الرئيسية / حوارات / د. عبد الباري دُرَّة

د. عبد الباري دُرَّة

حوار مع د. عبد الباري دُرَّة

الخليل في ذاكرة أبنائها

حوار: لميس البرغوثي

ونواف الزَّرو

 

   تتعدد الأمكنة وتتشعب الدروب وتتنوع المعرفة، ويبقى للمكان الأول سحره الطاغي، وللدَّرب الأول تجربته الخاصة وللمعرفة الأولى نكهتها المميزة. فإذا كان هذا المكان هو الخليل التي تعبق برائحة التاريخ، ويروي كل حجر وزقاق وحارة وشجرة وصناعة فيها ألف حكاية وحكاية، فلا عجب أن تبقى محفورة في ذاكرة أبنائها ووجدانهم، وأن يحرسوا هذه الذاكرة للأجيال القادمة حتى يستعيد المكان الأول عافيته، وتخرج المدينة من محنة احتلالها.

  

   د.عبد الباري درة، أحد أبناء الخليل الذين عاشوا معظم سِنِيْ حياتهم خارجها وبقيت تعيش داخلهم. ولد في مصر عام 1935، وعاد مع أسرته إلى الخليل عام 1942، والتحق بمدارسها، وغادرها للدراسة في القاهرة عام 1953، وحصل من جامعة القاهرة على شهادة ليسانس آداب، قسم التاريخ عام 1958. وانتقلت به رحلة العلم إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وكانت الحصيلة ماجستير تربية، جامعة أنديانا في تراهوت 1964، وماجستير إدارة 1972، ودكتوراة إدارة 1975، من جامعة جنوب كاليفورنيا في لوس أنجلوس. ساهم في تأسيس ثلاث جامعات في الأردن، وهي: جامعة اليرموك، جامعة الإسراء وجامعة عمان العربية للدراسات العليا. وعمل رئيسًا لجامعة الإسراء لما يزيد عن أحد عشر عامًا، ورئيسًا لجامعة الشرق الأوسط لمدة عام. له ثلاثة كتب عامة، وعشرون كتابًا في الإدارة والميادين المتصلة بها، وواحد وعشرون كتابًا مدرسيًّا في الأردن، وعشرات الأبحاث والدراسات المنشورة في مجلات محكمة عربية وأجنبية.

اهتمامه بالعمل التطوعي أصيل، ونابعٌ من حسه بمسؤوليته المجتمعية والوطنية، ومُكرَّسٌ بشكل أساس لخدمة مدينته المحتلة، فكان من المؤسسين لملتقى الخليل للتنمية الشاملة في عمَّان، 2013. وأسس بالتعاون مع الجمعيات الخيرية في الخليل مدرسةً وروضةً في منطقة وادي الهَرِيَّة بالخليل، لدعم الحركة التعليمية هناك. كما أنه كان عضوًا في الهيئة الإدارية لجمعية يوم القدس وهو الآن عضو مجلس أمناء مركز دراسات القدس المُنبثق عنها.

الخليل.. مدينةً وتاريخًا وحضارةً وتراثًا وذاكرةً شخصيةً حيَّةَ، كانت البوصلة التي يتم العودة إليها عندما يتشعب الحديث في موضوعات عدة تقع في دائرة اهتمامات ضيفنا في حوارٍ يهدف إلى إضاءة جوانب مهمة في ذاكرةِ مكانٍ له خصوصية فريدة.

في مدرسة الحسين بن علي في الخليل. يظهر في الصورة، عيد الخطيب (بالطربوش) مدير المدرسة، جودة الدويك (السكرتير)، عبد الباري درة، كامل جلال وفتحي بنات. 1959. تصوير ستوديو شامية، بيت لحم.

القاهرة موطن رأسك التي ولدت بها عام 1935. هذا الأمر يدفعنا إلى سؤالك عن بدايات العائلة بشكل خاص في الانتقال من الخليل إلى القاهرة، وطبيعة العلاقة التي كانت تربط بين هذين المكانين في بدايات القرن الماضي.

تحتل القاهرة بالنسبة لي منزلة كالخليل، فقد وُلدتُ فيها، وكانت العلاقات التي تربط الخليل وأهلها بالقاهرة آنذاك علاقات قوية ووثيقة. فالخليل بحكم موقعها الاستراتيجي المتميز في جنوب فلسطين كانت مركزًا للتجارة بين سوريا والجزيرة العربية، ويمرُّ منها الحجاج، وبسبب وجود الصناعات المختلفة فيها وتميزها بالحرفيين المَهَرة كان أهل الخليل يتاجرون بها ويُسوِّقونها في البلدان المجاورة: سوريا، مصر، وتركيا. وإضافة إلى موقعها الجغرافي المميز، فإن الخليل تتميز ببيئتها الجغرافية، فهي جبلية عالية مطلة على البحر الميت وليست بعيدة عن البحر المتوسط، وهي قريبة من القدس وبيت لحم، وهنا يحضرني صديقي المصري جمال حمدان – رحمة الله عليه- الذي يفرق بين الموقع والموضع. فالخليل لها ميزتان وهما: الموقع بالنسبة إلى فلسطين، وموضعها أيضًا في تاريخها وتضاريسها وطبيعة أرضها.

