الرئيسية / دراسات ومقالات / أدب شعبي / نصوص / حكاية العْقيلي واليازِيَّة

حكاية العْقيلي واليازِيَّة

نصوص من الأدب الشعبي

حكاية العْقيلي واليازِيَّة

 جمع وتوثيق

 *د. راشد أحمد المزروعي 

*باحث في التراث والأدب الشعبي، المشرف العام على مجلة تراث، مدير عام مركز زايد للدراسات والبحوث التابع لنادي تراث الإمارات العربية المتحدة.

   الحكاية التي نحن بصددها، يطلقون عليها “حكاية العقيلي” وتنطق باللهجة المحلية  (لعجيلي) بالجيم المخففة أو الأعجمية، وهي إحدى الحكايات الشعبية الجميلة التي رافقتني   منذ الطفولة. وأدهشني أن لا أجد لها  أثرًأ كبيرًا عندما كبرت وبدأت أتعمّق في دراسة الأدب الشعبي، اللهم إلا بعض شذرات أو خيوطٍ وأحداث ومقاطع منها، فعرفت أنها  –للأسف- كما يحدث مع   الكثير من موروثنا الشفاهي، اندثرت برحيل رواتها عن دنيانا.

 

   تلك الحكاية نادرة، ولم يكن أي راوٍ يعرفها أو يسردها رغم شيوع اسم بطلها (العقيلي) في الكثير من قصائد الشعر الشعبي المحلي، حيث يبدو العقيلي بطلاً ورمزًا للعشق والغرام والحب، وثمة إشارات عن قصة حبه لـ (اليازية) التي تعلّق بها قلبه، وعانى الكثير حتى وصل اليهاإلا أن الحكاية فقدت ولم تعد متداولة وغابت وتقلّصت شيئًا فشيئًا بموت رواتها الحقيقيين، مما فتح الباب أمامي لمتابعة هذه الحكاية، وزاد من إصراري على تقديمها للميدان الشعبي التراثي ودراستها.

 

  مصادر حكايتي

اعتمدت في بحثي على الكثير من المصادر الحية، واجتهدت كثيرًا حتى التقيت عددًا من  الرواة من كبار السن من مختلف مناطق الإمارات، نجحت بعون الله في الوصول إليهم، والاستفادة من معرفتهم بأجزاء من هذه الحكاية التي سمعوها من أجدادهم وآبائهم ولا زالوا يتذكرون شيئًا من أحداثها.

ويبقى سؤالنا الأهم: هل هذه الحكاية حقيقة، أم أسطورة وخيال؟ الجواب على ذلك أتركه لكم بعد قراءتها بأحداثها ورموزها وشخوصها.

 

نص الحكاية

في أحد مضارب البادية، وفي قديم الزمان عاش أحد مشايخ القبائل البدوية مع أولاده وأهله، وكان هذا الرجل يملك الكثير من الإبل ذات السلالات الأصيلة، مثل: سلالة الفحل المسمى (شهبار)؛ حيث كانت الإبل في ذلك الزمان هي رأس مال الأغنياء والشيوخ وعلامة القوة والسيادة في القبيلة.

ولما كانت مراعي الإبل موزّعة على مختلف المناطق، وكذلك آبار المياه الارتوازية (الموارد)، فقد كان هناك بئر ماء أو طوي، اعتاد أبناء هذا الشيخ وهم ثلاثة أن يرووا إبلهم منه دائمًا.

وقد اعتاد هذا الرجل أن يرسل أبناءه لسقي الإبل بالتناوب، إلا أن حياتهم هذه بدأت تتغيّر، حيث أن الابن الأكبر لم يستطع أن يكمل مشواره وبدأ الضعف والهزال والمرض يدبّ في جسمه، فعجز عن سقاية الإبل مما دفع والده إلى إبقائه في المنزل لعلاجه، وأرسل ابنه الأوسط ليقوم بهذه المهمة، فأصابه ما أصاب أخوه الأكبر من مرضٍ وهزال وعجز عن تأدية الواجب الذي أوكله إليه والده، فأحسّ والده بهذه المصيبة والبلية واحتار ماذا يعمل بأبنائه المرضى، وبإبله ورعايتها.

