الرئيسية / دراسات ومقالات / أدب شعبي / مقالات / حول كتابة قصص الأطفال … د.شريف كناعنة

حول كتابة قصص الأطفال … د.شريف كناعنة

حول كتابة قصص الأطفال

 

 

 

 

 

 

 

 

د.شريف كناعنة*

* أستاذ علم الإنسان والتراث الشعبي والتاريخ الشفوي في جامعة بير زيت. له في هذه الحقول أكثر من ثلاثين كتابًا وثمانين بحثًا منشورًا، فلسطين.

 

الموضوع الرئيس لهذه المقالة هو كيفية كتابة القصة للأطفال. والأطفال الذين يعنونني هنا، هم أولئك الذين بين سن الثلاث سنوات وسن العشر سنوات، أي ما قبل السن الذي يبدأ فيه ظهور أعراض جسمانية عاطفية أو إدراكية للمراهقة، وأجريتُ مقارنة بين الأنواع الثلاثة: الحكايات الخرافية الشعبية، والحكايات الخرافية المُحدَّثة، وقصص الانتفاضة التي يرويها الأطفال. وتوصَّلتُ إلى أن الحكاية الخرافية الشفوية التقليدية والقصص التي يرتجلها الأطفال هما أكثر مناسبةً نفسيًّا وتربويًّا لميول وحاجات الأطفال من “الحكاية الخرافية الأدبية”.

 

أبدأ الحديث بالتجارب التي قادتني إلى النتائج التي توصلتُ إليها في هذه الدراسة. وتتكون تلك التجارب من ثلاثة اهتمامات بحثية وجَّهتْ اهتماماتي الأكاديمية خلال العقود الأربعة الأخيرة، عندما عدتُ للعمل في الجامعات الفلسطينية بعد أن قضيتُ حوالي خمس عشرة سنة في الدراسة والعمل في جامعات أمريكية.

بدأ أول هذه الاهتمامات البحثية سنة 1978، عندما بدأتُ بجمع الحكايات الخرافية الفلسطينية، وهذا الاهتمام ما زال مستمرًّا حتى الوقت الحاضر، وقد توسع وتكثَّف بعد اعتراف اليونسكو سنة 2005 بالحكاية الخرافية الفلسطينية كإحدى معالم التراث غير الملموس على المستوى العالمي والتي يجب الحفاظ عليها، وجاء ذلك نتيجةً لاقتراحٍ كنتُ قد قدَّمتُهُ لليونسكو عن طريق وزارة الثقافة الفلسطينية، وقامت اليونسكو عن طريق وزارة الثقافة كذلك بمشروعٍ لجمع الحكاية الخرافية الفلسطينية دام ثلاث سنوات، وكنت أنا المدير الأكاديمي له. كان من نتائج هذا الاهتمام أيضا، كتاب: (قول يا طير) الذي صدر أولاً باللغة الإنجليزية بعنوان: (Speak Bird, Speak Again)، عن جامعة كاليفورنيا بيركلي، ثم بالعربية عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت، ثم تُرجم إلى عدة لغات أوروبية أخرى.

الاهتمام البحثي الثاني بدأ أواخر سنة 1987 بعد فترة قصيرة من انطلاق الانتفاضة الأولى التي عُرفتْ فيما بعد عند الفلسطينيين بـ(انتفاضة الأطفال) أو (انتفاضة أطفال الحجارة)، وقد اعتمدتْ تلك الانتفاضة بشكل رئيس على الأطفال الفلسطينيين من سن 7 سنوات حتى سن 13 أو 14 سنة.

كان الأطفال الفلسطينيون في هذه الانتفاضة يشتبكون مع الجنود الإسرائيليين بالحجارة لفترات قصيرة تكون مدة كل اشتباك عدة دقائق فقط، وفي كل اشتباك كان من الممكن أن يتعرض بعض الأطفال للقتل أو الإصابة ويهرب الباقون، وكما كان يفعل الكبار، كنتُ أنا أيضًا أقف على الرصيف، على مسافةٍ آمنةٍ من الاشتباك وأراقبُ ما يجري، وبعد فترة لاحظتُ أن الأطفال بعد هربهم كانوا يعودون للتجمع على مسافةٍ آمنةٍ من الجنود ويتحدثون بحيويةٍ عاليةٍ ويضحكون كثيرًا، عرفتُ فيما بعد أنهم في نقاشاتهم هذه كانوا يتفاخرون ويتنافسون فيما بينهم برواية قصصٍ عن بطولاتٍ قاموا بها هم أو أصدقاؤهم ضد الجنود الإسرائيليين، وأنهم يتقبلون قصص بعضهم بعضا وكأنها حقيقية ويجدونها طريفةً جدًّا.

