم مجموعة القصص المتوفرة لدينا بالنسبة إلى السؤال الأول حول طرفي التنافس أو الصراع فيها، إلى نوعين عريضين. يدور الصراع في النوع الأول منها، والذي يضم العدد الأكبر من هذه القصص، بين الإسرائيليين والفلسطينيين، بينما يدور الصراع في بقية القصص بين فئات مختلفة من الفلسطينيين أنفسهم.

وإذا نظرنا إلى النوع الأول، والأكثر عدداً من هذه القصص – أي النوع الذي يدور فيه الصراع بين فلسطينيين وإسرائيليين – لوجدنا عددا من النقاط التي تستحق الملاحظة. إحدى هذه الملاحظات أن هذه القصص لا تحتوي على أية نكات عِرْقية، وليس فيها ما من شأنه أن يمُسَّ بشعور الشعب اليهودي كشعب، وفي الحقيقة فإن “الإسرائيلي” في هذه القصص لا يضم أي إسرائيليين مدنيين ولا حتى المستوطنين منهم، وإنما يقتصر على الجنود الإسرائيليين والجيش الإسرائيلي.

كذلك، نلاحظ أن الحالة النفسية والمعنوية التي تعكسها قصص الانتفاضة تختلف كثيراً عما كان شائعاً قبل الانتفاضة، ومع أنني لم أقُم بأي بحث مُقنَّن حول نكات ما قبل الانتفاضة، فإنه من الواضح أن نكات الانتفاضة تعكس نظرة جديدة للإنسان الفلسطيني نحو نفسه بالنسبة لباقي شعوب العالم، وبالنسبة للإسرائيليين بشكل خاص. فقد اختفت منذ بداية الانتفاضة النكات التي كثيراً ما كانت تُظهرالشعور بالعدوانية تجاه الذات وعدم احترام الذات. من هذه القصص مثلاً، ما كان يُحكى عن دكان يبيع أدمغة أتت من شعوب مختلفة، ويكون الدماغ الفلسطيني أو العربي أغلاها ثمنا، وعند السؤال، يوضِّح صاحب الدكان أن السبب في ارتفاع سعر الدماغ الفلسطيني أو العربي أنه “غير مستعمل”.

مثل هذه الروح اختفت منذ بداية الانتفاضة، ولا يوجد ما يشبهها في أية من القصص التي جمعتها. ففي قصص الانتفاضة، عندما يواجه الفلسطيني الإسرائيلي فإن الفلسطيني يكون دائماً متفوقاً على الإسرائيلي، أو مساويا له على الأقل. وتعكس الكثير من القصص تعامل الفلسطيني مع الإسرائيلي تعامل النّد مع النّد. من هذا القبيل مثلاً، القصة التالية التي جمعتها من رام الله في شهر حزيران- يونيو 1989، ويقول فيها الراوي: “في بداية الثمانينيات أغلقت سلطات الاحتلال الإسرائيلية بيت فرد من مجموعة عسكرية من قرية من قرى رام الله. “لما بِدْيَتْ الانتفاضة أجوا الشباب وفتحوا البيت وصلَّحوه ورجَّعوا أهله عليه. في إحدى المداهمات عرف الجيش وسأل الزابط (الضابط) صاحبة البيت: مين سمحلك تفتحي البيت؟ فقالت له: حاكم عسكري البلد سمحلي”.

وهذه قصة مشابهة جُمعت في نفس الفترة من الخليل. “في مدينة الخليل في بداية الانتفاضة كان الشباب يطلبوا من المحلات التجارية أنها تْسَكّر (تغلق)، وبعدين ييجي الجيش يقول: افتحوا! وتتكرر العملية كل يوم عدة مرات. يوم كان صاحب دكان، رجل كبير في السن، مْسَكّر محله وواقف أمامه. أجا الحاكم العسكري الإسرائيلي وطلب منه أن يفتح المحل. وكانت العملية صارت متكررة عدة مرات في هذاك اليوم. فقال الرجل للحاكم العسكري: الحاكم العسكري طلب مني إني أسَكِّر فقال الحاكم العسكري: أنا حاكم عسكري منطقة الخليل وأنا ما طلبت منك تْسَكَّر! فقال الرجل: لأ مش إنت، الحاكم العسكري الفلسطيني”.