الخليل بموقعها وموضعها دفعت كثيرًا من الناس إلى الهجرة والعمل في مصر، منهم: جدي عبد الباري الذي كان تاجرًا في مصر، والشيخ عبد الله دُرَّة -جَدُّ السيد عبد الغفار (أبو هشام درة) أحد أصحاب مطعم القدس- كان علمًا من أعلام الخليل، ودرس في الأزهر الشريف. وذهب والدي عام 1927، وهو ابن الخامسة عشر من عمره إلى مصر وفتح محلا تجاريًّا، وتزوج والدتي في الخليل، ووُلدتُ عام 1935 في مصر، ودرستُ في الكتَّاب فيها عند الشيخ أحمد.

إن فلسطين ومصر بسبب موقعهما الجغرافي كانتا مطمعًا لدولٍ استعماريةٍ كثيرةٍ وعلى رأسها بريطانيا، حيث احتلت بريطانيا مصر عام 1882، وفرض الانتداب البريطاني على فلسطين عام 1918. وبسبب الوجود البريطاني في كل من مصر وفلسطين، سهَّل هذا الأمر على أهل الخليل العمل والتجارة مع مصر، فكنا –كما أذكر جيدا- نستقل القطار من محطة القطار في القدس عند مستشفى العيون، وعندما نصل إلى العريش تكون هناك مَعَدِّيَةٌ تحمل الناس من العريش إلى الضفة الأخرى ثم نركب بالقطار حتى محطة مصر، التي تعرف حاليًّا باسم محطة رمْسيس.

عند نشوب الحرب العالمية الثانية 1939-1944، كانت أجواء الحرب في القاهرة تثير فينا الخوف، خاصة أثناء القصف والغارات الجوية، التي تقوم بها ألمانيا الهتلرية على المدن المصرية، فقرر الوالد العودة إلى الخليل، وكان ذلك في عام 1942 وكان عمري –آنذاك- سبع سنوات.

في كنيسة المهد في بيت لحم، مع طلاب من دار المعلمين في العروب، 1960.

ولا بد من الإشارة هنا إلى أمر يتعلق بطبيعة أهل الخليل، وسر نجاحهم في التجارة تحديدًا سواء في داخل الخليل أو خارجها. وأرى أن البيئة الجغرافية للخليل التي تحدثنا عنها آنفًا، قد انعكست وأثَّرت على طبيعة أهلها الذين عُرف عنهم أنهم أشداء ومغامرون، ولقد وصفهم المؤرخ (بيركهارت) الذي وصل إلى البلاد عام 1812، قائلا: “إن أهلها تجار ومغامرون ولا يُخادعون”. وهذا وصفٌ دقيقٌ للغاية، فالتاجر الخليلي لا يحب أن يَخدع أو يُخدع، ولا يحب أن يَغلب أو يُغلب. وهنا، أذكر موقفًا شهدته بنفسي قد تكون قصته صحيحةً أو غير صحيحة، ولكنها تُؤشِّر بعمق إلى كيفية فهم التاجر الخليلي لطبيعة مهنته، فقد كنت يومًا جالسًا في الحَسِبْ، (وهي الوليمة التي يقيمها أبو العريس قبل زواج ابنه، ويدعو إليها عددًا كبيرًا من الناس). وكان يجلس معنا شابٌّ، فقالوا على مَسْمَعٍ منه: هناك تاجر خليلي من الزرقاء يقال إنه (نَصَبَ) على آخر. فرد الشاب: عليه الطلاق بالثلاث أنه (لم ينصب)، فسألوه: هل تعرفه؟ فقال: لا أعرفه، ولكنني متأكد من أنه لا يوجد تاجر خليلي ينصِب!.

ولإلقاء مزيد من الضوء على الشخصية الخليلية، فإنني أقول إن “الخليلي” محافظٌ، ولعل هذا هو أحد الأسباب أنه لم تنشأ سينما واحدة في الخليل، مما دفع الشباب إلى الذهاب إلى بيت لحم لارتياد دور السينما وقضاء أوقات ممتعة فيها.

وقد يتهم “الخليلي” بأنه حريص حرصًا شديدًا على “القِرْش”، لا سيما أيام الضَّنك والعُسر. ولعل هذا ما يفسر حرصه على فتح محله التجاري بعد أن يصلِّي الفجر، ولا يغلقه إلا بعد أن يدخل الليل المدينة. ويذكر صديقنا الأستاذ تيسير الدويك الطُرفة التالية: أنك تلقى “الخليلي” فتقول له: “أين أنت يا أبا فلان؟ إننا لا نراك!”. فيردُّ عليك: ” ماذا أفعل، إن المحل كاسر رِجْلي”. أي لا يستطيع أن يغادره، فهو دائم العمل في محله. وقد دفعت هذه المقولة الأستاذ الدويك إلى صياغة عبارة عن الأسلوب الخليلي في الإدارة، وهو ” أسلوب إنكسار الرِّجل في المؤسسة”.

