الرئيسية / دراسات ومقالات / فنون شعبية / زجلٌ وزجَّالون من فلسطين .. زبيدة خليل

زجلٌ وزجَّالون من فلسطين .. زبيدة خليل

زجلٌ وزجَّالون من فلسطين

زبيدة خليل*

*طالبة في جامعة الشرق الأوسط/ الأردن

الزجل الشعبي في فلسطين جزء من الزجل في بلاد الشام، ويمتاز بتنوعه بسبب طبيعة فلسطين المتنوعة ما بين سهل وجبل وبحر وصحراء، وبسبب تنوع تركيبة سكانها بين مدينة وقرية وبادية، وسكان أصليين وآخرين وافدين، مما أكسب اللغة المحلية المحكيّة الفلسطينية ثروة كبيرة في التراكيب والمفردات، رَفَدتْها اللهجات المتعددة وزادتها غنىً.

 

الزجل لغة واصطلاحات

الزجل لغةً، هو كل صوت كصوت الرعد والرحى والرياح والأشجار والأحجار والحيوان والإنسان، ومنه صوت الحمام الزَّاجل.

والزجل اصطلاحا، هو كل شعر منظوم بلهجة عامية دارجة، لا يُراعَى فيها قواعد الإعراب، والصيغ الصحيحة للكلمات الفصيحة. ويرجع سبب تسميته بهذا المصطلح”الزجل” إلى كونه لا يُستطاب ولا يُلتذ به، ولا تفهم مقاطع أوزانه، ولزوم قوافيه، حتى يُغنَّى ويُصوَّت، فيزول اللَّبس بذلك ويتم الإقبال عليه من طرف الجميع.

وإذا كان الزجل قد اعتمد اللهجة العامية التي لا تخضع عادة لقواعد النحو، إلا أنه قد التزم الوزن، واعتمد عروض الشعر العربي، في معظم ألوانه، وصنع لنفسه أوزانا خاصة به في بعض الأحيان.

نشأة الزجل

يؤكد الباحث يوسف فخر الدين في دراسته العلمية الموثقة عن الزجل الشعبي، والتي أصدرها في كتاب بعنوان ” الزّجل في بلاد الشام من العصر الأُموي حتى سقوط الأندلس (أقوالٌ وقوّالون قبل القوّال الأوّل) إن الزّجل في بلاد الشام والغناء الشعبي بالعامية الشامية، شاع منذ العصر الأموي في أيام الوليد بن يزيد، وذلك قبل شيوع الزجل في الأندلس على يد ابن قزمان الذي يلقب (بإمام الزَّجَّالين) ومعاصريه بأربعة قرون. وقد مارس الصوفيّون في المشرق الشعر العامي (الزّجل) في حلقات الذكر اليومية، وأن أول ما وصلنا من أزجالهم مقطوعات مبنيّة على بحر الرمل، وهو المعروف بوزن (الندب) في أيامنا. وقد التزم الزّجّالون القدماء بقواعد النّظم بالعامية إلى حدّ التّزمّت في موضوع الأوزان والقوافي، فوضعوا لنقده قواعد صارمة.

أنواع الزجل وأجزائه

يتكون الزجل الشعبي من مجموعة واسعة من الفنون الغنائية المتنوعة الأغراض والأوزان والألحان، مع اختلافٍ في طرق النظم والصيانة؛ فهو يتكون من عشرة أجزاء رئيسة، وكل جزء منها يحتوي على أبواب متنوعة. والأجزاء الرئيسة العشرة التي يتكون منها الزجل الشعبي هي:

العتابا، الميجنا، الفرعاوي، القرادي، المْعنَّى، القصيد أو الشروقي، الجوفية (الهجيني)، المربَّع، المخمَّس والمثمَّن.

1- العتابا

العتابا كلمة مشتقة من “العتاب” الذي يميز هذا النوع من الغناء. وتعتبر العتابا من أكثر فنون الأغنية الشعبية انتشارا وأقربها إلى القلوب؛ لما تتميز به من جمال في النظم وبلاغة في العرض وعذوبة في الأداء، وهي نوعان: العتابا العادية والعتابا الطويلة.