تلك القصص يمكن تبويبها من قبل دارسي الفلكلور بأنها: “أساطير معاصرة طريفة”، وقد بدأتُ بجمع ودراسة هذه الأساطير بداية الانتفاضة الأولى بأسابيع قليلة وهذا الأمر تحوَّلَ إلى مشروعٍ كبيرٍ وطويلٍ حول النكتة السياسية الفلسطينية بشكل عام، ونتج عنه حتى الآن كتابان وعدة مقالات، وما زال العمل فيه مستمرًّا، وقد جلب انتباهي في هذه الأساطير مدى تشابه أبطالها مع العديد من أبطال الحكايات الخرافية التي كنتُ قد جمعتُها سابقًا.

من أهم جوانب التشابه بين أبطال اللَّونيْن من القصص كون البطل فيهما صغير السن، وكثيرًا ما يكون أصغر طفلٍ في العائلة، ومع كونه صغيرًا جسديًّا أو معاقًا أحيانًا، إلا أنه يتمكن من التغلب على خصومٍ له أقوى منه كثيرًا، وغالبًا ما يكون ذلك بمساعدة شخصٍ آخر أو قوةٍ خارقة. وهناك تشابهٌ آخر بين نوعيْ القصص يتمثل في مرافقة الأم للبطل في العديد من مغامراته.

وهذه بعض الأمثلة منالأساطير الفلسطينية المعاصرة التي كنتُ قد جمعتُها أثناء الانتفاضة:

  1. مرَّة من المرَّات كانت مدينة غزة تحت “منع التجوّل” الذي فُرضَ عليها من قبل جنود الاحتلال الإسرائيلي، أثناء ذلك شعرتْ إحدى النساء الحوامل ببداية “الطَّلق” وأنها على وشك أن تلد، أخذها الجنود إلى مستشفًى عسكريٍّ لِتَلِدَ هناك، وشاء القدر أن تكون حاملًا بولديْن، ظهر رأس الولد الأول فنظر حوله ورأى الجنود الإسرائيليين فحوَّل بصره إلى أخيه وصرخ عليه قائلًا: “إحْنَا مْطَوَّقين؛ لقّط احْجار!”.
  2. طفلٌ يخرج باستمرار من باب بيتٍ، يُلقي بعض الحجارة على الجنود ثم يركض عائدًا إلى البيت، يدخل الجنود البيت ولكن لا يجدونه، صحافي أجنبي لاحظ ذلك فدخل البيت، ورجا الأم أن تخبره كيف يتمكن الطفل من الاختفاء من الجنود، في البداية رفضت الأم أن تخبره، ولكنه نجح في النهاية بإقناعها على شرط ألا يخبر أي شخص عن ذلك، وعندها رفعت السيدة طرف ثوبها الواسع والطويل وقالت: “اطلع يا محمود يا حبيبي!”.
  3. خالد العراقي، طفلٌ من جنين كان لقبه: (القُجّة)، سبَّب الكثير من المشاكل للجنود الإسرائيليين، كان الجنود دائمًا يفتشون عنه، وأصيب عدة مرات، ولكنهم لم يتمكنوا من إلقاء القبض عليه، في إحدى المرات أُصيب (القجة) فأخذه الأولاد الآخرون إلى المستشفى وكان من الضروري استئصال طحاله، ولكن عندما أزالوه (أي الطحال) وجدوا طحالًا صغيرًا آخر. تعافى (القجة) من العملية وخلال أيام قليلة عاد إلى الشارع وإلى إلقاء الحجارة على الجنود.
  4. في مخيم الأمعري، كان الجميع يتحدثون عن ولد عمره 13 سنة، لا أحد يعرف اسمه الحقيقي، وقد أطلقوا عليه لقب: (هُبوب الريح)، وكان كل من في المخيم يعرفه لأنه كان قد قام بالعديد من الأعمال البطولية، وكان قد سبَّب الجنون للجنود الإسرائيليين، ويقول أهل المخيم إن (إسحاق شامير)، رئيس الوزراء الإسرائيلي في حينه، قال مرة إنه مستعد لإطلاق جميع المعتقلين من مخيم الأمعري وأن يزيل برج المراقبة من المخيم، مقابل إلقاء القبض على (هبوب الريح)، لأنه يستطيع القيام بعمل أشياء لا يمكن لأي شخص آخر أن يعملها، فهو مثلًا تمكَّن من إصابة أكثر من مائة جندي وحده.
  5. مرَّة من المرَّات جاء الجنود واحتلوا بناء المدرسة ورفعوا العلم الإسرائيلي عليه، أحد الشباب الصغار تسلَّق إلى سطح المدرسة وأنزل العَلَم الإسرائيلي ووضع عَلَمًا فلسطينيًّا مكانه مع أن الجنود كانوا في كل مكان، وقد قال ذلك الشاب الصغير إنه عندما نزل عن السطح رمى ترابًا في أعين الجنود ويظهر أن الله أعمى عيونهم فلم يتمكنوا من رؤيته، ما مكَّنه من القيام بمهمته وكأن شيئًا لم يحدث.