نقطة ثالثة تسترعي الانتباه في مجموعة قصص الانتفاضة، وهي أن الفلسطيني في هذه القصص يخرج منتصرا على الإسرائيلي، أو على الأقل متفوقا عليه. وهنا، يُطرح السؤال التالي: كيف يمكن لهذه القصص أن تصور الفلسطيني كمنتصر أو متفوق على الإسرائيلي على الرغم من أن الإسرائيلي في الحقيقة أقوى بكثير من الفلسطيني، وإسرائيل تحتل القسم الأكبر من فلسطين منذ سنة 1948، وباقيها

منذ سنة 1967؟! وبكلمات أخرى فإننا نتساءل عن طبيعة الواقع البديل الذي تصوره هذه القصص، والذي يجعل الفلسطينيين يستظرفونها ويرددونها.

 

طرق انتصار الفلسطيني على العدو

 في قصص الانتفاضة

هنالك طرق عديدة ينتصر فيها الفلسطيني على الإسرائيلي في هذه القصص، وأذكر فيما يلي سبعا منها:

1- هنالك عدد قليل من القصص يتغلب فيها الفلسطيني على الإسرائيلي في صراع جِسْماني. ونلاحظ في مثل هذه الحالات أنه عندما يتغلب الفلسطيني، أو مجموعة من الفلسطينيين، على الجندي الإسرائيلي فإنهم عادة لا يؤذونه وإنما يحاولون تحقيره وإهانته ومن ثم إهانة الجيش الذي ينتمي إليه. وتكون الإهانة في معظم القصص عن طريق نزع ملابسه وإعادته عاريا أو مرتديا سرواله الداخلي فقط، إلى الضابط المسؤول عنه، وقد يطلبون منه تبليغ تحياتهم للضابط. ومن هذه القصص، القصة التالية والتي جمعت من منطقة جنين في شهر نيسان-أبريل 1989. “في بلدة قباطية تعرضت سيارة أحد المستوطنين للرشق بالحجارة فأراد المستوطن أن ينتقم من الشباب وأخذ يلاحقهم داخل البلدة، فما كان من الشباب إلا أن نصبوا له كميناً وألقوا القبض عليه وبعد أن أشبعوه ضرباً أخذوا سلاحه وأفلتوه وقاموا بتسليم السلاح إلى المختار وقالوا له: سلِّم هذا السلاح للحاكم العسكري، وقل له: هذه هدية من ثوار قباطية”.

وهذه قصة مشابهة جُمِعت من غزة في الشهر نفسه. “في مخيم الشاطئ ضَلَّ أحد الجنود طريقه أثناء مطاردة بعض الشباب داخل المخيم في الأزقة الضيقة، وعندما وجد نفسه وحيداً انزوى في القُرْنَة (الزاوية) وأخذ يبكي ويصرخ، فتقدم منه عدد من الشباب وألقوا القبض عليه وأجبروه على خلع ملابسه العسكرية ووضعوها أمام عينيه في الإطار المشتعل، ثم أرشدوه إلى وحدته بعد أن قالوا له: بلغ تحيات الثورة إلى قيادتك يكفيك ما أنت فيه.”

وتكون الإهانة للجندي الإسرائيلي طبعاً أكبر عندما يكون المنتصر عليه ليس رجلا بل فتاة أو امرأة أو مجموعة من النساء الفلسطينيات، كما هو الحال في القصة التالية من جنين. “في مدينة جنين، وفي إحدى المظاهرات، حصلت مشادة كلامية بين فتاة فلسطينية وجندي إسرائيلي، فطلبت منه أن يضع سلاحه جانبا لتريه من الأشجع، هو أم هي. وفعلاً قبل الجندي ووضع سلاحه جانباً، فضربته الفتاة وطرحته أرضا، فأخذ الجندي يصرح ويستنجد، وعندها حضر الجنود وخلَّصوه من بين يدي الفتاة، وضربوها. وهذه قصة مشابهة جُمِعت من غزة في شهر أيار-مايو 1989. “مرة امرَأة طالعة في منع التجول، لقاها الجيش قالها: وين رايحة؟ قالتله: بدي أجيب أكل لأولاد ابني! قالها الزابط (الضابط): ممنوع، روحي عالبيت! قالتله: والله إذا ما حِدِت (ابتعدت) بَضْرُبك! قالها: تعالي اضربي تَشُوف! أجت المَرة (المرأة) هجمت على الزابط ونزلت فيه ضرب. أجا جندي وضربها بالعوزي (الرّشاش)، وقعت على الأرض، راح الجندي حاول الاعتداء عليها، راحت المرأة مسكت رقبته وبدها تخنقه، صار يصرخ ويبكي. أجا الزابط والجنود يشدوا فيها مش قادرين يفلتوا ايديها، أجوا النسوان خلَّصوا الجندي منها وأخذوها”.

