الرئيسية / حوارات / حوار مع الدكتور سلمان أبو سته

حوار مع الدكتور سلمان أبو سته

حوار مع …

الباحث الموسوعي

الدكتور سلمان أبو سته

حاورته: لميس البرغوثي

  

“عرّاب حق العودة” لقبٌ يُطلق عليه ويستحقه بجدارة، فطوال ما يزيد عن الأربعين عاما انصبّ اهتمامه بالقضية الفلسطينية على جوهرها الأساس وهو قضية اللاجئين وحقهم في العودة إلى ديارهم. كتب مئات المقالات والأبحاث عن الموضوع، وألّف كتبا باللغتين العربية والإنجليزية تُوثّق النكبة الفلسطينية وما نتج عنها من تهجير قسري، ومحاولات لمحو الذاكرة الجماعية للشعب الفلسطيني، وطمس هويته الحضارية وتراثه الأصيل.

ألقى مئات المحاضرات في العواصم العربية والغربية عن حق العودة، وإمكانية تطبيقه فعليا على أرض الواقع مُوثّقا ذلك بالدراسات العلمية الدقيقة والمفصّلة، وسعى إلى توحيد جهود المؤسسات والعاملين في الدفاع عن حق العودة، فأسّس ورأس جمعية أرض فلسطين في لندن عام 2000.

إنه الدكتور سلمان حسين دهشان أبو سته، من مواليد بئر السبع عام 1937، أحرز الترتيب الأول على كافة طلاب وطالبات مصر والسودان وقطاع غزّة في شهادة الثقافة العامة عام 1953 والتوجيهية عام 1954، درس بالمدرسة السعيدية بالقاهرة، وحصل على شهادة البكالوريوس في الهندسة المدنية في جامعة القاهرة عام 1959، وعلى شهادة الدكتوراة في جامعة لندن عام 1964، وألّف أكثر من ثلاثين بحثا علميا وكتابا في الهندسة، وأنشأ في الكويت في ثمانينيات القرن الماضي شركة العمران الدولية وحوّلها إلى مركز متخصص في قضية فلسطين.

كان عضوا مستقلا في المجلس الوطني الفلسطيني بين عامي 1974 وأوقف عضويته عند اتفاقية أوسلو عام 1993.

من مؤلفاته:

1- حق العودة مقدّس وقانوني وممكن. الناشر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر 2001.

2- طريق العودة، دليل المدن والقرى المُهجّرة والحالية والأماكن المقدسة في فلسطين. الناشر: هيئة أرض فلسطين، لندن، 2007.

3- سجل النكبة 1948. الناشر: مركز العودة الفلسطيني، لندن، 2000.

4- أطلس فلسطين 1948. الناشر: هيئة أرض فلسطين، لندن، 2004.

5- أطلس فلسطين 1917 – 1966. الناشر: هيئة أرض فلسطين، لندن، 2010 بالإنجليزية، و2012 بالعربية.

6- الحقوق لا تزول، الناشر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2013.

أخذت على عاتقك طوال ما يزيد عن الأربعين عاما، توثيق فلسطين، وتأريخ النكبة. وكنت أحد حراس الذاكرة الجماعية للشعب الفلسطيني.

كيف كانت بدايات البحث والتأريخ؟ وما الذي دفعك إلى ذلك؟

كانت الصدمة الأولى لشاب فلسطيني لاجئ وصل إلى بريطانيا في مطلع الستينيات من القرن الماضي أن يجد في بريطانيا عداء شديدا لفلسطين ومسحا لآثارها. وكان هذا غريبا حقا لأن وصولي إلى بريطانيا كان بعد 10 سنوات من النكبة التي كانت بريطانيا صانعها الأول. ولا بد أن كثيرا من موظفي حكومة فلسطين الانتدابية كانوا على قيد الحياة ويعرفون تماما ماهي فلسطين وماذا فعلوا بها.

هناك حادثتان صادمتان لشاب فلسطيني وجد نفسه في مجتمع غربي معاد مثل بريطانيا بدل أن يكون حاميا للحقوق الفلسطينية التي اؤتمن عليها ثم خانها.

