الرئيسية / دراسات ومقالات / أدب شعبي / نصوص / حكايات شعبية من العراق

حكايات شعبية من العراق

حكايات شعبية من العراق 

زينب الخفاجي*

*باحثة في الأدب الشعبي – العراق

– وردت الحكايات في دراسة للباحثة بعنوان “الحكاية الشعبية العراقية بحث في الأصول الثقافية” الجامعة المستنصرية – كلية الآداب

   منذ ثلاثينيات القرن الماضي وحتى سبعينياته، ظلت تلعب لوحة (بنت المعيدي) دورا جماليا وثقافيا مدهشا في مخيلة العراقيين، كانوا يعلقونها على جدار غرفة الضيوف إلى جانب صورة صاحب البيت، أو بموازاة صورة الملك غازي ثاني الملوك أو من تلاه من حكام العراق بوصفها ملكة تتربع على عرش الجمال بلا منافس. وكان يحرص الأكثر سعة منهم على تأطيرها وتزجيجها بحيث يستطيع الداخل والخارج من أفراد الأسرة ومن أقاربهم وأصدقائهم  أن يحصل على زاوية مناسبة لمشاهدتها بكل تفاصيلها. حتى أصحاب المقاهي والباعة في دكاكينهم الصغيرة وأصحاب الحمامات العامة والمطبِّبون الشعبيون والحلاقون وصاغة الذهب، لا تعييهم الحيلة في إيجاد مكان مناسب يليق بصورة (بنت المعيدي) يتباهون بتعليقها أمام أنظار زبائنهم، فهي رمز الجمال العراقي الصارخ والحزين. الجميع يسعدهم تأمل ملامح تلك السيدة الصغيرة وهي تطل بنظرتها الحالمة البريئة إلى زاوية الصورة متحاشية النظر مباشرة إلى عين المشاهد.

                                                                                               لوحة بنت المعيدي

يكاد يكون الحديث عن (بنت المعيدي) مدخلا مناسبا للكثير من الأحاديث التي كانت تدور بين الناس آنذاك، بل قد يصبح الحديث عن جمالها وقصتها الغريبة ملاذا شديد الجاذبية عندما لا يجد الناس ما يتحدثون به. استلهم المُغنُّون الشَّعبيون والمسرحيون من جمالها وحكايتها الحزينة أعمالا فنيه لاقت رواجا لافتا، فهذا المطرب الشعبي البحريني عيسى بدر يقول في إحدى أغانيه: (بنت المعيدي سافرت قطر أربعة شهور ما جاني خبر) وفي المسرح قدَّم المخرج العراقي محسن العزاوي مسرحية اعتمدت على حكاية (بنت المعيدي).

في الجنوب يسمونها (ليلى المعيدية)، وهناك من يُصحِّح ويقول أنها (فاطمة، أو جميلة المعيدية)، غير أن الاسم موضع الخلاف قد يختفي، ويكتفي الناس بإطلاق لقب (بنت المعيدي). أما في شمال العراق فيطلقون عليها لقبين: الأكراد يسمونها  (كيجي كافروش) وتعني بالعربية ابنة التَّبَّان، بينما يطلق عليها التركمان اسم (صمانجي قيزي) وتعني ابنة عامل أو بائع التبن. والسؤال هنا: ما حقيقة هذه الصورة؟ ومن هي صاحبتها، هل هي حقا فتاة عربية من منطقة الأهوار في جنوب العراق كما تقول الأسطورة الشعبية، أم أنها فتاة تركمانية من أسرة فقيرة، أم هي كردية لأب يعمل تبَّانا؟ لا أحد يستطيع أن يجزم بحقيقة الصورة، لذا ليس لنا غير تلك الحكايات التي تواترت على ألسنة الناس لسنوات طوال وفي مناطق العراق المختلفة. 

1- حكاية (بنت المعيدي)

  • الحكاية الجنوبية

تقول الحكاية الجنوبية إن بنت المعيدي فتاة من منطقة الأهوار واسمها جميلة، ولدت في عام 1904 في لواء العمارة (حاليا مدينة ميسان) وإحدى الروايات الفرعية تؤكد أنها ابنة فلاح بسيط، بينما ترى رواية ثالثة أنها ابنة أحد مربي الجاموس من سكنة الأهوار الذين يطلق عليهم اسم (المعدان).