 

العقيلي مصبوغاً بالنيل

كان أبناؤه على درجة كبيرة من الوسامة وكانوا شبابًا تتمناهم كل امرأة، وأقوياء يحسدهم كل من يراهم، وأيقن أن مرضهم سببه حسد الآخرين والذين يرونهم عند مورد الماء وهم يسقون إبلهم، فقرّر أن يرسل أصغرهم وكان اسمه (العقيلي). ولكن كيف يرسله يسقي الإبل وهو يعرف المصير الذي سيؤول إليه؟ فهو شبيه إخوانه، بل أجملهم شكلا، وأكثرهم وسامةً وأنضرهم لونًا وأقواهم جسمًا، إذًا فإنه لا محالة سيرجع إليه مريضًا، وعليه فقد اهتدى إلى طريقةٍ تجعل الورّاد والعابرين على مورد الماء لا يعرفون من هو، بل يحسبونه أحد عبيد شيوخ القبائل، فماذا عمل وكيف تصرف؟

أحضر الأب لابنه الصغير صبغاً يسمى (نيل) تستخدمه النسوة لصبغ وجوههن وأجسامهن كمادةٍ تساعد على النظافة والنضارة بعد أن يتم غسله عن الجسم، أما إذا بقي على الوجه أو الجسم فيبقى لونه أسودًا.

وقد ظن والده المسنّ أن هذا الصبغ سيمنع عنه العين ويمنع عنه الناس المتبصّرين والفضولين من النظر إليه بعين الحسد، أو الإعجاب من قبل النساء، خاصة وأنه جديد على المورد، وسيظنون أنه أحد العبيد الذين يتولّوْن سقاية الإبل.

لم يجد الأب العجوز الذي بلغ من العمر عتيًّا مفرًّا من أن يرسل ابنه الأصغر العقيلي لسقاية الإبل برغم حبه الكبير له وخوفه عليه، إلا أن الحاجة دفعته إلى ذلك، وكذلك فإن ما تحلى به ابنه الصغير العقيلي من شجاعة جعلته يوافق على السماح له بورود الإبل ورعيها، وأقنعه أن يطلي وجهه وأطرافه بالنيل حتى لا يثير تلصّص الآخرين.

 

اليازية تكتشف العقيلي

ذهب العقيلي إلى الإبل في البر وكانت كثيرة العدد، ونزل على المورد الذي اعتادت الإبل أن تُسقى منه، وأخذ يرعاها ويوردها على ذلك المورد كل يوم وهو يخفي حقيقته بهذا الصبغ على وجهه بحيث لم يتعرف إليه أحد. وكانت هناك فتاة تسمى اليازية، وهي ابنة أحد المشايخ من قبيلة أخرى يسمى (المعنّى). وكانت تلك الفتاة جميلة جدا، وقد اعتادت على الاستسقاء من هذه البئر، وهي نفسها التي استصاب منها إخوانه من قبله فوقعوا في غرامها حتى مرضوا وعجزوا عن أداء المهمة التي أوكلها إليهم والدهم وأخفوا عنه ذلك ولم يصارحوه بالحقيقة، فقالت اليازية الفتاة  الجميلة لصاحباتها وقد أدركت أن لونه كان للتمويه فقط: “ما رأيكن في الايقاع بهذا الشاب الذي يسقي إبله من البئر؟”.

وفي صباح أحد الأيام مرّت عليه وهو يسقي الإبل، ومعها خادمتها على راحلتهن، فوقفن إلى جانبه وقالت له: “بغينا شربة يا ولد العون”، فناولها العقيلي شربة ماءً في شنٍّ صغير عنده، وكشفت أمامه عن وجهها لتشرب الماء، وإذا بنور وجهها يطغى على المكان نورًا وبهجةً، وإذا بالعقيلي يركّز نظره فيها مبهوتًا ومعجبًا  بجمالها الفتّان.