وقد يترفع الشباب أحيانا ليس فقط عن إيذاء الجندي الموجود في موقع ضعف بل عن إهانته أيضاً، ويتعاملون معه حسب مبدأ “العفو عند المقدرة” كما يظهر في القصة التالية، والتي جُمِعت من نابلس في شهر تموز- يوليو 1989. “أثناء هجومٍ للجنود داخل البلدة القديمة في نابلس، فقد أحد الجنود طريقه وأخذ يتجول في الأزقة على غير هدى، فما كان من أحد الشبان النشيطين المطاردين إلا أن ذهب إلى الجندي وأمسك بيده ووصَّله إلى وسط البلد حيث باقي الجنود”.

2- يكون النصر المعنوي للطفل الفلسطيني في بعض هذه القصص، بأن يضع الجندي الإسرائيلي نفسه في وضع مُزْرٍ لا يستطيع الطفل الفلسطيني معه إلا أن يضحك منه وينظر إليه نظرة سخرية واستهزاء. من هذا النوع قصة جُمِعت من غزَّة في شهر تشرين الثاني- نوفمبر 1988. “في بداية الانتفاضة كان الشباب يخافون من حرس الحدود، ولكن بعدين صار مثل الجيش العادي. وفي أحد أيام العيد كان الجنود يستعرضون قوتهم أمام الشباب، وكانت دورية تابعة لحرس الحدود، وكان جيب (سيارة عسكرية) واحد ساير (ماشي) لوحده مستهتر بالشباب. وبعدين أسرع الجيب فسقط منه جندي، فهجم عليه الشباب، فمشى الجيش وظل الجندي ماسك بباب الجيب الخلفي وسحبه الجيب حوالي مية متر على ركبتيه، فرفع الشباب علامات النصر وانبسطوا”. وهذه قصة أخرى جُمِعت من غزة في شهر حزيران- يونيو1989. “دورية جيش لحقت شاب كان ضارب عليهم مولوتوف(قنبلة يدوية بدائية الصنع). صار طخ زي المطر، شرد (هرب) واختفى، ونَطْ (قفز) على دار سقفها زينكو. واحد من الجنود شافه، راح نط وراه على الزينكو، إلا الزينكو هابط (وقع) وخَشْ (دخل) سيخ حديد في الجندي، صار يصوت ويصرخ، وفكروا الجنود اللي برَّه إنه الشاب تصاوب وبصرخ، خشًّوا في البيت لاقوا الجندي مرمي بِصَوّت وسيخ الحديد خاشش في جسمه، جابوا طيارة هليكوبتر وأخذوه على المستشفى، والشاب شرد”.

3- ينتصر الطفل الفلسطيني – وأحياناً المرأة الفلسطينية – على الجندي الإسرائيلي في الكثير من هذه القصص عن طريق الحيلة والخدعة، والتي غالبا ما تكون بريئة ولا تُعرِّض الجندي الإسرائيلي إلى خطر جَدِّي ولكن تضعه في وضع يظهر فيه تافها وغبيا. من الأمثلة على هذه القصص القصة التالية من غزَّة.