تبدأ القصة بحادثة مفادها أن ضابطا إنكليزيا في حقبة الثلاثينيات وكان ضمن الحملة البريطانية على العراق، شاهد بمحض المصادفة هذه المرأة فبهره جمالها، ووقع في غرامها. يسأل الضابط عن عائلتها، ويوسط بعض المقربين من أسرتها للزواج منها، وأمام الرفض الشديد يصل الأمر بهذا العسكري إلى أن يرسل وفدا من وجهاء وشيوخ مدينة العمارة لطلب يد الفتاة الجميلة.. إلا أن والدها وعشيرتها يرفضون بشدة تنفيذ رغبة هذا البريطاني المحتل. وتنقل الرواية عن أحد أعمام الفتاة احتجاجه الشديد بقوله: (أما يكفي احتلالهم للعراق.. هذه المرَّة يريدون الزواج من بناتنا!!). ويتواصل سرد الحكاية إلى منعطف دراماتيكي عندما يُبيِّت الضابط في سره أمرا خطيرا.. فقد وضع خطة لخطف بنت المعيدي والرحيل بها إلى بريطانيا، وبالفعل حقق مراده وخطف الفتاة وحلَّق بها على متن طائرة عسكرية، ليتزوجها وينجب منها ولدا!!

ثم تتشظى نهاية الحكاية إلى حكايات تختتم دائما بنهايات مأساوية. إذ تبيّن لنا أن هذا الضابط  واسمه (نكسن) كان متزوجا، وأن زوجته البريطانية أرادت أن تنتقم من السيدة التي جاء بها زوجها من أهوار الجنوب العراقي فعمدت إلى قتل رضيعها بطريقه بشعة، فجُنَّ جنون بنت المعيدي فقتلت الضابط وزوجته وهربت متنقلة بين البلدان إلى أن حطَّت رحالها أخيرا في قريتها الأولى. بينما يروي آخرون أنها رفضت الزواج منه، وقفزت من الطائرة وهربت إلى أعماق الأهوار لتعيش هناك حياة بدائية معتمدة على صيد الأسماك. وفي كل الحالات يعبر العسكري البريطاني عن غرامه، ويرسم لوحة رائعة لتلك السيدة الجميلة التي رفضته!!

 

  • الحكاية التركمانية

   تفاصيل القصة التركمانية القادمة من مدينة كركوك الشمالية لا تختلف عن قصة مدينة العمارة الجنوبية. تقول القصة إن الفتاة الجميلة تنحدر من عائله تركمانيه فقيرة الحال وكان أبوها يعمل تبانا (صمانجي)، يسكن محلة (القلعة) التاريخية، وفي يوم من الأيام وعندما كانت الفتاة تنظف عتبة الدار صادف مرور مجموعة من الضباط الإنكليز فبهر أحدهم جمالها.. وتقدَّم إلى أهلها مع بعض الوجهاء والمتنفذين في المدينة طالبا يدها للزواج، وأمام رفض والديها بسبب اختلاف الدين، أعلن الضابط عن استعداده لاعتناق الدين الإسلامي ثمنا للاقتران بها! وبعد عدة محاولات باءت بالفشل مارس الضابط الإنكليزي ضغوطا نفسية ومادية وحكومية، وتم زواجه منها، وبعد زواجهما غادرا مدينة كركوك إلى لندن ليعيشا فيها عيشة سعيدة. وقد استعان الزوج – كما تروي الحكاية – بأحد أشهر الرسامين الإنكليز ليرسم له لوحة (بورتريت) للسيدة فأنتجت فرشاته هذه القطعة الفنية الرائعة التي أرسلها الزوج من باب الوفاء إلى أسرتها ليخفف عنهم وطأة فراقهم لابنتهم، فكان أن انتشرت الصورة بشكل سريع بعد أن قامت شركة بريطانية بطبعها وتوزيعها على نطاق واسع لتزدان بها بيوت قلعة أربيل بوصفها (بنت المحلَّة) وانتشرت الصورة بسرعة في المدن العراقية الأخرى .. بينما تذهب رواية أخرى إلى اتجاه مختلف تماما عندما تعمد عائلة الفتاة إلى إبعاد الإبنة عن الأنظار حتى لا يقتفي أثرها أحد. وقيل إنها أجبرت على الإقامة في إحدى دور أقاربها تحت حراسة مشددة لحين رحيل الضابط، وأن اللوحة المرسومة للفتاة ماهي إلا نتاج لفرشاة هذا الضابط الفنان الذي لم يجد حلا سوى أن يرسم هذه اللوحة لتعوضه عن فتاة أحلامه. وفي هذا الصدد يذكر أحد الباحثين “انتشرت في ستينيات القرن الماضي أغنية بصوت المطرب التركماني محمد أحمد أربيلي يتغنَّى فيها بصاحبة الصورة ويقول في مطلعها (صمانجي قيزي ..اون دورت ياشينده) أي ابنة التبان ذات الأربعة عشر عام …”