وبيت العتابا يشكل وحدة كاملة ويعتمد في نظمه على فن بديعي جميل وهو الجناس (تشابه الألفاظ في النطق واختلافها في المعنى) كما أن بيت العتابا يتميز بالإيجاز البليغ؛ فقد يتحدث الشاعر عن قصة قصيرة أو نصيحة أو خبر بواسطة بيتٍ من العتابا. وقد اختلفت الآراء حول أصل العتابا، فهناك من يقول إن أول من نظم العتابا هي القبائل العربية التي عاشت في العراق ومنها انتقلت إلى بلاد الشام؛ وبعضهم يرى أن العتابا نشأت في أواخر العصر العباسي، عندما انتشرت اللغات العامية، وكثر اللحن في اللغة؛ وبعضهم يسرد قصصا أسطورية حول أصل العتابا “وهذه منتشرة في فلسطين”، وتقول القصة: بأن هناك فتاة اسمها “عتاب” تعلق بحبها شاعرٌ، وأصبح يتغنى بها مبتدئا الكلام بكلمة عتابا عاتبتني وأنا شبيب؛ ورواية أخرى تنتشر في شمال فلسطين في منطقة الشاغور والجرمق تقول: إن هناك أميرًا تزوج من فتاة جميلة جداً، وكان يحبها كثيراً ويخاف أن يراها الناس؛ فأسكنها في غابات الجرمق. وكان يذهب إلى الصيد ويعود إليها في المساء. وذات يوم جاءها صيادون وزوجها غائب؛ فأكرمت وفادتهم. وبعد أن انتهوا من الضيافة، اختطفوها وذهبوا بها. ولما عاد الأمير إلى بيته ولم يجدها؛ اعتقد أنها هربت وتركته فصار يعاتبها بالشعر ويلومها في الغياب، وصار ينتقل بخيمته من مكان إلى آخر بحثا عنها. وكان كلما يدق أوتاد خيمته في مكان ما يستخدم أداة الميجنا (وهي مطرقة خشبية تسمى ميجنا)، وكان يخاطب المطرقة هذه ويقول: لها “يا ميجنا يا ميجنا بالله تقولي كيف حال حبابنا”. وهذه قصة قد تكون أسطورية ولكنها شائعة ومنتشرة بين أوساط الشعب.

ويبدأ بيت العتابا وينتهي بصوتين، وهما:

1- الأوف: وهي مدة صوتية طويلة يؤديها المغني، تبعاً لقوة ودرجة وعلو صوته. وهي أشبه بالتحذير وطلب انتباه الجمهور لسماع بيت العتابا. وتختلف قوة الأوف ومداه من مكان إلى آخر في فلسطين؛ ففي الشمال الأوف قصيرة، وفي الوسط طويلة. وفي بعض الأحيان يُستعاض عن كلمة أوف بكلمة مثل: يايابا، آآخ، وما شابه.

2- العنة: بعد الانتهاء من الأوف يبدأ الزَّجَّال بقول بيت العتابا، ويتوقف عند نهايته (الباء الساكنة) توقفا قصيراً ثم يبدأ بالعنة، وهي أقل حدة من الأوف وتكون بقول: آه آه آه آه. والعنة إشارة إلى أن الزجال سيُنهي دوره ويمهد للشاعر أو الزجال الآخر للبدء بالأوف والعتابا، وهكذا يستمر التبادل ما بينهما.

يمكن الاستغناء عن “الأوف” في بداية بيت العتابا، وعن “العنة” في نهايته، إذا ما كانت هناك “محاورة” بين زجالين، وتسمى العتابا في تلك الحالة بـ “عتابا قشل”. ويقصد من عدم قول الأوف أو العنة في هذا النوع من العتابا؛ اختصار الوقت؛ بمعنى أن الزجال يسرع في قول بيت العتابا في أقل وقت حتى لا يعطي مجالا كافياً لزميله للتفكير والرد عليه، وبذلك يتفوق عليه. وتبدو قوة الارتجال في هذا النوع أكثر وضوحاً

2- الميجنا

أصل الميجانا من “المجون” وهو المزاح والهزل، كما أن فعل “ميجن” يعني طرب وتغنى. والميجنا عبارة عن بيت من العتابا ولكنها تختلف عن العتابا في أنها تختم بحرف “نا” بدلاً من الباء الساكنة، كما أنها تختلف عن العتابا في طريقة الأداء والغناء، فالميجنا بطيئة الأداء وهادئة أكثر من العتابا، كما أن الميجنا عادة ما تنتهي ببيت يردده الجمهور مثل: “يا ميجنا يا ميجنا يا ميجنا، الله معاهم وين ما كانوا أحبابنا”.