(The Broken Leg Hpproach) . ثم إن الخليلي كريم إلى حد الإسراف في الأكل والطبيخ، وقد ذكر لي أحد علماء الاجتماع في فلسطين أن ما تنفقه محافظة الخليل يوم الجمعة على اللحوم يعادل ما تنفقه محافظات الشمال على اللحوم في شهر!. وبالطبع فإن اللحم المفضل عند الخليلي هو لحم الضأن والغنم، ويجب أن تكون قطعة اللحمة كبيرة. والأكلة المفضلة هي: “القِدْرَة”، وللقدرة طقوسٌ وتقاليد ترقى إلى أن نُسمِّيها “ثقافة القدرة”. وقريب من ثقافة القدرة “ثقافة الكروم أو العنب”. ففي الغالب أن كل خليلي يملك حقلا أو كرمًا يزرعه بالتين والعنب، وإن لم تكن له أرض أو كرم، يستأجر (يتضمَّن) أرضًا ليقضي فصل الصيف في الكَرْم، ويُسمى التعبير الشائع أنه (يسكن) الكُروم. وشجرة العنب وشجرة التين ذات جذور عميقة في التراث الخليلي. فالخليلي يبيع العنب الطازج وكذلك التين في “الحِسْبَة”، ثم ينهمك وأفراد أسرته وأقرباؤه في صُنْع منتجاتٍ من تلك الشجرة المباركة، فالورق اللَّين الطَّري يُلفُّ به الأرز واللحمة ليكون “طبخة ورق العنب”، أما الثمر فيصنع منه المربَّى الخليلي المشهور (العنطبيخ)، والدِّبس والزبيب والخبيصة التي تُصنع من شراب العنب (الرَّاووق) والسميد والصنوبر وحبّ القريش (وهو من فصيلة الصنوبر)، ويُصنع من الخبيصة المَلْبَن المُجفف. وقد ذكر د.صبحي غوشة، الذي يمت بصلة قرابة مع بعض أهالي الخليل في كتابه: “شمسنا لن تغيب” أنه كثيرًا ما كان يزور الخليل في فصل الصيف، ويُعطي تفاصيل كثيرة عن “العنب طبيخ” (العنطبيخ باللهجة الخليلية). ويذكر أن أقاربه عملوا كمية من (العنطبيخ) ثم وضعوا النار والرماد الساخن في إحدى الزوايا، ورشوا عليها التراب، فجاء الطفل صبحي فقفز من حائطٍ على الرماد الساخن، فحُرِقت رجلاه، ويقول أنه يتمنى أن يعود إلى الخليل ويقفز على الرماد الساخن، فتحرق رجلاه مرة أخرى!. كما ويصنع من العنب الزبيب، وتستخدم غصون شجرة الكرمة الطويلة (ويطلق عليها العِبْري) في عمل سقوفٍ للبيوت التي يسكنها أهل الخليل في الصيف. ويُسمى البيت الذي يبنى من الحجارة (السِّيرَة)، كما تُستخدم تلك الغصون كحطبٍ للطبيخ. ومن أشهر أنواع العنب: الدَّابوقي والجَنْدَلي والأسود. أما أشهر أنواع التين، فهو التين الشْحَامِي والمْوازي والخْضَاري والنْعيمي. ويُجفَّف التين ليعمل من النوعيين الأوليين (الشحامي والموازي) كُراتٍ متوسطة الحجم، يُطلق عليها اسم (الكُماس)، أما الخضاري والنعيمي فيلقى في الشمس حتى يجف ويسمى (الدَّحِل). ولعل هذا يفسر بعضًا مما أسميناه ثقافة العنب والكروم.

ومما يوضح اجتهاد الخليلي في تكوين ثروةٍ له، اشتغاله في الصناعة. فلقد قامت في الخليل صناعات شهيرة قبل الاحتلال الصهيوني وبعده، ومنها صناعة الزجاج والخزف والأحذية التي نافست صناعة الأحذية الإسرائيلية وقتلتها، وكذلك صناعة الألبان بأنواعها، والمُعلَّبات والحجر.

وكما برع أهالي الخليل في الزراعة والصناعة، تفوقوا في التجارة قبل الاحتلال الصهيوني وبعده، وقد فُتحت لهم في السنوات الأخيرة أبواب الصين، مما دفع غرفة تجارة الخليل إلى دعوة القنصل الصيني في “تل أبيب” ليصدر تأشيرات الزيارة للتجَّار من أهل الخليل من مكتبٍ خُصِّص له في غرفة التجارة، مما حدا به إلى القول –كما يُروَى عنه- إنه يصدر تأشيرات كثيرة للتجار من “جمهورية الخليل!”. وكثيرًا ما سألت شبانا عن عدد المرات التي زاروا فيها الصين للتجارة، فبعضهم ذكر عشرين مرة وبعضهم ذكر ثلاثين مرة! وقد أنشأوا في الصين مطاعم تقدم الأكل العربي، ومنها “القدرة” بالطبع!. وقد كان لفتح أبواب التجارة مع الصين آثار سلبية على صناعة الملابس مثلا في الخليل، وقتلتها وأغلقت العديد من المصانع. وكثيرًا ما يرى الزائر لمدينة الخليل البضائع الصينية تملأ الأسواق وبأسعار رخيصة، وهي معروضة بشكلٍ يُشوِّه أسواق المدينة. وقد ذكر لي رئيس بلدية الخليل السابق، السيد خالد زهير العسيلي أن تردي أنواع المنتجات الصينية زاد من أعباء البلدية في جمع تلك المنتجات التي تُستهلك بسرعة مذهلة، وفتح مَكَبَّات جديدة لها. ولقد دفع توسع الأعمال والتجارة والصناعة أهالي الخليل إلى ترك المدينة القديمة إلى الأراضي التي يملكونها خارجها أو الكرومات، وبناء البيوت والعمارات السكنية والمحلات التجارية، مما أثَّر على الحركة والعمل في المدينة القديمة.