 

ج- الرواية الكردية للحكاية

   الأكراد العراقيون لديهم بدورهم قصة تلائمهم عن صاحبة الصورة فهم يسمونها (كيجي كافروش) الفتاة الجميلة والجذابة والساحرة، وقد شاعت صورتها في بيوت الأكراد، بل أصبحت معيارا للجمال الصارخ، حتى أنهم يقولون في معرض وصفهم لأية فتاة جميلة “إنَّ جمال فلانة كجمال كيجي كافروش” كما اشتهرت بمطلع خمسينيات القرن الماضي أغنية للمطرب الكردي حسن زيرك تتحدث عن كيجي كافروش.

وخلاصة الحكاية الكردية التي تعتمد كشقيقتيها العربية والتركمانية على الثيمة ذاتها: إن عسكريا بريطانيا بهر بجمالها فخطفها وحاول نقلها في طائرة متوجه إلى لندن، لكنها قفزت من الطائرة رافضة أن تتحول إلى أسيرة، ومن يومها  تحولت كيجي كافروش إلى أسطورة كردية. وسارع الفنانون لرسم لوحة لهذه السيدة الجميلة ذات الشخصية المتحررة والقوية. أصل اللوحة غير معروف غير أن ما هو مرجح بقوة أن لوحة (بنت المعيدي) أو (كيجي كافروش) سواء أكانت تعتمد على حقيقة أم أسطورة نسجها الخيال الشعبي العربي أو الكردي أو سواه، رسمت بفرشاة فنان غربي.

 

2- حكاية (أبو نية وأبو نيتين)

   كان يا ما كان في قديم الزمان رجل يسعى كل صباح باحثا عن عمل يعيش منه لكنه لا يجده. وفي يوم من الأيام سال نفسه: إلى متى أبقى على هذه الحال؟ وقرر أن يهجر مدينته ويذهب إلى مدينه أخرى كي يجرب حظه فيها عسى أن يحصل على عمل يعيش منه. أعدَّ طعام المسير ووضع قربة الماء على كتفه وسار في طريقه. وهو يمشي صادفه رجل، هذا الرجل سأل صاحبنا عن اسمه ووجهته، أجابه: بأن اسمه (أبو نيَّة) ووجهته البحث عن عمل يعيش منه في بلدة أخرى، فما كان من هذا الرجل إلا أن قال له بأنه أيضا يبحث عن عمل، وطلب مرافقته قائلا له: إن كنت أنت (أبو نية) فأنا (أبو نيتين). سارا معا في الطريق، وفي أثناء المسير قال (أبو نيتين) لصاحبه: لنتفق إذا جعنا نأكل من طعامك ونشرب من مائك، وعندما ننتهي نرجع إلى طعامي ومائي. قال(أبو نية): ماشي كلامك نحن الآن إخوان وطعامي طعامك. وأخذا يمشيان إلى أن تعبا وجلسا ليستريحا. أخرج (أبو نية) طعامه وشرابه وأكل الإثنان. وبقيا على هذه الحال إلى أن نفذ طعام (أبو نية). وهما يسيران في طريق البحث عن العمل، جاع (أبو نية) وحسب الاتفاق طلب من رفيقه طعاما وماءً، ولكن (أبو نيتين) رفض إعطاءه ما طلب إلا بشرط، وهذا الشرط هو أن يفقأ إحدى عيني صاحبه (أبو نية).

ظل (أبو نية) في حيرة من أمر صاحبه هذا ومن شرطه العجيب، لكنه إزاء عقارب الجوع وفعلها في معدته وافق على شرط (أبو نيتين). ففقأ (أبو نيتين) إحدى عينيْ صاحبه وأعطاه قليلا من الطعام.

أكل صاحبنا الطعام واحتاج إلى الماء الذي طلبهُ من صاحبه (أبو نيتين) لكن هذا رفض إعطاءه الماء إلا مقابل أن يفقأ عينه الأخرى، وإزاء عطشه وافق (أبو نية) على شرط (أبو نيتين) الثاني ففقأ (أبو نيتين) عين صاحبه الثانية، وأعطاه قليلا من الماء وتركهُ وغادر المكان مواصلا رحلته، وصاحبه يعاني من الآلام المبرحة.