الاهتمام البحثي الثالث حديثٌ نسبيًّا، جاء بعد منتصف التسعينيات من القرن الماضي، كنتيجةٍ للدور الكبير الذي لعبه الأطفال في الانتفاضة الأولى، فبدايةً من السنوات الأخيرة للانتفاضة بدأ عديدٌ من الكُتَّاب والشعراء والمثقفين الفلسطينيين يهتمون أكثر فأكثر بالأطفال ويكتبون أكثر فأكثر لهم وعنهم. وأكثر ما جلب انتباهي في هذا النشاط كان العدد الكبير من “القصص الشعبية الأدبية”، حيث يأخذ الكاتب إحدى أشهر القصص الشعبية الخرافية ويغيّر فيها بما  يعتقد أنه “يُحسِّنها”، و”يُهذِّبها”، و”يُحدِّثها”. هذا التوجه ليس في الحقيقة جديدًا، ولم يجرِ اختراعه من قبل الكتاب الفلسطينيين، بل نجد أن ذلك كان يجري منذ الطبعة الثانية لحكايات (الأخوين جريم) سنة 1819، وقبل ذلك بحوالي قرنيْن في فرنسا وإيطاليا.

عندما أجريتُ مقارنة بين الأنواع الثلاثة: الحكايات الخرافية الشعبية، والحكايات الخرافية المُحدَّثة، وقصص الانتفاضة التي يرويها الأطفال، أصبح واضحًا لي أن النوعيْن: الأول والثالث أشبه ببعضهما، وأعتقد أن التشابه جاء نتيجة أن قصص النوع الثالث جرى تأليفها من قبل الأطفال، والنوع الأول كان يُحكى للأطفال عبر عدة مئات وربما آلاف من السنين. ولذلك، فإن كليهما يتناسبان جيدا مع الحاجات النفسية والقدرات العقلية للأطفال، الحكايات الخرافية الأدبية من الجهة  الأخرى يجري تحضيرها من قبل الكبار ويظهر أنها تمثل ما يريده الكبار أن يكون عند الصغار، أو كيف يريدونهم أن يفكروا ويسلكوا كي يتناسبوا مع ما يريده الكبار، خصوصًا ما يرى المثقفون أفراد الطبقة العليا والوسطى من الكبار في ذلك المجتمع، هذا النوع من القصص يظهر أنه يُكتب “إلى” الأطفال وليس “لهم”، أي أن تلك القصص هي عبارة عن رسائل من الكبار إلى الصغار يخبرونهم فيها ما يريدونه منهم أن يكونوا كي يتمكنوا من خدمة حاجات وأهداف الكبار بشكل أفضل، ولم تُكتب لتخدم حاجات واهتمامات وآمال الأطفال أنفسهم أو لتعالج همومهم ومخاوفهم، هؤلاء الكبار الذين يكتبون القصص يعيشون في مجتمعات أقل بكثير من مثالية ولكنهم يحضّرون الأطفال للعيش في مجتمعات مثالية – أي مثالية حسب تعريف كبار مثقفين ميسوري الحال من الطبقة العليا في مجتمعاتهم- هذه الرسائل تعكس شيئَا من النفاق والأنانية عند الكبار.