 

درستَ المرحلة الجامعية الأولى في القاهرة، في حقبة كانت الأحداث السياسية في الوطن العربي مفصلية، وكانت القاهرة في تلك الفترة مركز تلك الأحداث ومحركها خاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية وتداعياتها، وكانت منارة ثقافية. كيف أثرت تلك التجربة في تكوينك الثقافي والمعرفي؟

حصلت على شهادة المترك في الخليل عام 1953، وكنت الأول في مادة التاريخ في المملكة، فتم إرسالي في بعثة دراسية إلى القاهرة، حيث كانت سياسة الدولة الأردنية في الخمسينيات تدعم النابهين، دون تدخل المحسوبيات والواسطات.

أستطيع القول إنني تشربت القاهرة خلال البعثة، وأستطيع القول إنني رجعت إلى جذوري. وأذكر أنه كان يتم منحنا 20 دينارًا، وكان الدينار الأردني آنذاك يصرف بحوالي 20 جنيها مصريا. فكنت أصرف 12 دينارا وأرسل 8 دنانير إلى الوالد، الذي كان يعمل تاجرًا في القدس في ظروف صعبة. وما أجعلني أتشرب مصر أكثر أنني عملت فيها في الفترة من عام 1965 – 1968 كملحق ثقافي في القاهرة، مما عمَّق إحساسي بأهمية مصر. وبالمناسبة، فإن عدد أفراد عائلتنا (الشيخ درة) المتواجدين في مصر أكثر من عددهم في الخليل، وأظن أن عددًا من عائلات الخليل كذلك.

في القاهرة، تعرفت على كثير من الأصدقاء والكتاب والأدباء، ومنهم: صديقي جمال حمدان، والأستاذ الدكتور محمد أنيس، وهو أستاذ التاريخ الحديث الذي أثَّر في بشكل كبير، وعلى الرغم من اختلاف ميولنا السياسية إلا أننا لم نتباعد فكريًّا، وعرض عليَّ بسبب حصولي على المركز الأول أن أحضِّر رسالة ماجستير في التاريخ وفي القضية الفلسطينية تحديدًا. واقترح عليَّ موضوع تطور اهتمام مصر بالقضية الفلسطينية. ولكن الأمر لم يتم بسبب إرسالي في بعثة دراسية  إلى الولايات المتحدة الأمريكية. ومن أساتذتنا وأعلام الفكر الذين أثَّروا فينا كجيل الشباب، الأستاذ الدكتور محمد مصطفى زياده ودوره الرائد في قراءة التاريخ. وزميلي الأستاذ الدكتور عادل حسن غنيم، وهو من أهم مؤرخي القضية الفلسطينية في مصر.

مصر في تلك الفترة كانت قلب العالم العربي، وهي باستمرار كذلك، وبالنسبة إلى فترة حكم الرئيس جمال عبد الناصر وأثرها في الوطن العربي، فإنني في البداية، كنتُ أجفلُ من حُكمه، ولعل ذلك يعود إلى تأثري بالتوجهات الدينية في بداياتي، ولكنني فيما بعد، وجدته رجلا يقف مع الفقراء باستمرار وأنا رجل فقير. واتخذ سياسات تصب في مصلحة الفقراء كما عبَّر عن ذلك المفكر المصري المعروف يحيى الجمل الذي توفي في 21/11/2016،  بقوله :” إنها سياسات جادة منحازة للناس”، ومنها: مجَّانيَّة التعليم وتوزيع الأراضي وتأميم القناة، الذي أدى إلى حدوث العدوان الثلاثي عام 1956، وفي أثناء العدوان تم إغلاق الجامعات وتدريبنا على حمل السلاح. وأصبح هناك تحول في مصر بفضل عبد الناصر، إلى الفكرة العربية. وكنا نتابع باستمرار النقاش الذي كان يدور بين ساطع الحصري الذي ينادي بالعروبة أولا، وإحسان عبد القدوس الذي يقول مصر أولا. ونحن أهل الشام كنا نتعاطف طبعا مع ساطع الحصري، وبدأ عبد الناصر يتكلم عن القومية العربية، وتمت الوحدة مع سوريا عام 1958، وكانت خطوةً في غاية الأهمية، ووحدةً تآمرتْ عليها إسرائيل (والرجعية العربية) وفُضَّتْ عام 1961، وأذكر أنه يوم إعلان الوحدة كنت بجانب الجامعة الأمريكية في ميدان التحرير، وشاهدنا شكري القُوَّتْلي وهو يقول بطريقته المميزة: “هذا يوم من أيام العمر”. وعندما فُضَّتْ الوحدة، كنتُ معلمًا في دار المعلمين في العرُّوب، فوقفتُ وخطبتُ أمام الطلاب، قائلا: “هذه الوحدة تآمر عليها العرب، وتآمرت عليها إسرائيل، وتآمر عليها الغرب، وبإذن الله ستعود “. ونزلت عن المنصة باكيًا.