الحادثة الأولى: ذهبت إلى مكتب الأجانب لاستلام الترخيص بالإقامة ووجدت مكتوبا إلى جانب جنسيتي “غير معلوم” فرجعت إلى الموظف أسأله عن هذا الخطأ وقلت له: إنني فلسطيني وأنتم تعلمون ماهي وأين هي فلسطين. فنظر إلي بإشفاق وقال بشيء من التعاطف: ” لا تقلق كثيرا، هذه مجرد رسميات”.

والحادثة الثانية: أنني ذهبت إلى الجمعية الجغرافية الملكية لأطّلع على خرائط فلسطين وقال لي أمين مكتية الخرائط: “لا توجد فلسطين”. فقلت له: هذا غير معقول، انظر ربما كانت تهجئة أخرى للكلمة، فنظر وقال: “أؤكد جوابي مرة أخرى”. فأخذته إلى خريطة معلقة على الجدار فقلت له: “هذه هي فلسطين” فرد علي قائلا: “آه، تقصد إسرائيل”. وجدت أن مكتبة عريقة مثل الجمعية الجغرافية الملكية تحذف اسم فلسطين رغم أن بريطانيا هي التي تعهدت أمام عصبة الأمم باستقلال فلسطين وبناء مؤسسات الدولة فيها إلى مستوى تصنيف الدولة في العراق.

لم يكن طمس تاريخ وجغرافية فلسطين صدفة، لأن هذا واحد من أهم أهداف الصهيونية وهي ثلاثة. الأول: الاستيلاء على أرض فلسطين، والثاني: طرد أهلها منها، والثالث: مسح تاريخها وذكرها في السجلات. ولذلك وعلى مدى عقود عديدة بدأت بجمع الوثائق والخرائط عن فلسطين.

يعتقد البعض أنه بسبب وصاية بريطانيا على فلسطين حفظت بريطانيا كل وثائقها وسجلاتهاعن فلسطين في مكان واحد. وهذا غير صحيح. إذ وجدت أجزاء من هذه السجلات في أكثر من 40 وزارة ومؤسسة ومكتبة وجامعة، وليس هناك سجل واحد كامل عن فلسطين في أي منها.

ثم وجدت أيضا أن هناك وثائق هامة موجودة في المكتبة الوطنية في باريس. وهناك أيضا وثائق التراث الألماني الذي سجل فلسطين كأرض مقدسة، ودور ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، موجود في برلين وليبزيج وميونيخ. وهناك أيضا سجل فلسطيني يتعلق بالكنيسة الأرثوذوكسية في الناصرة موجود في  بيترسبورغ “لينينغراد سابقا” في روسيا.

أما تركيا فلا تزال السجلات العثمانية فيها أكبر وأهم مصدر معلومات عن فلسطين، ولكن باللغة العثمانية القديمة وبالحرف العربي. أما مكتبة الكونغرس فهي غنية بالتراث الفلسطيني ، ولكن أهمها المراسلات الديبلوماسية بعد الحرب العالمية الثانية التي دشنها ترومان بتحيزه المطلق إلى إسرائيل.

لم يكن كافيا جمع هذه الوثائق بل كان ينبغي التدقيق فيها ومراجعتها وإزالة الشوائب منها وإكمال النواقص فيها، ثم رسمها في خرائط متكاملة أدت في النهاية إلى أطلس فلسطين الذي يسجل 1,200 مدينة وقرية و 12,000 معلم ديني وتاريخي و 30,000 اسم مكان في فلسطين. وكذلك أصدرنا عدة أطالس أخرى وكتب وأكثر من 400 بحث عن فلسطين. وهذا إرث كل فلسطيني لكي يسترجع حقه في وطنه ويعود إلى العيش فيه بحرية وكرامة، وهو أيضاً رد قاطع على محاولة طمس تاريخ وجغرافية فلسطين.

 

وُلدت في بئر السبع، وكتبت في مؤلفاتك عنها بشكل موسّع، ولعل هذه المنطقة من فلسطين لم تحظ بالقدر الكافي من الدراسة من قبل الباحثين رغم أهميتها الاستراتيجية والحضارية والتراثية … وما يتعرض له أهل النقب الآن من تهجير هو – حقيقة – نكبة ما زالت تتجدد.