وبعد أن شربت قليلاً، تعمّدت رشّ العقيلي بالماء الباقي في الشنّ على وجهه، فبانت ملامحه الحقيقية وكشف وجهه، وإذا به أجمل الشباب يفاعة ونضارة وبهاء، فأصابتها وسامته في القلب، وأخفت ما أصابها منه، وركبت على راحلتها ومعها الخادمة، وأمرت خادمتها بمراقبته، وقالت لها: “اركبي واعطني قفاك متجهةً نحوه”، أي اجعلي نظرك إلى العقيلي، لتراقبيه إن كان أخذنا، أو أخذناه، فقالت لها الخادمة: “وكيف ذلك؟”، فقالت لها اليازية: “إن ظل يمدّ النظر فينا ويراقبنا، فنحن أخذناه، وإن لم يلتفت إلينا، وظل يعمل في سقي الإبل، فقد أخذ قلبنا”.

فركبت الخادمة خلفها حسبما أمرتها سيدتها، وأخذت تنظر إليه من بعيد، وهن يبتعدن عنه شيئًا فشيئًا، ويبدو أن العقيلي هو الذي بهت وأعجب بها أكثر، فإذا به ينتقل من شرفٍ إلى شرف، ومن مرتفع إلى مرتفع يجري وراءهن ويراقبهن ليعرف وجهتهما، وترك إبله حائمة دون ماء. فقالت الخادمة: “ابشري ياعمّتي، الإبل عطاش، وها هو يهرول وراءنا من مرتفع إلى مرتفع، حتى أخفينا النظر عنه”. فقالت لها اليازية: “الحمد لله لقد أخذناه ولم يأخذنا”. وواصلن مسيرهن إلى مبتغاهن.

 

العقيلي هائمًا

رجع العقيلي إلى إبله، بينما ظل مأخوذًا بما رأى وسرح بتفكيره عند تلك الفتاة التي سلبت لبّه وعقله، وبدا مشغولا شغوفًا بها إلى درجة كبيرة، مما أثّر على صحته وقواه التي خارت، فعجز عن سقي الإبل وتأدية عمله. فبعدما كانت الدلو التي يسقي بها إبله من جلد (حوار)، أي ذات حجمٍ كبير، أخذ يصغّرها ويقلل من سعتها، وذلك بربط بعض أجزائها مع بعض، حتى أصبحت دلوًا صغيرة. وقد أثّر ذلك على إبله التي أصبحت لا تروى من الماء، وبدأ الهزال واضحًا عليها.

أراد والده العجوز أن يشاهد بأم عينيه وضع ابنه وليطمئن عليه وعلى السقاية وكيف تسير أموره مع الإبل، فاكتشف أن ابنه قد أصبح عليلاً مريضًا، ونظر إلى الدلو فإذا بها صغيرة، فقام بفك عقدها وإذا بها سليمة. فهم الأب قصد ابنه من ذلك، وأنه أراد تصغيرها لعجزه عن سحبها وسقي الإبل بها بسبب مرضه وضعفه. وأحس الأب بمصيبة ابنه وسأله ما به؟ فشرح له العقيلي ما حصل له مع تلك الفتاة، وأنها أخذت تفكيره وعقله وأحبها، وأن ذلك الحب أثّر عليه فمرض وضعف وهزل جسمه، حتى أصبح على هذه الحال. رق قلب الأب لحال ابنه، فهو لا يريد أن يخسره، كما خسر أخويه الآخرين من قبله، وصمّم أن يلبّي طلب ابنه، في الوصول إلى هذه الفتاة مهما تكن العواقب.

كان والد العقيلي يعرف قبيلتها، ويعرف أن والدها هو شيخ تلك القبيلة واسمه (المعنّى)، وقد انتقل هذا الشيخ مع قبيلته إلى بلادٍ أخرى بعيدة جدا عن ديارهم. فقال لابنه: “بإذن الله ستصل إلى هذه الفتاة بأي طريقة وفي أي مكان، وسنعدّ العدّة من الآن للتحضير لتلك المهمة”.

 

النوق الثلاث

أحضر الأب ثلاث نوقٍ صغيرة من الإناث لم تتعد أعمارها أربع سنوات، وعمل لها حظيرة قريبة من دارهم. وكانت ألوان تلك الأبكار حمراء، وصفراء وشقراء، ثم أحضر معهن في أحد أطراف الحظيرة ثلاثة خراف صغيرة وأمر بإطعامهم نفس الطعام، ثم أحضر عصا من نوع الخيزران وعلّقها في وعاء مليءٍ بالسمن البلدي. وأمر ابنه العقيلي بالقيام بإطعام هذه النوق أجود الأكل: كالتمر والبرسيم الأخضر، والسمن البلدي والعسل، وكذلك الحليب، ومعاملة الخراف بنفس المعاملة، وأن يستمر في ذلك بدون توقّف.