مصر بموقعها التاريخي والاستراتيجي وعمقها الجغرافي ودورها الثقافي وبعلمائها ووجود الأزهر فيها، هي قلب العالم العربي الإسلامي، الذي تعرَّض في تاريخه إلى غزوتين كبيرتين، هما: المغول وحروب الفرنج (الحروب الصليبية) ومن حسن حظ العرب والمسلمين، ومن حسن حظ مصر أن الذي رد هاتين الغزوتين هي مصر. الأولى، ردها قطز في عين جالوت. وكان أستاذنا الدكتور محمد مصطفى زيادة، يشرح عن المعركة في محاضراته لنا قائلا: “دي يا أولاد حادثة سيكولوجية كبيرة، ففي الوقت الذي نشر فيه التتار والمغول الرعب في كل أنحاء العالم الإسلامي، تمت هزيمتهم في عين جالوت، فتيقن الناس أن قوتهم التي لا تقهر ما هي إلا أكذوبة، وتم كسر حاجز الخوف لديهم، وانتقل أصداء هذا النصر إلى بلغاريا وجنوب أوروبا”. وفي حروب الفرنجة ردَّ الناصر صلاح الدين الأيوبي الفرنجة من مصر التي وحَّدها مع بلاد الشام، وأكمل مشواره السلاطين المماليك الذين جرَّدوا حملات ضد الفرنجة وأفشلوا غزواتهم على مصر. وبالمناسبة كنتُ –وباستمرار-أردِّد هذا القول بالنسبة لـ “إسرائيل”، فهي لا تحتاج إلا إلى هزيمة أو هزيمتين على يد الأبناء والقادة المخلصين من هذه الأمة.

 

تلقيتَ تعليمك المدرسي في مدارس الخليل، نود منك الحديث عن الحياة التعليمية في الخليل كما عايشتها في مراحل الدراسة الابتدائية والثانوية وذكرياتك عنها، وأهم الشخصيات التربوية التي تركت أثرًا في جيل الشباب.

درستُ المرحلة الابتدائية في مدرسة اسمها المَسْلَخ تابعة لبلدية الخليل، وأصبح اسمها فيما بعد المُتنبي، وكان مديرها الأستاذ عبد الفتاح الحموري. في هذه المدرسة علَّمني أستاذ معروف اسمه محمود الغول، وكنت في الصف الأول والثاني الابتدائي، وكان يحكي لنا قصصًا ممتعةً ومشوقةً من التراث العربي والعالمي نسمعها لأول مرة، ويحكي لنا عن البحر والأمواج، وظواهر الطبيعة مما يُثير خيالي. وعندما يطلب منَّا إعادة سرد هذه القصص، أعيدُ سردها باللهجة المصرية فيُسَرُّ ويُسعد. وفي تلك الفترة وأنا في الصف الثاني الابتدائي كان أستاذنا محمود الغول يترجم الإلياذة من اللاتينية إلى العربية ولم يكن يتجاوز العشرين عامًا. تعلقتٌ بأستاذي محمود بشكلٍ كبيرٍ، وحتى الآن عندما أتذكرُ يوم وداعنا له في الطابور الصباحي لذهابه إلى مصر ليدرس في جامعة فؤاد الأول (القاهرة فيما بعد) أشعر أن قلبي يهوى. في عام 1975 التقيتُ به في جامعة اليرموك، وكان قد نال درجة الدكتوراة في اللغات القديمة، وأصبح أستاذًا مرموقًا في عددٍ من الجامعات. وقلتُ له: أنت أستاذي. فقال: أين؟ وذكر عددًا من الجامعات التي درَّس بها: برنستون، هارفرد، جلاسكو، لندن، دار المعلمين في عمَّان. فقلت له: أنت علَّمتني في الخليل، فانتفض قائمًا، وقال: إذا ذكرت لي اسم المدرسة تكون صادقًا. فقلتُ له: في مدرسة المَسْلَخ، فتعانقنا، وأصبح في جامعة اليرموك راعيًا ومُوجِّهًا لي، مُستأنفًا عمله في تعليمي في مدرسة المسلخ قبل ما ينوف عن ثلاثين عامًا.

شهدتْ الخليل نهضة تعليمية كبيرة، وأنجبتْ خيرة رجال فلسطين في التربية والتعليم، الذين تركوا بعلمهم ووعيهم السياسي أثرًا واضحًا علينا، نحن جيل الشباب، وأذكر منهم الأستاذ خالد العسيلي، الذي أصبح حفيده خالد زهير العسيلي رئيس بلدية الخليل سابقًا، الذي كان يبث الوعي فينا، ويطلعنا على المؤامرات التي تُحاك ضد فلسطين والعرب، ودورنا في التصدي لها. وأنجبتْ الخليل رجلا –في رأيي- لم تُنجب فلسطين والأردن مثله، وهو الأستاذ المحامي عبد الخالق يَغْمور، الذي درس الحقوق في مصر، وعملتُ معه كنائبٍ له بعد أن أنشأ رابطة الجامعيين في الخليل عام 1953، وقد قامت هذه الرابطة بمنح الطلبة المجتهدين من محافظة الخليل قروضًا مكَّنتْهم من الدراسة في الخارج.