هل لك أن تحدثنا عن تراث هذه المنطقة، وذكرياتك فيها، وصمود أهلها في حفاظهم على أرضهم وتراثهم؟

كان النصف الجنوبي من فلسطين في نهاية القرن التاسع عشر تابعا لمتصرف القدس، وهو المنصب الذي كان متصلا بالسلطان العثماني مباشرة. وكان القسم الأكبر من جنوب فلسطين أو اللواء الجنوبي، يُسمّى بلاد غزة وعاصمته غزة ومنطقته تبدأ من ساحل البحر الأبيض المتوسط حتى العقبة شاملا أجزاء من شرق الأردن ومن سيناء. وعندما حددت بريطانيا حدود فلسطين مع مصر وشرق الأردن انحصرت هذه المساحة في قضائي غزة وبئر السبع.

ويجب أن نُنوّه هنا أن استعمال كلمة النقب غير صحيح لأن كلمة النقب في اللغة العربية تعني الممر بين جبلين. وأما كلمة النقب الحالية فهي محرّفة من العبرية وتعني الجنوب. ولا يوجد لكلمة النقب بمعنى قضاء بئر السبع أي وجود في وثائق الانتداب البريطاني.

لقد حارب أهل قضاء بئر السبع من أجل حرية بلادهم وكان لهم دور كبير في ثورة 1936 إذ طردوا الإنكليز من القضاء في نوفمبر سنة 1938 حتى نوفمبر 1939. واستمرت هذه المجموعات الفدائية في مقاومة الصهيونية بعد ذلك. وبقي القضاء الذي تبلغ مساحته 12 مليون و500 ألف دونم خاليا من اليهود باستثناء بضعة مستعمرات يهودية متفرقة.

لقد نشأتُ في عائلة ذات مبادئ وطنية صارمة، ونفوذ عشائرى تعدّى حدود فلسطين. لقد حارب أجدادى دفاعاً عن حماهم في القرن التاسع عشر أمام المعتدين، ولو كانوا من أهل البلاد. وفي القرن العشرين، كان لأفراد كثيرين من عائلتى دور في محاربة الانجليز عام 1915 والانتداب البريطاني، وقادوا ثورة 1936 في الجنوب، وحاربوا الصهاينة ولم يجعلوا لهم موطئ قدم في قضاء بئر السبع، وقادوا حركة الفدائيين في غزة بعد النكبة، وشاركوا في تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية، ثم في لجنتها التنفيذية لعقود طويلة بعد ذلك.

ولذلك ليس مستغرباً أنه، بعد نكبة 1948، بدأ الفدائيون وغالبيتهم من أبناء غزة وبئر السبع  بالهجوم على المحتلين الصهاينة إلى أن تبنى عبد الناصر العمليات الفدائية عام 1955. وفي هذه الفترة وبعدها أيام الثورة الفلسطينية سنة 1969 كان معظم الشهداء من أبناء قضاء بئر السبع. كما أن عددا كبيرا من أعضاء أول لجنة تنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية كانوا من بئر السبع.

لقد هُجّر 90% من أهالي قضاء بئر السبع من ديارهم سنة 1948 والذين يبلغ عددهم اليوم أكثر من ثلاثة أرباع مليون نسمة، وبقي على أرض الوطن 10% ولكن ليس في ديارهم التي فلحوها على مدى عشرات السنين. ذلك لأن العدو الصهيوني اعتبر أراضيهم أملاك دولة وأنه ليس لهم حق الملكية. هذا رغم أننا زودنا محاميهم بوثائق تثبت اعتراف حكومة فلسطين الانتدابية بملكياتهم، بل وصلنا إلى إبراز سجلات الضرائب العثمانية لعام 1596 لإثبات ذلك. لكن العدو الصهيوني لا يعترف بالحق ولا القانون وإنما يؤمن بالقوة. ولذلك فإن صاحب الحق يجب أن يلجأ إلى القوة لاسترجاع  حقه.