وبعد أربعة أشهر، قال لابنه العقيلي اذبح أحد الخراف لأكلنا، فقام الابن بذبح خروف، وقام الأب بكسر عظم ذلك الخروف وإذا بنخاعه قليل، فأمر الأب ابنه بمواصلة إطعام النوق والخرفان، ثم قام بفحص العصا وإذا السمن البلدي قد بدأ يسري في تلك العصا فوصل إلى ربعها. وظل الابن يطعم تلك النوق والخرفان حتى أكمل أربعة أشهر أخرى، فأمره والده بذبح الخروف الثاني لأكله، وذبحوه وكسروا عظمه وإذا بالنخاع وقد وصل إلى أكثر من نصفه ولم يملأ تجويف عظمه، وإذا بالعصا قد وصل السمن إلى أكثر من منتصفها. فقال الأب لابنه أكمل إطعام نوقك، وظل العقيلي يعطيها الأكل المعدّ لها من البرسيم والسمن والعسل والتمر والحليب، حتى أكمل أربعة أشهر أخرى، فقال له والده: الآن اذبح الخروف الأخير. وفعلاً قام بذبحه وإذا بعظمه مليء بالنخاع ويكاد أن يكون مغطى بالكامل، وإذا بالعصا قد اكتمل سريان السمن البلدي بها بالكامل، وحينها انفرجت أسارير الأب.

ما يسبق صيدح إلا ولدها

فرح الأب العجوز، وقال لابنه الآن نجحت خطتنا، وأعطاه وعاءً وقد وضع به بعض الأكل، وقال له قف خلف حظيرة النوق، ونادي على النوق واحدةً واحدةً لتأكل من وعائك، فأخذ العقيلي ينادي على الناقة الصفراء و(يشاشي) عليها كما يقولون، من وراء الحظيرة حتى حامت الحظيرة، ولكنها لم تصل إلى العقيلي، فقد علقت بحائط الحظيرة، وسقطت دونه، فتركها وأخذ ينادي على الأخرى وهي الشقراء، فحامت الجدار وسقطت أيضًا دون الأكل، فتركها وأخرجها من الحظيرة مثل سابقتها، وقام بالنداء على الناقة الحمراء واسمها “صيدح” وقام يشاشي لها حتى حامت الحائط، ووصلت عنده، وادْلت برأسها في الوعاء لتأكل منه. فرح الأب بذلك وقال لابنه، هذه البكرة الحمراء هي التي ستخدمك وهي التي ستوصلك إلى من أخذت لبّك وعقلك، وستوصلك إلى اليازية.

جهز الأب لابنه كل ما يحتاجه من عدّةٍ للسفر، مثل: القهوة والتمر وغيره، وقال له: “اركب هذه الحمراء واسمها صيدح، وتوكّل على الله واتجه شرقًا جهة مطلع الشمس، ولا ترجع إلي إلا ومعك اليازية، وأوصيك بالحذر في طريقك من الوشاة وأبناء الحرام، ولا تعطي سرك لأحد، إلا إذا وجدت من تطمئن إليه، وتحسُّ أنه سيساعدك في مهمتك”. كما أوصاه باختبار كل من سيجده في طريقه وذلك عن طريق معاملة ناقته التي يركبها، فإن عامل تلك الناقة بلطف وأكرمها، فلا بأس أن يصارحه، لأن في ذلك الإنسان نخوة الشجاعة والرجولة والبداوة، وإن كان عكس ذلك يتركه ويواصل طريقه.

وحمل العقيلي حاجياته على ناقته صيدح، وهي التي تعدُّ من سلالة أفضل الفحول (شهبار)، وكانت من أفضل الإبل جمالاً وسرعة، وقد قيل فيها: “ما يسبق صيدح إلا ولدها، وصيدح ما لها ولد”، وقد أصبح مثلاً شعبيًّا يردّد كناية عن كل شيء أصيل، ومعناه أنه لا يوجد في الإبل ما يسبق صيدح إلا ابنها، ولا يوجد لها ابن حيث لم تلد.