 

شكَّلت النكبة عام 1948، صدمةً مهولة للفلسطينين، وتغيرًا جذريًّا في أسلوب حياتهم ووعيهم ورؤيتهم للأمور. من خلال معايشتك لتلك الفترة، ما تأثيرها على مدينة الخليل وأهلها؟

قبل إعلان دولة “إسرائيل” تشكلت حركة جهادية شعبية في الخليل، شاركت النساء بها في قيامهن ببيع ذهبهن لشراء السلاح، وكان الناس يذهبون إلى مستوطنة “كَفِرْ عَصْيون” القريبة جدا من الخليل للقتال، ولم تسقط هذه المستوطنة إلا عندما قام الجيش الأردني بقيادة عبد الله التل باقتحامها، فكانت فرحة أهل الخليل كبيرة بسقوطها، وكنت آنذاك في سن الثالثة عشرة.

نكبة 1948، أثَّرت بشكل كبير على كل فلسطيني، حيث تم احتلال أكثر من نصف فلسطين، وشعرنا بآثارها في الخليل، عند حدوث مجزرة الدَّوايْمة، وتوافد المُهجَّرين من قراهم القريبة من الخليل، مثل: بيتْ جِبْرين والفالوجة وغيرهما إلى المدينة. وكان أهل الخليل يتعاطفون معهم ويأوونهم في بيوتهم وأراضيهم، وبدأ الناس يوقنون أن ما حدث ستطول تداعياته لفترة طويلة من الزمن، وأن ما يشهدونه هو مؤامرة كبيرة.

أثَّرتْ النكبة بشكل مباشر على أهل الخليل، بسبب الاستيلاء على مساحات شاسعة من الأراضي فيها، وكما هو معروف فإن أهل الخليل وإن كانوا يعيشون في المدينة، فإن معظمهم لديهم أراضٍ زراعية في المناطق المحيطة بالمدينة يقومون بزراعتها. ونتيجة للاستيلاء على مساحات شاسعة من الأراضي، وبسبب الأوضاع التي خلَّفتْها النكبة عانى أهل الخليل كغيرهم من أبناء الشعب الفلسطيني من ظروف معيشية قاسية، وتوقفت التجارة، مما اضطر الوالد إلى أن يغلق محله في القدس ويعود إلى الخليل.

فجَّرتْ النكبة الوعي عند الشباب، الذين التحقوا بالتنظيمات الحزبية المختلفة، وخاضوا في المُعتَرك السياسي والنضالي. ومن آثارها أن رئيس بلدية الخليل آنذاك الشيخ محمد علي الجَعْبَري وبعض السياسيين ذهبوا إلى الملك عبدالله الأول، ودعوا في مؤتمر أريحا عام 1949، إلى وحدة الضفة الغربية وشرق الأردن، فتمتْ الوحدة بين الضفتين الشرقية والغربية، والتي برأيي أدتْ إلى إنقاذ الضفة الغربية. وكمؤرخ وكتربوي، أرى أن هذه الوحدة كان لها تأثير إيجابي وخاصة في ظل اعتماد المناهج الأردنية ذات التوجه العربي الإسلامي في الضفة الغربية مما خلق جيلا مُنتميًا لأمته وحضارته، وهذا الأمر كان غائبًا في زمن الانتداب البريطاني، حيث أننا لم نكن نعرف شيئًا عن تاريخ العرب وفلسطين وكنا ندرس تاريخ أوروبا. وهذا ما دفع صديقي الأستاذ ذوقان الهنداوي إلى تأليف كتابٍ عن القضية الفلسطينية لطلاب المدارس في الأردن، وشاركتُ معه في تنقيح هذا الكتاب فيما بعد. فامتزج الشعبان مع بعضهما وانتقل الوعي بينهما. ولذا، فإنه على الرغم من أن نكبة فلسطين كانت لها آثار سلبية تمثلت في نجاح المشروع الصهيوني وفشل المشروع العربي، إلا أنه أيضًا كانت لها آثار إيجابية تمثلت في نشر الوعي وحثِّ الناس على التعليم. وأود أن أشير هنا إلى أن الدولة الأردنية بعد توحيد الضفتين سارت في مشروع نهضوي ممتاز، وهو الاستثمار في التعليم وإيفاد مبعوثين إلى جميع أقطار العالم، وأشعرُ أنني مَدين للدولة الأردنية التي أوفدتني في بعثات للحصول على الليسانس والماجستير والدكتوراة.

 

للخليل خصوصية، قد لا يشعر بها إلا من عاش في حاراتها وتجول في أزقتها وصلَّى في حرمها الإبراهيمي وأكل من تِكِيَّتها واشترى من أسواق بلدتها وتحدث إلى حرفييها وقرأ تاريخها. حدثنا عن الأمور التي تُعطي المدينة نكهتها الخاصة.

الخليل مدينة قديمة، بناها الكنعانيون كما يُقال. والتحول الكبير الذي حدث في تاريخها يتمثل في الفتح العربي الإسلامي في معركة (أجنادين) وهي قرية من قرى الخليل.

الخليل مدينة مبْنيةٌ حول الحرم الإبراهيمي، الذي تأتي أهميته كونه رابع المقدسات الإسلامية قدسيةً، حيث كان معظم الحجاج بعد أن ينهوا حجَّهم في مكة يأتون لزيارة القدس والحرم الإبراهيمي بما يعرف بتقديس الحجة.