3- الفرعاوي

الفرعاوي هو شعر الرجولة والحماسة. لأن كلمة “فرعة” بالعامية تعني “النبّوت أو العصا”، أي الرجل صاحب القوة والسلطان، كما أن كلمة “فرَّع” في العامية تعني كاشف الرأس من الحطَّة والعقال، وذلك دلالة على الحماسة والانفعال. وعادة ما يُغنَّى هذا النمط من الزجل في الزفة، ويستغرق وقتاً طويلاً. وأهم شروط الفرعاوي: وجود الجمهور الذي يردد ما يقوله الزجال من فرعاوي وطلعات فرعاوية؛ حيث يقف صف طويل متراصّ من رجال القرية والضيوف؛ ويقف الشاعر أو الزجال في مقابل الصف، مردداً الشعر الفرعاوي والجمهور يردد ما يقوله أو اللازمة الخاصة به. ولا بد أن يكون الزجال متقنا لهذا النمط إتقاناً تاماً.

والفرعاوي من الشعر الجماعي الذي يتميز به الزجل الفلسطيني. وأقرب الأشعار شبها بالفرعاوي هو الشعر النبطي المنتشر في الجزيرة العربية، وقد يكون هذا دليلاً على أن أصل الفرعاوي من الجزيرة العربية، والناظر إلى طريقة أداء الشعر النبطي والفرعاوي يجد تشابها كبيراً، كما يجد تشابها بين الفرعاوي والسامر المنتشر في مناطق الجنوب والنقب وسيناء؛ إلا أن هناك اختلافات في النظم والوزن والإيقاع. وأوزان الفرعاوي تحدد على أساس عدد الإيقاعات (أو عدد السحجاب أو ضربات الكف) الخاصة بكل نمط من أنماطه. وأغلب الأوزان والإيقاعات تقع في ثلاثة أوزان رئيسة هي: الفرعاوي، إيقاع ثلاثي (3 سحجات)، والفرعاوي، إيقاع سداسي (6 سحجات)، والفرعاوي – السبعاوي، السبعاوية (7 سحجات).

والإيقاعات أو الأوزان الثلاث السابقة تنتشر في جميع أنحاء فلسطين خاصة الشمال والوسط إلا أن الفرق الموجود هو في سرعة الإيقاع أو السحجة، فمثلاً، في شمال فلسطين (الجليل) نجد أن الأوزان لا تختلف إلا أنها بطيئة؛ أما في الوسط، فنجد أنها نفس الأوزان، ولكن بسرعة أكبر منها في الشمال؛ أي كلما اتجهنا إلى الشمال كلما صار الإيقاع والوزن أبطأ مما هو عليه في الوسط والجنوب.

4- القرادي

القرَّادي من “الَقَردُ” أي لجلجة اللسان، حيث يتلجلج اللسان عند غنائها لسرعة وزنها، والقرَّادي قد تكون مأخوذة من “القِرْد” وهو الحيوان المستخدم للعب والتسلية، حيث يقال في العامية الفلسطينية (قَرْدَنِه، وقِرْدْ، وقرْدَنَّا، وقَرْدَنَّاهُم، قَرْدَنونا..” دلالة على العبث واللعب واللهو.

والقرَّادي هو شعر الغناء والطلعات الجميلة.  ويتميز بالموسيقى السهلة الشعبية التي من السهل على الجمهور ترديدها والسرور بها؛ حيث يقوم الزجال بقول الشعر ويردد الجمهور من بعده لازمة محددة سهلة الترداد. وعادة ما يُغنَّى بعد السهرة (السحجة أو الصف أو في الصباح قبل الزفة)؛ لأنه لا يغنى خلال الزفة أو السهرة؛ بل يغنى عادة والناس جلوس والزجَّال يجلس بينهم ويردد أشعاره.