صاحبنا (أبو نية) لم يستطع مواصلة السير لكنه وصل قرب شجرة جلس تحتها ليستريح. وفي هذه الأثناء سمع صوت سبع وذئب  يتحدثان معا. قال الذئب: الله، ما أعظم هذه الشجرة! أجابه السبع: وما وجه العظمة فيها؟ قال الذئب: كم أعمى فتَّحت عينيه، وكم أخرس نطق، وكم مريض شفي، كل ورقة من أوراقها تشفي مرضا. رد عليه السبع: إذا أنت عرفت سر أوراق هذه الشجرة، فأنا أخبرك بسر لا يعرفهُ أحد غيري. هذه الشجرة مدفون تحتها كنز من الذهب لايعرف أحد عنهُ شيئا.

سمع (أبو نية) كلامهما وما أن غادرا حتى قام إلى الشجرة وأخذ ورقة من أوراقها ووضعها على إحدى عينيه فشفيت في الحال، وفتحت ثم فعل بالعين الأخرى ما فعله بالأولى وشفيت هي الأخرى.

فرح فرحا عظيما وأخذ مجموعة من أوراق هذه الشجرة، ووضعها في جيبه وواصل مسيرته إلى أن وصل إلى مدينة دخلها فوجد الناس مجتمعين أمام باب بيت الملك وهم في حالة هرج ومرج. سألهم عن سبب اجتماعهم، فأجابوه: بأن بنت السلطان أصيبت بالخرس وأي شخص يخلصها من هذه العلة تصبح زوجا له. وإذا لم يستطع شفاءها تُضرب عنقه.

قال: أنا أستطيع أن أكلمها، لكن الناس حضّوه على أن لا يُورِّط نفسه مع ابنة السلطان، حيث أن الكثيرين قتلوا بسبب عدم قدرتهم على شفائها.

دخل (أبو نية) على بنت السلطان وأخرج ورقة من أوراق الشجرة العظيمة العجيبة ووضعها على فم بنت السلطان فتكلمت في الحال. فرح الجميع وأمر السلطان بزواجها منه لكن (أبو نية) طلب تأجيل الزواج لمدة من الزمن. أخذ (أبو نية) مجموعة من الرجال وذهب إلى الشجرة حفر تحتها وأخرج كنز الذهب ورجع إلى مدينة السلطان وبنى قصرا فخما أجمل من قصر السلطان وتزوج فيه بنت السلطان. وأخذ يساعد المحتاجين والفقراء وأحبه الناس جميعا،  وعيَّنه السلطان مسؤولا عن بيت المال فوافق على ذلك.

مرت الأيام، وتوفى السلطان وقام (أبو نية) مقامه. وفي أحد الأيام جاء (أبو نيتين) إلى المدينة، بعد أن سمع بكرم سلطانها ومساعدته للفقراء والمحتاجين. عرفه السلطان وسأله عن حاله فأجابه: بأنهُ لم يستفد من رحلته ولم يحصل على عمل. غفر (أبو نية) لصاحبه كل ما فعله به، وعيَّنه في قصره بعد أن بيَّن للناس بأنه أخوه. لم يستفد (أبو نيتين) من هذه الفرصة، وأكلت قلبه الغيرة والحسد، وأخذ ينافق على صاحبه السلطان مدَّعيا أن السلطان سارق، سرق بيت المال وعمل قصرا له وصرف الباقي على الفقراء بحجة أنه يصرف من ماله الخاص لكن الناس لم يصدقوه، وهم يعرفون السلطان قبل أن يصبح مسؤولا عن بيت المال.

وفي يوم من الأيام جمع (أبو نية) الناس في قصره بحضور (أبو نيتين) وسرد عليهم القصة من البداية وعمله القبيح معه وحكى لهم قصة الكنز وأفعال (أبو نيتين) ضده. احتج أهل المدينة على (أبو نيتين) وطالبوا بإعدامه كي يتخلصوا من شرِّه وحسده، لكن السلطان لم يوافق على طلبهم قائلا: بأنه سيعطيه فرصة أخيرة وطلب منه أن يذهب إلى الشجرة العظيمة ويجرب حظه عندها. ذهب (أبو نيتين) إلى الشجرة وجلس تحتها. وفي هذه الأثناء جاء الذئب والسبع وأخذا يتحدثان. قال الذئب للسبع: هذه الشجرة لها مميزات كثيرة، قال السبع: أنا أعرف عنها أشياء كثيرة مفيدة، لكن السبع والذئب قالا معا: لنفتش حول هذه الشجرة من المحتمل أن نجد تحتها أحدا يسمع حديثنا ويكشف السر. سارا معا حول الشجرة، فشاهدا (أبو نيتين) متخفيا تحتها، هجما عليه وأكلاه، وبذلك تخلص (أبو نية) والناس من شره.