“في يوم أجَتْ دورية عسكرية في حارة العبيد. الدورية كانت سيارتين جيش. الشباب قسَّموا حالهم قسمين: قسم في أول المنطقة للشرق والقسم الثاني في الآخر من الشمال. الشباب حفروا حفرة كبيرة في الأرض وغطوها بالكرتون زي كمين. تقدَّم الجيش للمنطقة الشمالية، والجيش الثاني راح شرقا… والله أجا مسرع، راح واقع في الجورة (الحفرة) وغَرَّز، وصار هالضرب يشتغل، قزايز(زجاجات)، وشردوا وهم يطخوا. أجوا الشباب حرقوا الجيب وهو محلًّه”. وهذه قصة جُمِعت من طولكرم في تشرين الأول-أكتوبر 1988. “في أولاد صغار في مخيم طولكرم ربطوا طابة (كرة) في رقبة بِسَّة (قطَّة) صغيرة ودخلوها من تحت السياج على المركز. انتبه الحارس واتصل بالمسؤولين. لحقوها بدهم يمسكوها، وقرر رئيس المركز ترحيل كل اللي في المركز. راحت البِسّة دخلت تحت سيارة، أجوا خدَّروا البسة، وأجا خبير المتفجرات، ولما اكتشف إن ما فيهاش إشي أفرغوا سلاحهم بالبسة ورموها على المخيم، والولاد يضحكوا عليهم من بره. الولاد الصغار عملوا جنازة للبسة وصاروا يهتفوا: يا شباب التموا التموا، والبِس ضحَّى بدمه!”. وهذه قصة من مخيم الدهيشة يشترك فيها طفل وأمه في “تدويخ” الجنود الإسرائيليين. “قام أحد الأطفال، يبلغ حوالي العاشرة من العمر، برمي الحجارة على الجيش في أحد أحياء مخيم الدهيشة، وكان يضرب الحجر ويدخل إلى بيت بجانب الموقع الذي يضرب منه. وكل مرَّة كان الجنود يلحقون به إلى البيت فيجدون امرأة تغسل ثياب عائلتها فيفتشون البيت ولا يجدون الطفل. وكان على مسافة غير بعيدة أحد الصحفيين يراقب الوضع أول بأول، وبعد عدة جولات من رمي الحجارة وتفتيش البيت، دخل الصحفي الأجنبي وسأل المرأة أين يذهب الطفل داخل البيت مع أن الجنود فتَّشوا البيت عدة مرات ولم يجدوه. فرفضت المرأة أن تخبره واستمرت في غسل الثياب وهي جالسة. فألحَّ الصحفي في الطلب وأقسم لها بأنه لن يُخبر أحدا بما تقول، فاقتنعت المرأة وقالت: اطلع يَمَّا يا علي! وإذا بالطفل يخرج من تحت ثوبها وهي جالسة تغسل”.

4- في العديد من هذه القصص، ينتصر الطفل أو الشخص الفلسطيني بشكل عام على الجندي أو الضابط الإسرائيلي معنوياً عن طريق الرد على سؤال الإسرائيلي بجواب يُظهر الإسرائيلي بمظهر سخيف ومضحك، وقد يكون في الجواب نوع من الاستهزاء أو الحذلقة، أو التظاهر بالبراءة إلى درجة الهَبَل. وكثيراً ما يصل المجيب إلى هدفه عن طريق ما يمكن أن نسميه (عذرٌ أقبح من ذنب). “كان في مرّة دورية جيش في الخليل واقفة قرب عامود تلفون معلَّق عليه علم فلسطيني. وقَّفت الدورية شاب خليلي وطلبت منه يطلع ينزل العلم عن العامود. أجا الشاب طال علم من عبّه (من داخل ملابسه) وقال للضابط: يا أخي خُذْلك هالعَلم وفُكْ عنّي.” وقد تصل سخافة الضابط الإسرائيلي إلى درجة يضطر معها حتى الخوري إلى الاشتراك في التهكم المُرِّ، كما حدث فرضا، في قرية بيرزيت قرب رام الله. “دورية إسرائيلية دخلت بيرزيت. في الطريق لاقوا الخوري عند باب الكنيسة، وكان موجود علم فلسطيني على رأس الصليب اللي على الكنيسة، وعلم ثاني على رأس شجرة سرو في ساحة الكنيسة. فقال الضابط للخوري متهكما: العلم اللي على رأس الصليب أنا بفهمه، بجوز إنه (الله) حطَّه، لكن العلم اللي على رأس السَّروة شو وصَّلوا لهناك؟! قال له الخوري: هذا يا خواجة محطوط (موضوع) عليها من لما زرعوها.” وهذه قصة من نابلس تُصِّور الضابط الإسرائيلي مشدوها لا يستطيع فهم ما يقوله الشباب. “في أحد أحياء نابلس طارد الجنود شابيْن، فأمسكوا أحدهما وتمكن الآخر من الفرار. ولما سأله الضابط: مين اللي كان معك؟ أجاب الشاب: شو بِعرِّفني! هو جبهة وأنا فتح.”

5- قد يقوم الكبار من الفلسطينيين، ذكوراً وإناثا، بإهانة الجندي أو الضابط الإسرائيلي دون قصد ودون معرفة كما حدث مع سيدة من جنين. “في جنين، لما الشباب بِدْهم (يريدون) يقاهروا الجنود بصيروا ينادوا عليهم “يا هو! يا هومو!” مرَّة امرَأة ابنها اعتقله الجيش، فراحت عند الضابط وقالتله: دَخْلَك يا هومو، من شان الله يا هومو، خليني أشوف ابني”. أو كما حدث مع هذا الرجل من منطقة الخليل. “مرة في قرية بني نعيم، حضر الجيش لاعتقال شاب من بيته فأخذت أخواته يطلقن الشتائم على الجيش: يلعن أبوكم على أبو شامير معكم! وكرَّرنها عدة مرات. فجاء ضابط الدورية على والد الفتيات وقال له: يكفي عاد، عيب، خليهن يسكتن! فصاح الوالد ببناته: خلص عاد، بكفي، يلعن أبوكن على أبو شامير”.