 

رحلة العقيلي بحثا عن اليازية

ركب العقيلي على ناقته صيدح واتجه إلى حيث وصف له أبوه الجهة وهي جهة الشرق، وكان أمامه طريق طويل، وهدفه في النهاية الوصول إلى معشوقته التي أحبها وأتعبت جسمه ونحل حاله بسببها. وقد استمر في مسيره أيامًا وليالي يسأل هذا وذاك، ويسأل العابرين والرعاة لعله يجد عندهم ما يشفي غليله، ويشفي لوعته عن ديار اليازية محبوبته الفاتنة.

وذات يوم عثر على راعٍ للإبل، فتوقف ليستريح عنده ويحصل منه على وجبة من حليب النوق، وما أكثرها لديه. فحيّاه وقدّم له (الكرمة) كما يقولون وهو لبن النوق في وعاء، وعندما همّ لشربه إذا بصيدح، ناقته تغطّ رأسها في اللبن قبله، إلا أن الراعي نهرها ولطمها على رأسها، حتى لا تشرب اللبن عن صاحبها. فشرب العقيلي الحليب، وشكر الراعي على كرمه، إلا أنه تذكّر وصية والده، عندما قال له: لا

تصادق من لا يكرم صيدح فهو الذي نهرها، ولم يقدّم لها الحليب، فتركه ولم يخبره بما في نفسه.

لو ما ضرت ما هرَعتْ

ظل العقيلي في طريقه أيامًا يسير ويسير، وإذا به براعٍ آخر من الرعاة وهو أحد خدم شيوخ القبائل، فسلّم عليه ورحّب به الراعي وقدّم له الحليب وإذا بناقته صيدح، تغطّ رأسها في الحليب قبله، فلم يحرّك الخادم ساكنًا ولم يقل لها شيئا، ولكن العقيلي هذه المرّة نهر ناقته متعمّدًا، ولطمها بعصاه، فقال له الخادم: “اتركها يا عمّي تشرب الحليب، لأن هذه الناقة الأصيلة تعوّدت على شرب الحليب، دعها تشرب، وسأقدّم لك غيره”. وقال له: “لو ما ضرت ما هرَعتْ”. فشربت صيدح الحليب، وقدّم الخادم للعقيلي حليبًا آخر.

فهم العقيلي أخلاق الخادم وشهامته وتقديره لناقته فتذكّر وصية والده، فأمن للخادم واستراح عنده، وسأله الخادم عن أخباره وأسباب سفره، فما كان من العقيلي إلا أن عزم على مصارحة هذا الخادم، فحكى له قصته كاملة ومدى تعلقه بفتاة تسمى اليازية وحبّه لها، والأيام التي قطعها يبحث عن أهلها وعن سكنهم.

حينها أحسّ الخادم بنخوة الشجاعة والمساعدة، وقال للعقيلي: “لقد وصلت هدفك، وأنا من سيوصلك إليها، وقال له: إن جميع هذه الإبل التي ترعى هي ملك لوالد اليازية وهو شيخ القبيلة. وهذا الجمل الذي تراه هو جمل اليازية الخاص، وهو الذي ينقل إليها الحليب مساء كل يوم، نضع عليه القرب، ونعلّق على ظهره خطامه، وهو يعرف الطريق بنفسه، ليصل إلى دارها وخيامها، ويستلم هناك الخدم الحليب من ظهره، وما عليك إلا أن تركب هذا الجمل، وتنام بين القرب التي توضع على ظهره، لتصل إلى محبوبتك، أما ناقتك صيدح فاتركها معي في الحفظ والأمان”.