3- حكايةقمر الزمان

يُحكى أن الملك الذي كان يحب الأذكياء ويقربهم إليه دائما ويسعد بمجالسهم واختبارهم بأسئلته الذكية، كان في إحدى الصباحات يتنزه مع وزيره في حديقة القصر الواسعة، فمرَّا ببحيره رائعة تزينها تماثيل أسود يخرج الماء العذب من أفواهها بطريقة عجيبة وساحرة. شعر الملك بالعطش، وطلب من الوزير أن يُسقيه شربة ماء.. فتناول الوزير طاسة فضية كانت على الحافة، وملأها، ثم سقى الملك، وأعاد الطاسة إلى مكانها. نظر الملك إلى الطاسة بعد أن استقرت في مكانها، ثم التفت إلى الوزير، وقال:

 

  • أيها الوزير! لقد تكلمت الطاسة، فماذا قالت؟!

وجم الوزير، وكسا التعجب ملامحه، ولم يدر بماذا يجيب. فالطاسة جماد، ولايمكن لها أن تتكلم،  ولكن هل يجرؤ على قول هذا للملك؟!

ولما طال صمت الوزير ووجومه ، صاح به الملك:

  • أمهلك ثلاثة أيام لتأتيني بما تفوَّهت به الطاسة، وإلا نالك مني عقاب قاس! عاد الوزير إلى بيته مهموما حزينا، ثم دخل غرفته، وأغلق على نفسه بابها، وراح يفكر ويفكر، ولكنه لم يهتد إلى حل أو جواب مقنع، وراح يتساءل:
  • ترى ماذا يقصد الملك بسؤاله ؟ .. هناك جواب، ولاشك، يدور في خلده.. ولكن ما هو؟!

طالت خلوة الوزير في غرفته فقلقت عليه ابنته الوحيدة (قمر الزمان)، فاقتربت من باب الغرفة، ونقرت عليه بلطف، ثم استأذنت بالدخول، فأذن لها .

قالت قمر الزمان لأبيها:

– مضى عليك يومان وأنت معتكف في غرفتك، وأرى الهمَّ واضحا على وجهك، فماذا جرى يا أبي؟!

قال الوزير:

  • حدث أمرٌ جللٌ يا ابنتي..! لقد طرح عليَّ الملك سؤالا صعبا ومستحيلا، وأمهلني ثلاثة أيام لأجيبه عليه، وإلا عاقبني عقابا قاسيا!

قالت قمر الزمان:

  • و ما هو السؤال يا أبي؟

– قال الوزير: سقيته الماء في طاسة، ولما أعدتُ الطاسة إلى مكانها، قال لي: لقد تكلمت الطاسة، فماذا قالت؟

ضحكت (قمر الزمان)، وقالت:

– إنه سؤال ذكي، وجوابه يجب أن يكون ذكيا أيضا!

صاح الوزير بلهفة:

– وهل تعرفين الجواب يا ابنتي؟

قالت (قمر الزمان):

– طبعا.. فالطاسة قالت: صبرت على النار وطرق المطارق، وبعدها وصلت إلى المباسم، وما من ظالم إلا سيُبلَى بالظلم!

وعلى الفور لبس الوزير ثيابه وقصد مجلس الملك، ثم نقل إليه الجواب كما قالته ابنته. أُعجب الملك بالجواب الذي كان أذكى من السؤال، ولكنه شك في أن يكون الوزير هو الذي أتى به إليه.

وفي صباح اليوم التالي، فاجأ الملك الوزير قائلا:

– أيها الوزير! أريدك أن تأتي إلى مجلسي غدا لا راكبا ولا ماشيا.. وإن فشلت ، فإن عقابك سيكون قاسيا، وقاسيا جدا! صُعق الوزير للطلب المُعجِز، وانصرف من مجلس الملك مهموما، وعندما وصل إلى بيته، استنجد بابنته (قمر الزمان)، وحدثها عن طلب الملك، وطلب منها الحل. ابتسمت قمر الزمان، وقالت لأبيها:

– وهذا أيضا حلُّه هيّن يا أبي!