   الصورة التي أثارت ضجة كبيرة في الاوساط الاعلامية والاكاديمية ( معسكرات اعتقال الفلسطينيين 1948 )

 

في كتابك ” حق العودة مقدّس وقانوني وممكن” تأكيد على قدسية حق العودة وقانونيته. وهذا أمر مثبت ومؤكد. وما يهمني في هذا المجال أن توضح لي وللقراء كيف هو “ممكن” من وجهة نظرك، وحسب ما توصلت إليه في دراستك؟

حق العودة مقدس في وجدان كل فلسطيني، وقانوني في كل الشرائع السماوية والأرضية. أما كونه ممكن فمن المدهش حقا أن الصهيونية عتمت على طبيعة استيطانها لأرض فلسطين. فقد أثبتت دراساتنا أن 87% من اليهود يعيشون في 17% على الأكثر من الأرض المحتلة عام 1948. إذ هم لا يزالون يعيشون في نفس الأماكن التي كانوا يعيشون فيها أيام الإنتداب البريطاني مع بعض المدن الفلسطينية. أما الريف الفلسطيني فلا يزال خاليا تقريبا من السكان. وقد أثبتت دراساتنا أن أراضي حوالي 250 قرية فلسطينية لا تزال خالية تماما من اليهود، وأن أراضي 250 قرية أخرى فيها القليل من اليهود سكان الكيبوتس والموشاف. ولذلك فإنه بإمكان اللاجئين في قطاع غزة أن ينتشروا في جنوب فلسطين حتى الخليل والقدس دون أن يجدوا في طريقهم كثيرا من المستوطنين. وبإمكان اللاجئين مثلا  في لبنان أن يتقدموا لملاقاة إخوتهم في جنين وسيجدون نصف السكان في طريقهم من الفلسطينيين الباقين في ديارهم. ونذكر هذه الحقائق ليس من باب الجغرافية فحسب ولكن لنقول إن حقنا قابل للتحقيق ولا تنقصنا التضحية من أجله. ولكننا نحتاج إلى القيادة التي تقبلها وتثق بها غالبية الشعب الفلسطيني.

صراعنا مع العدو متعدد الجوانب. ولعل أهم جانب فيه هو الصراع الثقافي والحضاري. ونحن كمجلة تهتم بالثقافة الشعبية، نرى أن كتابك “طريق العودة، دليل المدن والقرى المهجرة والحالية والأماكن المقدسة في فلسطين” يمثل مشروعا ثقافيا يحفظ الأرض الفلسطينية من الاندثار، ويحافظ على هوية شعب وتراثه فوق أرضه …

نرغب أن تستعرض لنا بشيء من التفصيل فكرة الكتاب وأهدافه.

كتاب طريق العودة يمثل فترتين زمنيتين؛ الأولى فلسطين قبل 1948 والثانية الوضع الحالي عندما طُمست الطرق ودُمّرت القرى. وبموجب هذا الأطلس يمكن للفلسطيني أن يجد مكان قريته وأرضه وما تبقى من آثارها مثل المسجد والمقبرة وآثار البيوت رغم أنها مطموسة في الخرائط الإسرائيلية. هذا ليس مجرد كتاب في الجغرافيا، ولكنه كما يدل الإسم “طريق العودة” الذي ستسلكه الأجيال القادمة لإعادة تعمير القرى وتأهيلها بالسكان.

لقد أصبح هذا الكتاب مرجعا للشباب في فلسطين 1948 لزيارة قراهم، وكذلك للشباب المولودين في الخارج والذين بإمكانهم زيارة فلسطين. كما أنه أيضا المرجع لجمعية “زخرت” وأعضاءها من الإسرائيليين الذين يعلمون الإسرائيليين أن الأرض التي يمشون عليها هي أرض اللاجئين الذين يطالبون بالعودة إلى ديارهم. وقد قامت جمعية “زخرت” بتحويل هذا الكتاب مع إضافات منها إلى تطبيق آبل تحت إسم iNakba الذي بموجبه يمكن لأي شخص الوصول إلى أي قرية حسب الطرق الحديثة ويجد معلومات عنها. وهنا يجب أن أضيف أننا بدأنا منذ سنتين مشروعا لتوثيق القرى الفلسطينية المهجرة، وفيه نصدر ملفا لكل قرية يشمل 6 خرائط وتقريرا من 11 بندا عن القرية. وسينتج عن هذا المشروع مسابقة دولية للمهندسين الفلسطينيين لإعادة تصميم وبناء بيوتهم.

من أعمالك المميزة أنك صممت ورسمت خريطة تضم كل قرى ومدن فلسطين، وُزّع منها ما يقارب المليون نسخة باللغتين العربية والإنجليزية.