 

اليازية والجمل

أخذ الخادم صيدح وبنى لها عشّةً في طرف المرعى، وأخذ كل يوم يجلب لها الحليب من الإبل ويسقيها ويقدّم لها الأكل. أما العقيلي فقد ركب على جمل اليازية، ونام بين قرب الحليب على ظهره، وسار الجمل مسرعًا محملا بالحليب والعقيلي، وكان من عادة الخدم أن يفتحوا الباب للجمل يوميا حتى يصل إلى خيمة اليازية لتأخذ الحليب من على ظهره. وفعلا فتحوا الباب للجمل وكان الوقت مساء، وعندما أناخت البعير لتنزل قرب الحليب وإذا بهذا الرجل الجميل بين القرب، فخافت اليازية وصرخت، إلا أنها عرفت بسرعة أنه العقيلي والذي كانت تحبه وتفكر فيه هي أيضًا.

أسرع الخدم نحوها عندما صرخت، إلا أنها نهرتهم وقالت لهم إن البعير عضّها قليلا في إصبعها، ولا خوف عليها فأرجعتهم إلى أماكنهم، وأنزلت الحليب وأدْخلت العقيلي إلى مضارب خيامها ولا أحد يعلم به، فحكى لها قصته كاملة، وفرحت به فرحًا شديدًا وأمرت خادماتها الخصوصيات بإخفاء العقيلي في إحدى خيامها، وأمرتهن بالتكتم على ذلك والاهتمام به وبأكله.

وظل الجمل يأتي إليها بالحليب يوميا، بينما الجمال الأخرى، والخدم يأتون بالحليب للبقية الأخرى من حريم الشيخ وأهله وأبنائه، والذين أحسّوا أن الحليب بدأ يتناقص، ولم يكن كما كان عليه قبل أيام، خاصةً وأن معظم الإبل (عزّف)، أي والدات وبهن حليب، فشكّوا في ذلك ورفعوا الأمر إلى الشيخ للنظر في الموضوع.

 

ابن الحرام

توجّه أهله وأبناؤه بشكواهم إلى الشيخ من قلّة الحليب ونقصه، فقال لهم: “أرسلوا أحد المخبرين إلى الخادم الذي يرعى الإبل ليرى بأم عينيه أين يذهب الحليب”، فاختاروا أحد الخدم ليراقب الخادم الذي يرعى الإبل. وذهب إلى المرعى، لكن الخادم أحس بذلك وعرف أن هذا يتجسّس عليه، وأنه سوف يلاحظ الناقة صيدح التي خبأها في طرف المرعى ويقوم بسقيها الحليب صباحا ومساءً، فاختار حليبا من إحدى النوق حديثات الولادة، والتي يسبّب حليبها الهدام والنوم لمن يشربه، وقدّم هذا الحليب للرجل الذي أتى إليه لمراقبته، وفعلاً نام هذا الرجل حتى المساء، ورجع إلى شيخ القبيلة وأخبرهم أن كل شيء على ما يرام، وأن كل الحليب الذي يحلب من الإبل، يرسل إلى مضارب القبيلة.

لم يقتنع الشيخ وأعوانه بذلك، فقاموا بإرسال رجل داهية، يطلقون عليه (ابن الحرام)، ومعروف عنه المكر والخداع، وطلبوا منه أن يأتي إليهم بالحقيقة، وفعلا ذهب إليه، وحيث إن الخادم يعرفه ويعرف الهدف الذي أتى من أجله، قام بحلب ناقة حديثة الولادة وقدّمه إليه، فعرفه ولم يشربه، بل صبَّه في التراب متظاهرًا بشربه، ونام خدعةً له، وظل يراقبه عندما يحلب الإبل ويأخذ الحليب إلى عشّةٍ فيطرف المرعى،ويقدّمه لتلك الناقة الحمراء البكر.

عرف الخادم أن هذا الرجل يراقبه وأنه رأى الناقة الحمراء، فقرر التخلّص منه بطريقة جيدة، فرجع إليه وجلس بجانبه ومعه خنجر حاد، وقال له إني أرى حبّةً كبيرةً في لسانك وستؤثر عليك ويجب أن تأخذ علاجا لها، فخاف ابن الحرام وقال له: “ليتك تساعدني في علاجها”، فقال له: “اخرج لسانك قليلا لأحدّد موقع تلك الحبّة»، ولما أخرج لسانه مسك به يتحسّسه، وينظر إليه وسحبه قليلا إلى الأمام، وبسرعة فائقة أخذ الخنجر التي كانت بيده وقطع لسانه من منتصفه، وأخذه إلى مضارب خيام القبيلة يبكي ويصرخ، وقال لهم، إنه كان يلهو بالخنجر وقطع لسانه بنفسه.