6- قد يربح الفلسطيني الصراع المعنوي في بعض هذه القصص عن طريق الإصرارعلى عدم الاعتراف بالهزيمة، أو الإصرار على أن يقول الكلمة الأخيرة في الجدال مع الضابط أو الجندي الإسرائيلي. “مرّة قام الجيش باقتحام قرية عبوين، فدخل جندي على بيت في القرية وقام بتفتيش البيت. وهو خارج دقت بندقيته بقزاز (زجاج) البرندا (الشرفة)، فبدأ يكسر القزاز بكعب البندقية، فقال صاحب البيت: ليش هذا العمل؟ فعاد الجندي وكسر جهاز التلفزيون. فقال له صاحب البيت: كسِّر كسِّر! ما هي الانتفاضة بتدفعلنا كل اللي بتكسر، فخرج الجندي من البيت غاضباً”. ويظهر الطفل في القصة التالية أقوى من الجنود بسبب قوة إرادته. “ولد عمره حوالي عشر سنين، من عرَّابة، كان مشترك في مظاهرة يضرب حجارة ويُحطْ (يضع) حواجز على الشارع. مسكوه الجنود وضربوه، وحطوه على مقدمة الدبابة حتى يصير ييجي كل الضرب عليه، وصاروا يلفوا في الشوارع فصار يغني بأعلى صوته ما أحلى الموت على بوز (مقدمة) الدبابة!”.

7- إذا فشلت جميع الطرق السابقة فإن الطفل الفلسطيني قد يتغلب معنوياً على الجندي أو الضابط الإسرائيلي بأن يحبط خططه ويضعه في وضع أخلاقي ومعنوي محرج عن طريق موت الطفل. “مرّة في نابلس، أصر الجنود على أحد الأطفال أنه يطلع ينزل علم عن عامود تلفون، فرفض. لما أجبروه بالقوة، طلع حتى وصل حد العلم، وضرب تحية للعلم ورمى نفسه عن عامود التلفون ومات”.

النقد الموجه لبعض فئات المجتمع

نعود الآن إلى النوع الثاني من النكات أو القصص المضحكة، وهو النوع الذي يظهر فيه الصراع بين فئتين من الفلسطينيين، أو تُوجّه فيه فئة فلسطينية عدوانيتها أو انتقاداتها تجاه فئة أخرى من الفلسطينيين.

ويمكن تقسيم هذا النوع من القصص إلى نوعين فرعيين:

النوع الفرعي الأول: تكون العدوانية أو النقد فيه موجهة من فئة تشعر أن فئة أخرى لم تساهم في مجهود الانتفاضة بما فيه الكفاية.

النوع الفرعي الثاني: ويتكون هذا النوع من عدد قليل من النكات التي تدور حول نشاط “المُلثَّمين” الذين يُعتَبرون جنود الانتفاضة ويكونون رأس الحربة فيها.

ومن الفئات التي يُوجه لها الانتقاد في النوع الفرعي الأول في هذه القصص:

 

أ- الأغنياء وأفراد الطبقة الاقتصادية العليا. من هذا النوع القصة التي تقول أن أطفال الأغنياء يلفُّون الحجارة بمحارم الورق قبل إلقائها على الجنود كي لا تتسخ أيديهم، أو يحرقون إطارات السيارات على سِدر نحاس حتى لا يتَّسخ الشارع، أو يلقون الشوكولاته على الجنود بدلاً من الحجارة.

ب- كثيراً ما يوجه الانتقاد في هذه القصص إلى سكان المدن، ، فيقال مثلاً أنهم يرسمون خطا بالطباشير على الشوارع، بدلاً من وضع الحواجز، ثم يقفون وراء الخط ويقولون للجنود: يلعن أبوكم يا كلاب يا نَوَر! انتوا قتلتوا أونكل أبو جهاد!. كذلك يُقال عنهم أنهم بعد انتهاء المظاهرات في المخيمات يخرجون إلى البلاكين (الشرفات) ويهتفون: “نحن معكم، نحن نؤيدكم”.