كيف كانت الفكرة؟ وما الصعوبات التي واجهتها؟ وما الأثر الذي تركته؟

هذه الخريطة المكونة من صفحة واحدة 50 * 70 سم لاقت رواجا كبيرا، وصدر منها الآن أكثر من مليون ونصف نسخة وربما أكثر، وذلك لأنها كتاب في صفحة يشمل أسماء هذه القرى وعدد اللاجئين منها ومساحة أراضيهم والأسباب المباشرة لخروجهم وحقهم في العودة. ونظرا لحجمها (بوستر) وغزارة معلوماتها فقد لاقت قبولا كبيرا بين أوساط الشباب.

وقد أصدرت دار نشر جامعة شيكاغو هذا الشهر مجلداً ضخماً بعنوان (الخرائط في القرن العشرين)

Cartography in the Twentieth Century لأهم الخرائط المؤثرة، واختارت هذه الخريطة لتكون ضمن هذا المجلد.

 

في سعيك من أجل توحيد جهود المؤسسات والمنظمات والأفراد العاملة في مجال حق العودة، أسست في لندن هيئة أرض فلسطين، عام 2000.

ما فكرتها، وأهدافها، ودورها في الحفاظ على حقوق الشعب الفلسطيني؟ وهل يلقى عمل الهيئة تأييدا ودعما من الوسط العربي؟

لقد اتضح لنا بعد كارثة أوسلو أن حق العودة في خطر، وحيث أن قضية فلسطين هي أساسا اقتلاع شعب من أرضه وحق العودة إليها، لذلك فإن هذا هو صلب القضية الفلسطينية، وكل القضايا الأخرى ناتجة عن ذلك، وعليه فقد بدأنا حملة تنوير للشباب عن ماهية حق العودة وظروفه وإمكانياته، وقد وصلنا إلى مرحلة من التنوير تبين لنا بعدها أنه لا بد للمطالبين بهذا الحق وقانونيته القدرة على التنفيذ. وحيث أن هذا هو واجب منظمة التحرير الفلسطينية التي تهمشت قصدا أو عجزا بعد أوسلو، لذلك كان لابد من ملء هذا الفراغ بالعمل الشعبي في البداية ثم تحويله إلى قوة تمثيلية قانونية معترف بها. ولا يزال المطلب الشعبي الأول هو انتخاب مجلس وطني جديد تنبثق عنه قيادة فلسطينية كفؤة، معترف بها، قادرة على مقارعة الخصم في كل المجالات. وللأسف لا تزال بعض المصالح الحزبية والشخصية تقف في وجه هذا التوجه. ولكن لابد أن هذا الأمر سيتحقق قريبا. ويجب أن يكون هذا هو الهدف الشعبي الأول الذى يطالب به كل فلسطيني. أما جهود هيئة أرض فلسطين في هذا المجال فإنها لاقت تقديرا كبيرا في الأوساط الشعبية الفلسطينية وفي المحافل والمؤتمرات والجامعات الغربية، وهي كذلك معترف بها من قبل الأمم المتحدة. أما في الوسط العربي فالاهتمام بها من الأوساط الشعبية الوطنية فقط. ولا تلقى أي دعم أو تأييد من الوسط العربي الرسمي أيا كان، ولو لمجرد الاستفادة من نتائج العمل المُنجز. وبإمكان الراغبين في معرفة المزيد عن “هيئة أرض فلسطين”، والمعلومات المتوفرة بها، بإمكانهم بالعربية والإنجليزية الاطلاع على موقعنا www.plands.org

 

ألقيت عدة محاضرات حول دور المهندس الفلسطيني في إعادة تعمير فلسطين.