5- المْعَنَّى

كلمة “معنَّى” مأخوذة -على الأرجح- من المعاناة والألم؛ وهذا النوع له أبواب متنوعة ونغمات عديدة في الزجل الفلسطيني، والمطّلع على نماذج فن المعنَّى في لبنان يجد أن هناك تشابها واضحاً في النظم والأداء؛ إلا أن هناك اختلافاً في بعض الأبواب والأوزان وطريقة الأداء. وأبواب المعنَّى في فلسطين هي باب المعنَّى الرباعي العادي، والمعنَّى الخماسي المطوَّر، والمعنَّى المصروف المجنس، والمعنى الطويل الزجلي. وينظم المعنّى على البحر اليعقوبي (وهو من بحور الشعر الصوتية) وهو يتألف من 12 حركة صوتية لصدر بيت الشعر و12 حركة صوتية لعجز بيت الشعر.

6- القصيد أو الشروقي

القصيد هو كل شعر شعبي منظوم بمعنى مقصود، و”قصّد الشاعر القصائد”؛ أي: “غناها وضمنها المعاني”، والبعض يسميه “الشروقي”. ويقال إن هذه التسمية جاءت من أن هناك عاشقاً هجره أحبابه، واتجهوا شرقاً، فراح يودعهم بهذا النوع من الشعر، ومنذ ذلك الحين انتشر هذا اللحن وسُمِّي بالشروقي. وكلمة “شروقي” لغة، تعني صاحب العينين الدامعتين. ويتميز الشروقي بلحنة الحزين وامتداد الصوت. وعادة ما يتحدث فيه الزجال عن قصة أو حادثة، وتتضمن قصائد الشروقي بعض الحكم والأمثال السائرة بين الناس. ويُغنَّى عند اجتماع الناس، خاصة في أوقات الصباح وقبل الخروج إلى زفة العريس، حيث يجلس الناس ويستمعون إلى قصائد وشروقيات من الشاعر، أو قد يتغنى به الشاعر أثناء الجلوس في الدواوين أو في مناسبات خاصة. وهناك أنواع مختلفة من الشروقي هي: الشروقي العادي، والشروقي المربع، والشروقي الموشح، والشروقي المخمَّس، والشروقي الزجلي، وغيره من الأنماط.

ويختلف الحداء عن القصيد في أن المقاطع الصوتية المتضمنة في القصيد أطول من المقاطع الصوتية المتضمنة في الحداء، والحداء يتطلب من الجمهور المشاركة سواء بالسحجة أو بالردة على الزجال، والقصيد لا يتطلب ذلك، ولا يتطلب الأداء الجماعي كما في الحداء، ولا تصاحب السحجة قول القصيد. وإن كان القصيد في البادية تصاحبه (رقصة السامر) أو (رقصة الدحية)، وهي رقصة بدوية تمارس في منطقة النقب من فلسطين والأردن، وشمال المملكة العربية السعودية، وبعض دول الخليج العربي، وبوادي سوريا والعراق إلا أن دور الجمهور هنا يقتصر على التمايل والرقص.

7- الجوفية (الهجيني)

الهجيني هو لونٌ من ألوان الغناء الشعبيّ القديم الذي كان يردُّده المسافرون وهم على ظهور إبلهم وهِجِنهم يقطعون فيافي الصحراء. وفي غناء الهجيني ما يُخَفِّفُ وحشة الطريق وعناء السفر، ويحثّ الإبل على السير السريع فتمشي وكأنها تعلو وتهبط، وكأنّ المغنّي يحسّ بهذا الارتفاع والهبوط فينطلق صوته ليتناغم مع سير الإبل، فيعلو صوته تارة وينخفض تارة أخرى مع إيقاع أخفاف الإبل ووقع خطواتها. ومن هنا اكتسب هذا اللون تسميته. وعلى الرغم من قلة الإبل في المناطق القروية فقد شاع هذا اللون في الريف وأخضع للمزاج العام. إذ برع شعراء الأغنية الشعبية في كتابة نصوص شعرية تناسب هذا اللون وتنصب في قوالبه حتى بدا كأنه لون من ألوان الغناء الشعبي القروي.

يُؤدى الهجيني على انفراد وقد يُؤدى بمصاحبة صديق يردد نفس الأبيات. ويُؤدى في المجالس بمرافقة الربابة ولكنه يُغنى من غير مصاحبة أي آلة موسيقية عندما يغنى من على ظهر الإبل أو الدواب. ويغنى منفردا أو بمصاحبة جماعة تنقسم إلى مجموعتين تأخذ في ترداد الأبيات المغناة بشكل متواتر. وتجدر الإشارة إلى عدم مصاحبة أي نوع من الرقصات أو الحركات الإيقاعية لهذا اللون من الغناء.