حمراء دنّا.. صبغ الحنّا

وكان أمر الخادم ونقص الحليب أهم لديهم من (ابن الحرام)، فسألوه أولاً ماذا رأى هناك فقام يؤشر لهم بيديه، ينزلها ويرفعها، ويتأتى بكلام لم يفهموا له لجرح لسانه، فنادوا على أخته واسمها (الغبنة)، وكانت من العجائز المعروفات بالدهاء والحنكة، لتترجم لهم ما يقوله، ولما أتت سألوها أن تترجم ما يقوله، فقالت لهم إنه يقول:

حمرا دنّا ​صبغ الحنّا

طلبة قلب ​اللّي يتمنّا

أي أنه رأى هناك ناقة حمراء جميلة لها رقبة تدليها دومًا للأمام وهي التي يطلقون عليها (دنّا)، ولونها أحمر مثل صبغ الحنا، فعرف الشيخ وأعوانه أن لدى الخادم ناقة غريبة حمراء اللون أصيلة يسقيها حليب الإبل، وهو السبب في نقص الحليب. فاستدعوا الخادم وسألوه عن هذه الناقة الحمراء الجميلة التي توجد بين الإبل ويسقيها الحليب كل يوم، فقال لهم الخادم: “إنها ناقةٌ بكرٌ غريبة، ليس عليها عزلاً  (الوسم)،  لأي قبيلة، وأظن أنها هملٌ وليس لها راعٍ، وربما فُقد صاحبها في معركة أو طرحته أرضًا ومات، وذلك لقوتها وسرعتها، فقرّرت المحافظة عليها بين إبلنا، وقمت بسقيها الحليب لأنني اكتشفت أنها متعوّدةً عليه، وذلك حتى لا نفقدها فيستفيد منها الشيخ وأبنائه”.

كان هذا ليس هو الحقيقة، وإنما كان كذبة أراد بها الخادم أن يجنّب نفسه العقاب ويستر على صاحبها العقيلي وذلك حسب الوعد الذي أعطاه إياها. وبالرغم من أن الشيخ اقتنع بتبرير الخادم إلا أنه أراد أن يكتشف صاحب تلك الناقة ويبحث عنه بأي طريقة.

وعليه، فقد قرّر الشيخ جلب الناقة إلى مضارب القبيلة للانتقام منها، وجيء بالبكرة ذات الأوصاف الجميلة، وأمر الشيخ بوضع الناقة في ساحة خيامهم الكبيرة، بعد أن تم عقالها من يديها وأرجلها بأربعة عقالات حديدية، على أن يلعب شباب القبيلة عليها كل ليلة لعبة (الحلّة) الشعبية، وأن لا يقدّم إليها طعام أو شراب، حتى يعرفون صاحبها. وفعلاً جيء بها إلى الدار وعقلت بأربعة عقالات من حديد، ووضعت في وسط الخيام بدون أكل أو ظل أو شراب، وقام شباب القبيلة يلعبون عليها ويضربونها وما إلى ذلك، حتى ضعفت وهزلت ولم يُعرف بعد من هو صاحبها.

مخلوطين يا عيال هلال

وبينما كانت الناقة على هذه الحال، كان العقيلي يراقب ويرى ما يحصل لناقته، وقد ضاقت عليه السبل وحزن حزنًا شديدًا لذلك، فهي الناقة التي أوصلته إلى حبيبة قلبه اليازية، وقرر أن يخلّص ناقته من هذه المحنة بأي طريقة، فقال لليازية: “عليك أن تحدّدي موقفك مني فإما ناقتي، وإلا سأتركك وأنصرف”. فقالت له: “سأتصرف أنا، ولن أتركك”.