كيف ترى هذا الدور؟ وماهى المسؤولية الملقاة عليه في الحفاظ على التراث المادي المعماري في فلسطين الذي يعكس هويتها الحضارية؟

للمهندسين الفلسطينيين دور كبير في إعادة تعمير فلسطين، ولهم في ذلك سجل مشرف إذ أن كثيرا من المهندسين الفلسطينيين ساهموا خلال العقود الماضية في تطوير وبناء عمّان وبيروت والخليج والسعودية، فضلا عن مساهمتهم في أوروبا وأمريكا. ولقد وضعنا برنامجا لتعمير القرى الفلسطينية المُهجّرة، وهذا جزء من مشروع توثيق القرى الفلسطينية المدمرة الذى أشرت إليه سابقاً. ووجدنا أنه بالإمكان بناء 2 مليون وحدة سكنية بأيد فلسطينية ومهندسين فلسطينيين. ومن المدهش حقا أن تكاليف إعمار فلسطين أقل من تكاليف حرب واحدة شنت على فلسطين خلال 60 عاما، هذا إذا لم نذكر تكاليف الأسلحة المكدسة في المخازن العربية. وكما ذكرت سابقا فإن المهندسين الفلسطينيين سيدخلون في مسابقة لإعمار القرى المدمرة وإن كانت خرائطهم اليوم على الورق فإنها ستكون غدا على أرض الوطن.

أخيرا، ما الذي تود أن تقوله للأجيال الشابة؟

أذكر الأجيال الشابة بما قاله بن غوريون “الكبار يموتون والصغار ينسون”. لا بد أنه يتقلب الآن في قبره لأنني رأيت الجيل الثالث والرابع من اللاجئين في المخيمات وفي جامعات أمريكا ومدن أوروبا، ووجدتهم يتحرقون شوقا إلى وطنهم ويتعرفون عليه بكل الوسائل. وأقول لهم لا تنسوا وطنكم أبدا وتعرفوا عليه بالكلمة والصورة وأيضا بالعمل والمطالبة بالعودة إليه. ولديكم اليوم آفاقا واسعة وكثيرة للمطالبة بحقوقكم، خصوصاً أن التقنية الحديثة تعبر الحدود وتفتح الأبواب المغلقة، وتقضي على احتكار الصهيونية لإعلام الغرب، وتجيّش الناس في أنحاء العالم للوقوف إلى جانب الحق. وعليكم أن تنظموا أنفسكم في جمعيات وتكتلات ونقابات تكون نواة إعادة تجميع الشعب الفلسطيني في الشتات ليكون كما كان شعبا على أرضه ولكي يجتمع تاريخه الذي حمله معه في الشتات بجغرافيته التي سلبها منه العدو الصهيوني في أكبر وأطول عملية تهجير عرفها التاريخ. وماضاع حق وراءه مطالب.

عن adminh

شاهد أيضاً

نظير الشمالي … حوار هاله نمَّر

من فوق أسوار هذه المدينة العتيقة على ساحل شاطىء المتوسط شمال غرب البلاد، يمتد البحر أمامك حاضرًا بكل ما يغازلك به من وعودٍ بالآتي، بانتفاء الحدود، بالعودة من أقاصي الأرض، بالفرح وزغاريد النساء الحبْلَى بزهر الحنُّونة والزعتر الجبلى، بأغاني البحَّارة التي سقطت من الذاكرة؛ وللمفارقة التي تثير في الروح شجنًا قديمًا وطازجًا في الوقت نفسه، يتحول هذا البحر الذي ركب أمواجه القاصون والدُناة/الدانون، إلى جدار كالجدار، يصدُّ أحلام التوَّاقين إلى اعتلاء فلائك الصيد القديمة ونشر قلوعها، وهى تشق أزرق لم يجف لاجتلاب الرزق ولآلىء البحر، وطرح شباكها المطويّة التي مازال يغويها البريق والغوص. تذكّرتُ "حليمة" و"محفوظة" وجميع هؤلاء المتناثرين على الضفاف الأخرى للبلاد؛ حيث إنهم مذ اقتلاعهم من المكان لايعرفون عن البحر سوى صدى أمواجه والحكايات؛ فعند انكسار الموج على شواطىء عكا، عند الحد الفاصل بين الأرض المحتلَّة والأفق المُكبَّل، تطال يديك صدفاته المبلّلة الملونة بأطياف المكان وهواجس البشر، وبعض ما قُسِم لك من السمك الذي شاركك الخبز، عند الشاطىء الشرقي للمتوسط، ظهرك لمدينةٍ -وإن هزمت نابليون- ترزح تحت أغلال احتلال يجرِّف الهوية، وعيون تتطلَّع من محاجرها إلى اللانهائي من الاحتمالات، تختلط المشاعر وتتضارب حينًا، وتستكين في أحيان أخري؛ فتظل تتنازع بين الحضور والغياب.