ج- من المجموعات التي يكثر نحوها الانتقاد مجموعة من الشباب والشابات تعرف بمجموعة “الكِتْكات”، وهو نوع من علب الشوكولاته، والمقصود بذلك أنهم مُرفَّهون ومُتَغَربِنون (نسبةً إلى الغرب). نسمع في إحدى هذه القصص عن شاب من هذه المجموعة يتوَّعد أي جندي قد يصادفه بأنه سيمسكه من كتفه ويقول له: بكرهك، بكرهك، بكرهك. كما تقول قصة أخرى أن فتاة من هذه المجموعة قالت لجندي قام بإهانتها: الله يخرب الفيديو تبع أهلك.

د- أخيراً، نجد بين المُتَّهمين بالتقاعس المثقفين بشكل عام والمعلمين منهم بشكل خاص، وهذه قصة عن أحد المعلمين جُمِعت من غزة في شهر تشرين الثاني- نوفمبر1988، يكتشف فيها المعلم أن التباهي بمعرفة اللغة العبرية لا تفيده. “في شاب اعتقل في معسكر أنصار، وفي غرفة الغيار الداخلية سأله الجندي: أنت بَتحْدف (بترمي) حجارة وبتولع كوشوك (إطار السيارة)؟ قال الشاب: لا يا خواجة، أنا (موريه) أي معلم. فقال الجندي: آه، إذا انت بِتْوز (تشجع) الطلاب انهم يحذفوا حجارة ويولعوا كوشوك! وقام له الجندي وضربه حتى أشبعه”. وهذا معلم آخر يتباهى بمعرفته في حقل الكمبيوتر لكن دون جدوى. “في معلم لغة انجليزية في المزرعة القبلية أوقفه حاجز على مدخل رام الله، وكان وقتها يُمنَع دخول الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 40 سنة. ولما سأل الجندي المعلم عن عمره أجاب: 39 سنة، ولكن عادة الكمبيوتر يحول 39 إلى 40. فقال له الجندي: طيّب، انزل من السيارة وقف على الحاجز حتى يصير عمرك 40 سنة وبعدين بتمر”.

أما النوع الفرعي الثاني والذي يوجه النقد فيه إلى بعض الفئات الفلسطينية المشاركة في الانتفاضة، فقد بدأ يظهر بعد حوالي سنة ونصف من بداية الانتفاضة، أي حوالي منتصف سنة 1989. ويتكون هذا النوع من عدد قليل من النكات التي تدور حول نشاط “الملثمين” الذين يُعتَبرون جنود الانتفاضة ويكونون رأس الحربة فيها. ويظهر أن هذه النكت تبعث تحذيرا للملثمين بأن لا يُسيئوا استعمال الثقة والسلطة التي أعطيت لهم من قبل المجتمع الفلسطيني. هذه اثنتان من هذه النكت. “في امرَأة من الخليل كانت حامل بتوم (توأم)، وقت الجْيابة (الولادة) تعسَّرت جيابتها واستمرت مدة طويلة. واجتمع عدد من الدكاترة لمساعدتها يلبسون الأقنعة الطبية، وأخيرا ظهر رأس أحد الطفلين ولكنه نظر حوله ثم عاد مسرعاً إلى بطن أمه. فسأله التوأم الآخر: شو صار؟ ليش رجعت؟ فقال له: في ملثمين برّه”. والنكتة الثانية، “أصدرت اللجان الشعبية في الخليل منع التجول بعد الساعة السابعة مساء لجميع السكان ما عدا الملثمين، وكل واحد من الملثمين تخبَّأ في مكان معين لمراقبة تنفيذ منع التجول. في واحد من الملثمين شاف واحد مواطن ماشي في الشارع، طخّه حسب الأوامر، أجا مُلثم ثاني قال له: ليش طخيته، بعد الساعة سبعة إلا ربع؟! جاوبه: آه، بس هذا بعرفه، بيته في آخر البلد، بِدًّه على الأقل نصف ساعة تَيِصل”.

نُلخّص في النهاية ما جاء في هذه الدراسة بقولنا: إن نكات الانتفاضة وقصصها المضحكة تعكس واقعا جديدا تظهر فيه العدوانية تجاه الاحتلال والمحتل بشكل رئيسي، وبشكل ثانوي تجاه الذين لا يؤدون واجبهم نحو الانتفاضة بالشكل المطلوب. هنالك أيضاً في هذه القصص تحذير للقائمين على الانتفاضة بأن لا يسيئوا استعمال الأمانة التي وضعها المجتمع الفلسطيني في أيديهم.

عن adminh