وفن الجوفية هو فن شعري بدوي قديم، والجوف هي الأرض المطمئنة، ويقال إنه يُنسب إلى منطقة الجوف في المملكة العربية السعودية، والغناء في الجوفية يكون جماعيا وبالتناوب.

الجوفية في الزجل الفلسطيني تتكون من هجيني شمالي جليلي في مناطق الجليل وشمال فلسطين، وهجيني وسط في مناطق جنين ونابلس وطولكرم وقلقيلية، وهجيني جنوبي في مناطق غزة والخليل والنقب.

8- المربَّع

المربع نمط من الزجل الشعبي، وعادة ما يُغنى خلال السهرة مع السحجة أو خلال الزفة.  ويتكون من أربع شطرات: الشطرات الثلاثة الأولى تلتزم بحرف قافية مشترك يتغير من مرة إلى أخرى؛ أما الشطرة الرابعة فتأخذ حرف قافية مختلف يبقى ثابتا. وعادة ما يُغني الزجال المربّع ويتبعه الجمهور بقول: “يا حلالي يا مالي” أو “يا صلاة عَ النبي”. ويمتاز المربع بأن أوزانه وإيقاعاته سريعة أكثر من غيرها من الأنماط.

9- المخمَّس

يبدأ الشاعر أو الزجال بغناء المخمَّس العادي المكون من 8 شطرات: ثلاث منها مقلوبة ومعادة، وخمس ثابتة، ثم يبدأ ببيت (باب البوابة) وهو ثابت يتكرر في كل مرة (باب البوابة ببابين بسكرة ومفاتيح اثنين) ثم يبدأ بالشطرة التي يعاد ترتيب كلماتها وهي (بخط وبخت ومكتوبين)؛ حيث تصبح بالترتيب الآتي: بخط وبخت ومكتوبين/ مكتوبين وخط وبخت/ بختين وخط ومكتوب. ويلاحظ أن كل كلمة يعاد ترتيبها في كل مرة، بحيث تكون مرةً مفردة، ومرةً مُثنَّاة.

10- المثمَّن

المثمَّن امتداد للمربع، وهو يتكون من 8 جمل مترابطة، ويُستخدم لتوضيح المعاني والموضوعات التي تحتاج إلى وصف وتوضيح. وعادة ما يُغنَّى المثمن خلال سهرة العرس مع السحجة أو خلال الزفة؛ وهو متبوع بعبارة “يا حلالي يا مالي” أو يا صلاة عَ النبي”، كما هو الحال في الأبواب الأخرى كالمربع والمخمس. وهو من الشعر الحماسي السريع الإيقاع والأداء، ويستلزم سحجة متواصلة من الجمهور خلال الغناء. وعادة ما تستلزم كل جملة من المثمن 3 سحجات من الجمهور في المناطق الوسطى وجنين وبعض المناطق الشمالية؛ وسحجتين لكل جملة في مناطق الشمال كالجليل.

زجَّالون من فلسطين

غنَّى الإنسان الفلسطيني الزّجل، وتوارث عن الزّجالين طرائق في القول، وأساليب في الأداء، على درجة عالية من الإتقان، وأطلق على الزّجال صفة “البَدَّاع”، بمعنى المبدع ارتجالاً، كما قالوا في المرأة ذات موهبة القول “بَدّاعة”، والبَدْع يعني قول الشعر مرتجلاً.

وقد ارتجلت بعض النساء في فلسطين الأغاني الشعبية والأبيات الزجلية، وفي هذا الصدد يقول الشاعر سعود الأسدي، وهو من أهم شعراء الزجل في فلسطين: “عرف الشعر الزجلي عندنا امرأة من “عرب العرامشة” المقيمين إلى الشرق من رأس الناقورة قرب الحدود اللبنانية، كانت ترتجل الأغاني الشعبية، وقد ارتجلت أبياتاً من “الدّلعونا” في العشرينيات من القرن الماضي، لتحية أمير الشعراء أحمد شوقي يوم أن مرَّ بفلسطين وهو في طريقه إلى لبنان ليلقي قصيدة “زحلة” والتي غنى منها المطرب محمد عبد الوهاب “يا جارة الوادي”، ومما قالته ريحانة وهي تُغنِّي في حلقة الدّبكة على أنغام الأرغول في عرس ابن خالتها:

علــى دَلْـعـونـا علــى دلـعـونــا
يا أهلا وسهلا بالـلـي يـحـبّـونــا
***
يـا أحمد شوقـي عِـنْديـنا قاصـد
وْما عِنَّا كرسي وْعالرّيضَه قاعد
يـا أحمد شوقـي يابو الـقصـايـد
يـللـيْ كـلماتَـــكْ بـِتـْهـِزّ الـكـونـا
***
فيك وْبـرْجالَك أهلاً يـا مصري
يـللي بُـقصـدانك بتسجِّل نصري
شوقي يا شوقي يا عالي القَصْرِ
كـل مـرّه مَيِّلْ عـالـخيمـة هـونـا 
***
شوقي يا شوقي وْإنت الأميري
وْشـو تبْقَى الـعجنِه لولا الخميرِه
يا ريتني أبـْقـى بـِنْتك لِـزْغيـرِه
وْأبْـقـَى خـَدّامَـكْ واني الـممنونـا

اشتهر في فلسطين عدد كبير من الزجالين الذين تركوا بصمات واضحة في الزجل الشعبي، وتناولوا في أشعارهم الزجلية مفردات الحياة اليومية الفلسطينية بكل تفاصيلها، وتشكلت فرق فنية زجلية تضم مجموعة من الزجالين استطاعت أن تفرض نفسها بوضوح في المهرجانات المحلية والعربية والدولية المتعلقة بالتراث الشعبي. والمجال لا يتسع هنا لذكر جميع الزجالين، وإنما سنكتفي بالتعريف بثلاثة من أعلام الزجل الفلسطيني، مع يقيننا بأن كل واحد منهم يستحق دراسة علمية منفصلة، وهم: يوسف الحسون وموسى الحافظ وأبو هشام الجلماوي. وكانت الحنُّونة قد نشرت في أعدادها السابقة وضمن باب الكنوز البشرية الحية مقالا عن الشاعر سعود الأسدي الذي برع في الشعر الفصيح وفي الشعر الشعبي، ودراسة حول كتاب الزجل في بلاد الشام من العصر الأموي وحتى سقوط الأندلس، للكاتب والشاعر يوسف فخر الدين، واستضافت في موسم حراس الذاكرة الرابع فرقة البيادر للزجل الشعبي.

يوسف الحسون (أبو العلاء)

تعود جذوره إلى قرية كفر مصر قضاء بيسان، وهم أبنا عمومه لآل الزعبي، ولد في قرية شعب عام 1928. برزت موهبته في ريعان الشباب حيث تحاور وتزاجل مع أحد أقوى الشعراء في ذلك الحين وهو: أبو سعيد الحطيني الذي شهد له بالكفاءه، وتنبأ له بمستقبل هام في الشعر الشعبي.

بعد نكبة عام 1948 استقر في لبنان، وهناك بدأ مسيرته الفنية حيث خاض جميع ميادين الشعر الشعبي..من زجل وشروقي ومعنَّى وعتابا..وكتب العديد من الأغاني لكبارالمطربين في ذلك الوقت مثل: سميرة توفيق وفهد بلان ونصري شمس الدين وصباح وغيرهم..كما أنه كان من أوائل من عملوا في صوت فلسطين الذي كان يبث من الدول العربية..وذلك من خلال تمثيليات إذاعية (أبو عوده) و(فلاحين بلادنا)..بلغ مجموعها ما يزيد عن 65 حلقة..سجلت هذه الحلقات تاريخا حافلا لمقاومة شعبنا قبل النكبة، وأبرزت مفاصل هامه في تاريخ النضال الفلسطيني كما أبرزت الفلكلور الفلسطيني الغني.

كان أبو العلاء مقصد العديد من الشعراء اللبنانيين لإقامة الحفلات والأعراس والتزاجل…وقد كان يصنف على أنه أبرز شاعر عتابا في لبنان وسوريا. ويرى فيه انطوان كرباج الممثل اللبناني المعروف أنه شاعر العتابا الأول في لبنان، وذلك في مقابلة له محفوظة في أرشيف التلفزيون اللبناني. وأطلق عليه السيد طلال سلمان، رئيس تحرير جريدة السفير لقب (فارس العتابا). وقد استطاع أبو العلاء تطوير العتابا بأن أوجد المخمَّس والمسدَّس والمثمَّن.
قدم أبو العلاء عدة تمثيليات (اسكتشات) غنائية شارك بعضها في مهرجانات عربية وتم بثها من إذاعة صوت فلسطين..كما أنه قدم ما يزيد عن 130 حلقه من برنامج (غنَّى الحادي). وشارك في العديد من المهرجانات الفلكلورية ممثلا لفلسطين، ونظم القصائد بالفصحى فقد كان متمكنا من ذلك رغم اتجاهه للشعر الشعبي.