وحيث إنها كانت تعرف ما يحدث للناقة صيدح من تعذيبٍ وإهانة وجوعٍ وعطشٍ علاوة على الحديد في يديها ورجليها، فقد أمرت صائغًا بأن يعمل لها مقصّا من فولاذ يقطع الحديد، وجيء إليها بهذا المقصّ وأعطته إلى العقيلي، وقالت له: “تصرّف الآن وافعل ما تراه مناسبًا”، فاتفق معها على أن يقوم بقطع عقال الناقة الحديدي في الليل، بينما هو يلعب مع شباب القبيلة عليها لعبة الحلّة، وتكون هي جاهزة لتركب معه في تلك اللحظة عليها، وينطلقون مسرعين إلى الخلاء، فوافقت على ذلك واستعدت وحزمت أغراضها الخفيفة و(مزودة) ذهبها وأموالها.

وعندما حان المساء تجهّز العقيلي بمقصّه، وانضم إلى جمع الشباب الذين يلعبون على الناقة، يركضون من مسافة حتى يضربوا الناقة بأيديهم، ثم يرجعون وهكذا، حيث كانت هي هدف اللعبة، وفعل العقيلي مثلهم، وهم لا يحسّون به لكثرة الأعداد وظلام الليل، وكان عند ذهابه ورجوعه مسرعًا، يركل برجله ذلك العجوز الأعمى الجالس في أحد الجوانب، يتسلّى ويسمع وشوشاتهم وصراخهم.

وكان ذلك العجوز عندما يشعر بهذه الركلات، يقول لهم: “مخلوطين يا عيال هلال، مخلوطين يا عيال هلال”، أي أن فيكم غريبًا، حتى رجعوا يحسبون بعضهم بعضا، فلم يلاحظوا أية زيادة في عددهم، واستمروا في لعبهم على الناقة.

أما العقيلي فكان كلما وصل إليها يقطع أحد الأعقلة عنها حتى قطع ثلاثة منها، أما العقال الرابع فقد نساه، بينما كانت اليازية ورفيقاتها ينظرن بفرح إلى الشباب، وهم يلعبون.

مزودة الذهب

كانت اليازية تراقب العقيلي باهتمام لتنفيذ الخطة فأشّر عليها حسب اتفاقهم، وتقدّمت بسرعة للناقة، وإذا به يركب عليها فردفت معه على الناقة، إلا أن مزودة أو كيس ذهبها سقط عنها، فأخبرت العقيلي بذلك، وقال لها: “اطمئني، إذا جاء على ذيل الناقة فسيعلق به”.

وفعلا طوت الناقة ذيلها عليه وكما يقول البدو (شالت بذيلها) أي رفعته فتعلقت به المزودة، بينما ضرب الناقة برجله، فثارت مسرعةً حينما أحست به وعرفته، وخلفه اليازية وسار عليها بأقصى سرعتها، فانتبه القوم وفوجئوا بذلك، وأخذوا يصرخون ويبحثون عن من ركب عليها، وهي مسرعة جدا وتركض برجلين ويد واحدة، لكن جمل اليازية لحقهما مسرعا حيث شمّ رائحة اليازية، فحسّت به، ورمت عليه عباءتها، حتى توقّف يشمّ العباءة، وتوقّف عن السير وراءهم.

كان الناس يقومون بمطاردتهم بالخيل والإبل في محاولة للحاق بالناقة، حيث كانت هي الأسرع، وكما قالوا: (صيدح ما يسبقها إلا ولدها، وما عندها ولد)، فرجعوا عنها مكسورين ونادمين ومهزومين. وبينما كانا في الطريق إذا بالخادم ينادي عليهم بأعلى صوته عندما رأى الناقة تجري مسرعة على ثلاثة قوائم: “إحدى أيادي ناقتك معقولة” أي مربوطة، فانحنى العقيلي بسرعة عليها وقص العقال الرابع، وحينها أمسك الخادم بطرف (الغرضة) أي طرف الشداد متعلقا به وهي تجري مسرعة، حتى غابت عن الأنظار وعليها العقيلي وحبيبته اليازية ومعهما الخادم الذي كان لهما خير معين، ورجع العقيلي إلى والده وأهله وتزوّج من اليازية وعاش حياةً هانئة مستقرة، بينما جاءهم رجال قبيلة اليازية وتصالحوا معهم وباركوا زيجة اليازية من العقيلي وجاوروهم في السكن. والله أعلم.

عن adminh