تقع الخليل في وادٍ تحيطه الجبال، وأغلب أحيائها تُسمَّى الحارات، وكانت عائلتي تسكن في حارة القَزَّازين، وجميع الحارات والأسواق في البلدة القديمة تقع حول الحرم الإبراهيمي الذي أعطى أهل الخليل طابعًا مميزًا من حيث التَّدين. وحول الحرم أُنشِئ الرباط، وهو مكان واسع يتم إيواء الغرباء فيه، وأنشئت التِكِيَّة الإبراهيمية.

إن وجود الحرم والأوقاف والسِّماط الذي أصبح اسمه فيما بعد التكية الإبراهيمية، أطلق شعارًا ذا دلالات في غاية الأهمية، وهو: “الخليل هي المدينة التي لا يجوع أهلها ولا زوَّارها”. ونحن كعائلة كنا إلى حد ما ميسوري الحال، ومع هذا، كنا نذهب إلى التكية ونتناول شوربة سيدنا إبراهيم الخليل للتبرك. التكية الإبراهيمية معلم بارز ومهم من معالم المدينة، ذكرها جميع المؤرخين الذين زاروا المدينة. وهي مستمرة في أداء دورها على كافة الأصعدة، وتعتمد عليها كثير من الأسر في تأمين احتياجاتها الغذائية في ظل ظروف الاحتلال القاسية. وتأتي مواردها من المقتدرين ماديا من أهل الخليل وغيرهم.

 

علاقة أهل الخليل بالقدس علاقة مميزة على المستوى الشعبي والوطني. ما سر هذه العلاقة، وما تحليلك لها؟

الخليلي مغامر بطبعه وتاجر بالفطرة والخبرة. لذلك تطلَّع تجار الخليل إلى فتح أسواق جديدة لتجارتهم في البلدان والمدن المحيطة بهم. وبما أن القدس قريبة جغرافيا من الخليل فقد لجأوا إلى العمل فيها، فاشتغلوا بدايةً في العِتالة، ثم في التجارة حتى أصبحوا يملكون أغلب المحلات في سوق حارة النَّصاري وخان باب الزِّيت في القدس، ومنهم من استقر به المقام فيها. وبانتقالهم إلى القدس أصبحوا قريبين من قرى القدس، كالعيزَريَّة وأبوديس، ومن رام الله وقراها أيضا. ولذلك، نجد أن أصحاب عدد كبير من المحلات في بيت لحم ورام الله هم من أهل الخليل.

القدس كانت متنفسًا لأهل الخليل، تعلموا منها الشيء الكثير وحموها ودافعوا عنها ببسالة، وعلى رأسهم الأستاذ بهجت أبو غربية الذي ناضل على أسوار القدس، ومنهم على سبيل المثال عبد الوهاب المحتسب الذي يُروى عنه أنه بعد حرب 1967، جاء شخص يهودي بصحبته شخص أمريكي إلى محله في القدس، وسأله: هل تبيع دكانك هذه؟ فأجابه: نعم أبيعها. فسأله اليهودي عن السعر. فقال له: “تعال ادخل إلى الدكان وعِدْ بلاطاته، وكل بلاطة بمليون دولار”.  وما زال أهل الخليل يقومون بدورهم الوطني على أكمل وجه في المدينة المقدسة وفي التصدي للاستيطان وقوات حرس الحدود والمستوطنين. وفي الانتفاضة الأخيرة استشهد حوالي 120 شخصًا من أبناء الخليل، ومن بلدة سْعير بمفردها استشهد 15 شابًّا. والتاريخ النضالي لأهل الخليل مشهود له، فقد شارك أبناؤها في جميع الانتفاضات والثورات التي قام بها الشعب الفلسطييني ابتداء من هبة 1920و 1929 وثورة عام 1936، حيث كان هناك مجاهد مشهور جدا اسمه عبد الحليم الجولاني (لقبه الشَّلف) الذي ناضل ضد الانجليز وضد اليهود في آنٍ معًا، وحتى الآن ما زالت الخليل تشكل حلقة مهمة في مسيرة النضال الفلسطيني.

إن أطماع اليهود في الخليل لا تقل عن أطماعهم في القدس، وفي الأدبيات الدينية اليهودية والسياسية الصهيونية الآن، الخليل لا تقل قدسيَّةً عند اليهود عن القدس، وهم يعتبرونها مدينة الآباء والأجداد. وهذا ادعاء ليس له أساس من الصحة لأن الوجود العربي الإسلامي استمر أربعة عشر قرنًا، ووجود اليهود حتى ولو تم التسليم بفرضية وجود سيدنا داود وسليمان عليهما السلام، كان وجودهما عابرًا ولفترة زمنية قليلة.