لو استمر مجتمعنا في كونه مجتمعًا فلاحيًّا، أميًّا، تقليديًّا ومحافظًا، لكنتُ عارضتُ عمل أية تغييرات واعية ومقصودة على أيٍّ من الحكايات الخرافية الشعبية المتوارثة شفويًّا؛ لأنه من طبيعة مثل هذه القصص أن تتغير بشكل عفوي لتحافظ على تناسقها مع الظروف الاجتماعية والثقافية التي تتغير باستمرار عبر الزمن، ولكن بما أننا الآن أصبحنا نقرأ الحكايات لأطفالنا من الكتب ولا نعيدها من الذاكرة مما يُجمِّد تلك القصص ويمنعها من التطور، فإنني أتفق مع فكرة تطويرها وتحديثها، وهنا تقع المشكلة.

تركيبة الجهاز العصبي لنوعنا، أي الإنسان العاقل العاقل(Homo Sapien Sapiens) ، لم تتغير كثيرًا منذ حوالي مائة ألف سنة، والحكايات الخرافية انتقلت شفويًّا ومن الذاكرة منذ آلاف السنين، لذلك نجد أنها تطورت بطرق تناسبت مع الثقافات المختلفة عبر الزمان والمكان، ولكنها تطورت أيضًا بما يتناسب مع عقل طفل الإنسان الذي لم يتغير كثيرًا منذ آلاف السنين، أي أن هذه الحكايات أصبحت تتناسب مع حاجة  طفل بني الإنسان في كل مكان.

نقاط الالتقاء هذه بين ما يحتاجه عقل طفل الإنسان وما تقدمه له الحكاية الخرافية يجب ألا تغيب عن الحكايات أو القصص الأدبية التي تُكتب للأطفال سواء أكانت هذه القصص مبْنيَّة على حكايات خرافية سابقة أم كانت كليًّا من تأليف الكاتب.

أطرح فيما يلي عشر نقاط أعتقد أنها من نقاط الالتقاء بين حاجات ومؤهلات طفل الإنسان من جهة وطبيعة الحكاية الخرافية من جهة أخرى:

  1. يختلف الطفل العادي عن الناقد الأدبي أو عن أي شخص من الكبار بأن الطفل لا يُجري تحليلًا منطقيًّا للقصة ولا يحاول اكتشاف الرسالة التي تهدف القصة إلى إيصالها، وإنما يعيش القصة عن طريق التَّماهي مع إحدى شخصياتها -عادة بطل القصة-، إذا وجد لدى ذلك الشخص همومًا وحاجات وجودية ونفسية تتناسب مع همومه وحاجاته.
  2. المهم في القصة من حيث وجهة نظر الطفل، ليس من هو الرابح ومن هو الخاسر، وليس الخوف من العقوبة أو من الإثم أو العار، وإنما هَمُّ الطفل أن يشعر بأنه مهمٌ ومقبولٌ ومحبوبٌ، وأن يكون لديه أمل، وأن يجد معنًى للحياة ولوجوده فيها، ما يهمه ليس درسًا مُحدَّدا وإنما التوجه العام نحو الحياة والناس والعالم بشكل عام.
  3. لا تُقدمْ للطفل رسالةً محددةً حول موضوع محدد ولكن نظرةً أو توجهًا عامًّا يساعده في الانتقال من حيث هو إلى حيث يريد أن يكون.
  4. الطفل يدرك العالم عن طريق الكيف والتشبيه وليس عن طريق الكم. أعطِ الطفل صورًا وتشبيهات وكنايات وليس مقادير كمية أو رقمية مجردة؛ فقولنا للطفل مثلًا: “الفيل كبير كثير كثير كثير” يكون مفهومًا لديه أكثر من قولنا: “الفيل قدّ الجمل أربع أو خمس مرات”.
  5. الطفل يُدرك العالم بشكل ثنائيات مثل أسود وأبيض ولا شيء بينهما؛ ولذلك يجب وصف العالم للطفل بطريقة ثنائية، فشخوص الحكاية يجب أن يكون كل واحد منهم إمَّا شريرًا جدًّا أو خيِّراً جدَّا وليس خليطًا من الخير والشر.
  6. المضحك والطريف بالنسبة للطفل هو ما يتحدى أو يكسر الممنوعات والمُحرَّمات التي يفرضها مجتمع الكبار، ولهذا نجد أن الأطفال يفقدون الكثير من المتعة عندما يقوم الكبار “بتنظيفها” عن طريق حذف ما يشير إلى الأعضاء الجنسية أو إفرازات الجسم أو أي شيء لا يستسيغ الكبار ذكره.
  7. بطل حكاية الأطفال يجب ألا يظهر في البداية طويلًا وجميلًا وقويَّا وكبير الجسم، لأن الطفل لا يرى تلك الصفات في نفسه ولا يستطيع التماهي مع صاحب مثل تلك الصفات، الطفل يشعر عادة بأنه عديم القوة والسلطة، وبأنه مظلومٌ ومغلوبٌ على أمره في عالم الكبار، ويجب أن يكون للبطل في البداية نفس تلك الصفات ثم يبدأ بالانتصار والتغلب على خصومه وأعدائه، ويأخذ الطفل معه إلى مرحلة التحكم والتسلط على منافسيه وعلى العالم من حوله.
  8. المشاكل الوجودية للطفل من الصراع والتنافس مع والديه وإخوانه وأخواته، أي من داخل العائلة وليس من البيئة الطبيعية أو المجتمع خارج العائلة. العديد من كُتّاب “الحكاية الخرافية الأدبية” يحاولون “تحسين” الحكاية الخرافية عن طريق نقل خلافات وصراعات الطفل لتصبح مع أفراد من المجتمع خارج العائلة المباشرة، هذا طبعًا يَحرُمُ الطفل من الاستمتاع والاستفادة من القصة إذ إنه عندها لا يستطيع التماهي مع مغامرات ونجاحات وبطولات بطل القصة، لأن الطفل ليس له عادة منافسات أو صراعات مع أشخاص من خارج العائلة.
  9. قضية أخرى ذات علاقة بالقضية السابقة، إنه من الواضح لدارسي الحكاية الخرافية التقليدية أن” الضرة”، أي زوجة الأب هي في الحقيقة الجانب السلبي للأم، لذلك فإن قتل الأم لإدخال الخالة “امرأة الأب” في الحكاية يَحرُم الطفل من إمكانية القبول لـِ، والتوافق مع، الواقع الذي هو في الحقيقة أن الأم لا تكون دائمًا حنونة وطيبة ومحبة للطفل، وإنما هي أحيانًا تغضب وقد تكون قاسية وعنيفة، وعلى الطفل في النهاية أن يتقبل واقع الحياة ويتوافق معها.
  10. نصل أخيرًا إلى الرسومات في “الحكايات الخرافية الأدبية”، واضح أن الرسومات جاءت مع الحكايات الخرافية وأن الرسومات مثل النص المكتوب تسعى إلى غسل دماغ الطفل وجعله يتقبل ويستدخل ما يريده مجتمع الكبار من برمجة وقولبة عقلية وشخصية الصغار ودمجهم في مجتمع الكبار.

يمكن للرسومات أن تكون مفيدة في توجيه خيال الطفل وإعطائه أشكالًا وصورًا يسقط عليها شعوره وهمومه وآماله وطموحاته، ولكن على الرسومات أيضًا ألا تُحدِّد أو تُضيِّق خيال الطفل ولا تفرض عليه صورًا لا يرتاح لها؛ وإحدى الطرق لتفادي ذلك هي أن تكون الرسومات شديدة التجريد والغموض بحيث يستطيع الطفل أن يسقط عليها خياله وطموحاته وأمانيه.

نهاية أعود فأذكر أن النقطة الرئيسة التي أردت إبرازها في هذه الورقة هي أن الحكاية الخرافية الشفوية التقليدية والقصص التي يرتجلها الأطفال هما أقرب إلى بعضهما من أيٍّ منهما إلى “الحكاية الخرافية الأدبية”، ومناسبة أكثر منها نفسيًّا وتربويًّا لميول وحاجات الأطفال، وأن جهود أولئك الذين يحاولون “تحسين” و”تنظيف” الحكاية الخرافية الشعبية تقترب من روح المثل العربي الشعبي القائل: “أجَا يْكَحِّلْها .. عَماها!!”.

عن adminh