وفي صباح اليوم التالي، أحضرت (قمر الزمان) لأبيها دابَّة صغيرة، فركب عليها وذهب إلى قصر الملك، وهو راكب على الدابة، وقدماه على الأرض.

ذُهل الملك لحسن تصرف الوزير ودهاء حلِّه، فأدناه منه، وهمس له:

– قل لي من يقول لك ذلك، ولك الأمان!

– قال الوزير: إنها ابنتي (قمر الزمان) يا مولاي!

– قال الملك: أحضرها لي في الحال!

 

ولما مثلت (قمر الزمان) بين يديْ الملك أعجبه جمالها ولكن ذلك لم يُثْنِهِ عن امتحانها في سؤال مُعجِز، تكون الإجابة عليه مستحيلة.

– قال الملك: سأتزوجك الليلة يا قمر الزمان، وأريدك أن تحملي مني في الفور، وأن تلدي الليلة ولدا يكبر في ساعات ويغدو في الصباح ملكا يجلس على عرشي!

ابتسمت (قمر الزمان) وقالت:

– يا مولاي! واقتربت من النافذة المُطلة على جزء كبير من الحديقة، ثم التفتت إلى الملك وقالت: أريدك يا مولاي أن تحرث هذه الأرض الليلة، وتزرعها الليلة، وتقطف الزرع الليلة، وآكل من ثمارها في الصبح!

– ذهل الملك، ونهض صائحا: هذا غير معقول!

– قالت قمر الزمان: كيف تريدني إذا أن أُنجب لك ولدا الليلة، ويكبر في ساعات، ويغدو في الصباح ملكا؟!

سُرَّ الملك من جواب (قمر الزمان) ثم عقد قرانه عليها، وأصبحت ملكة بجواره، وعاشا معا حياة سعيدة.

4- حكاية (ولاية بطيخ)

 (هي حكاية المثل الشعبي المعروف ولاية بطيخ).

     يُحكى أن يتيماً في بغداد، استطاع أن يجمع مبلغًا من المال، قيل إنه يساوي ليرة واحدة، بعد أن عمل حطَّابا خارج أسوار بغداد، وقيل إن بغداد كانت مُسوَّرة بعدة أسوار، وعلى كل باب سور يقف حرَّاس، وكان اليتيم يأمل أن يثري، فاشترى سبع بطيخات، وأراد بيعها داخل بغداد، ولكن حراس الأبواب أخذوا منه ست بطيخات بدعاوى وحجج مختلفة، لغرض سلبها منه، وتبقت الأخيرة فأخذت منه أيضا بحجة أن الملك لديه ضيف مريض ولا يشفيه إلا البطيخ، فخسر بذلك جميع ماله. وكلما كان يشكو أمره يُقال له: إن أمره مُوكَّل إلى الملك. وكلما أراد الوصول إلى الملك كان الحراس يمنعونه، ويمنعون سائر الناس من الوصول إليه لئلا يعرف بما يجري خارج البلاط.

يضطر اليتيم، في تلك الحالة، إلى أن يسلك سبيل التمرد، ويكوّن عصابة، ليأخذ الخاوة من الناس. وطبعا هذه العصابة كلها من أمثال هذا اليتيم. وهو يتعمَّد إلى قطع طريق الناس ويؤذيهم حتى يشتكوا منه إلى الملك. ولكن جماعة الملك شاركوا اليتيم في العصابة وأخذوا الخاوة لأنهم (شافوا بيها) فائدة لهم.

اخترع اليتيم (رئيس العصابة) طريقة غريبة لأخذ الخاوة، وهي أنه منع الناس من البكاء على موتاهم، وكذلك منعهم من أن يدفنوا أمواتهم إلا من بعد أن يعطوا الخاوة. ويتفق في هذه الفترة أن تموت ابنة الملك، فمنعهم من الدفن. ولأنه شكل عصابة قوية، رجع جماعة الملك إلى الملك وأخبروه أن هناك إنسانا شريرا ومجرما يمنعهم من الدفن ويريد منهم خاوة. فأرسل إليه الملك ليستطلع خبره. فقال له اليتيم: إن ولايتك ولاية بطيخ وهي السبب. وقصَّ عليه القصة، فعاقب الملك المجرمين والسراق بعد أن أعلن اليتيم توبته، وأنه ما قام بهذا العمل لأذية الناس، ولكن ليصل إلى الملك. فعيَّنه الملك وزيرا عنده وطرد باقي الوزراء.

عن adminh