 

ما دور الجمعيات والمؤسسات الخيرية خارج فلسطين في دعم صمود أهل الخليل، ونضالهم من أجل الحفاظ على هوية المدينة، وتراثها الحضاري؟

أعتقد أن لنا أكثر من دور. الدور الأول: هو الدور التَّوْعَوي. بمعنى أن يتم تربية أبنائنا على أن هذه مناطق محتلة يجب استردادها. وبصفتي من مؤسسي منتدى الخليل للتنمية الشاملة، أرى ضرورة أن يتم تأسيس مركز دراساتٍ مُختصٍّ بأمور الخليل والقضية الفلسطينية لنبين الحقائق التي يتم تزييفها من عدونا. والدور الثاني يتعلق بأهل الخليل أنفسهم. إذ تشير الإحصائيات الحديثة (قبل ثلاث سنوات فقط) عن وجود 32 مليونيرًا في الخليل. وفي الأردن على سبيل المثال لا توجد تجارة إلا ومشارك بها أهل الخليل، لذلك، لا بد من وجود مشروع نهضوي وطني لاسترداد الأماكن التي وضع اليهود أيديهم عليها، والاستمرار في إعمار البلدة القديمة، التي أصبحت بفعل سياسات الضغط الإسرائيلية خالية من سكانها. وللرد على هذه السياسات لا بد وبشكل عاجل من العمل على دعم النهضة العلمية والتربوية والنهضوية في الخليل. وأعتذرُ هنا للحديث عن نفسي، ولكنني أرغب في إيراد تجربةٍ شخصيةٍ لعلها تكون حافزًا للآخرين للاقتداء بها. فوالدي -رحمه الله- كان لديه أفق واسع، وعمل على استرداد أرض العائلة -التي باعها أعمامه- واستثمارها ونجح في ذلك، وتبرع بجزءٍ من أرض نملكها، تُسمى بأرض المَسَرَّة ومساحتها دونم ونصف لبناء مدرسة. وبالفعل أقيمتْ مدرسةٌ باسم الوالد وهي وقْفٌ لجمعية الشبان المسلمين، وتبرعتُ بدوري بمبلغٍ عند زيارتي للخليل. والآن هناك مدرسة باسم الحاج إبراهيم عبد الباري الشيخ درة، والروضة باسمي.

وفي هذا المجال، لا بد من الإشارة إلى الدور الوطني المهم الذي قام به الأستاذ عبد الخالق يَغْمور في تأسيس رابطة الجامعيين في الخليل التي أَنشأتْ جامعة البوليتيكنك أكبر جامعة هندسية في فلسطين. وللرابطة الآن فرعٌ في عمان وفرعٌ آخر في الكويت. وكان للرابطة وما يزال دور كبير في نشر التعليم وتعليم الشباب وإنشاء مدرسة ثانوية ومكتبة وجامعة هندسية، وهذا أهم دور حضاري للرابطة في مدينة الخليل. وللرابطة مركزٌ تجاريٌ (مول) مقابل البوابة الشمالية للجامعة الأردنية تقدر قيمته بـ (15) مليون دينار أردني، وهو وقْفٌ لمشروعات الرابطة.

إن على أهالي الخليل في الداخل والخارج أن ينهضوا بمسؤوليتهم الدينية والوطنية بإحياء التقليد الإسلامي العريق وهو الوَقْف، كما فعل المسلمون من قبل، فينشِئوا المستشفيات والجامعات وكليات المجتمع والمدارس ورياض الأطفال في مدينتهم الباسلة. عند ذلك تترسخ أقدام الناس هناك، وتقف الخليل عصيَّةً على أطماع اليهود الصهاينة ومخططاتهم اللئيمة.

عن adminh

شاهد أيضاً

نظير الشمالي … حوار هاله نمَّر

من فوق أسوار هذه المدينة العتيقة على ساحل شاطىء المتوسط شمال غرب البلاد، يمتد البحر أمامك حاضرًا بكل ما يغازلك به من وعودٍ بالآتي، بانتفاء الحدود، بالعودة من أقاصي الأرض، بالفرح وزغاريد النساء الحبْلَى بزهر الحنُّونة والزعتر الجبلى، بأغاني البحَّارة التي سقطت من الذاكرة؛ وللمفارقة التي تثير في الروح شجنًا قديمًا وطازجًا في الوقت نفسه، يتحول هذا البحر الذي ركب أمواجه القاصون والدُناة/الدانون، إلى جدار كالجدار، يصدُّ أحلام التوَّاقين إلى اعتلاء فلائك الصيد القديمة ونشر قلوعها، وهى تشق أزرق لم يجف لاجتلاب الرزق ولآلىء البحر، وطرح شباكها المطويّة التي مازال يغويها البريق والغوص. تذكّرتُ "حليمة" و"محفوظة" وجميع هؤلاء المتناثرين على الضفاف الأخرى للبلاد؛ حيث إنهم مذ اقتلاعهم من المكان لايعرفون عن البحر سوى صدى أمواجه والحكايات؛ فعند انكسار الموج على شواطىء عكا، عند الحد الفاصل بين الأرض المحتلَّة والأفق المُكبَّل، تطال يديك صدفاته المبلّلة الملونة بأطياف المكان وهواجس البشر، وبعض ما قُسِم لك من السمك الذي شاركك الخبز، عند الشاطىء الشرقي للمتوسط، ظهرك لمدينةٍ -وإن هزمت نابليون- ترزح تحت أغلال احتلال يجرِّف الهوية، وعيون تتطلَّع من محاجرها إلى اللانهائي من الاحتمالات، تختلط المشاعر وتتضارب حينًا، وتستكين في أحيان أخري؛ فتظل تتنازع بين الحضور والغياب.