موسى الحافظ

هو شاعر فلسطين المدافع عن موروثها الشعبي الفلسطيني ضد محاولات طمسه، وإبن مخيم جنين الذي ولد فيه عام 1957  لعائلة مهجرة من قرية السنديانة قضاء حيفا، درس في جنين ثم أكمل دراسته في جامعة بغداد، حصل على شهادة الدكتوراة الفخرية في التراث الشعبي من منظمة اليونيسكو العالمية لعام 2000.

يُجيد موسى الحافظ أنواعا عديدة من الزجل الشعبي أبرزها العتابا والمعنَّى والميجنا، ويحمل الهوية الفلسطينية بين طيات أغنياته الزجلية التي تقفّ سدّاً منيعاً في وجه اندثار الموروث الفني الشعبي الذي اعتبره الجسر الواصل بين الماضي والحاضر ومنهج حياة يلخص تفاصيل حياة الأجداد ويذكرنا بها. وهو أكاديمي متخصص قام بتأليف كتابيْن متخصِّصين بالزجل الشعبي، أحدهما بعنوان “الزجل الشعبي” والآخر بعنوان “العتابا” ويعكف حاليا على إنهاء كتابه الثالث حول موضوع التراث الشعبي.

حمل الشاعر موسى الحافظ  لواء الزجل الشعبي داخل فلسطين وخارجها وأحيى الكثير من المهرجانات والأفراح، وكان الزجل الشعبي حاضراً دوماً أينما حضر أبو حافظ الذي اتخذ من الفن الشعبي رفيقاً يلازمه أينما حلّ مما أهّله لشغل مناصب عديدة أهمها منصب أمين سر اتحاد الفنانين في الشمال وأمين سر منتدى الفن الشعبي في فلسطين وهو عضو المجلس الأعلى للفلكور الفلسطيني وكذلك عضو اتحاد الكتاب الفلسطينيين .

 

أبو هشام الجلماوي

ولد الزجال الشعبي أحمد خليل (أبو هشام) عام 1944 في قرية الجلمة قضاء جنين وترعرع في أرضها الخصبة المطلة على مرج ابن عامر وأتم دراسته الابتدائية والإعدادية فيها، وقد حالت الظروف بينه وبين إكمال مراحل التعليم، فلجأ إلى الأرض ليعمل مع والده في الزراعة.
بدأت هواية الزجل الشعبي عنده وهو في المراحل الأولى من عمره حيث أن والده “الحاج خليل المحمود” كان ينظم الزجل الشعبي ويتقنه ويتغنى به أثناء العمل في الأرض، وكان شقيقه الذي يكبره بعشر سنوات “أبو خليل” ينظم الزجل ويتقنه أيضا، إضافة إلى مجموعة من أهالي القرية أمثال: مقداد موسى/طلحة موسى/روحي مصطفى/أبو بسام الجلماوي.

قرر وهو في السابعة عشرة من عمره احتراف الزجل الشعبي، حيث تتلمذ على يد الزجال الشعبي “أبو الأمين البرقيني” وبدأ في إحياء الحفلات مع كبار الزجالين الشعبيين مثل: أبو الأمين البرقيني/أبو بسام الجلماوي/أبو جمال العجاوي/إبراهيم العراني/الريناوي/الجبعي /الحطّيني/الكفرذاني/القلقيلي.
في عام 1977 سكن أبو هشام الجلماوي مدينة الزرقاء حيث بدأ بإشهار الزجل الشعبي بكل الوسائل المتاحة من أعراس ومناسبات وإذاعة وتلفاز مع الزجال الشعبي، أبو جمال العجاوي، وتعرف على الزجالين الشعبيين الذين كانوا ينظمون الزجل في الكويت مثل: أبو أشرف العرابي وأبو فراس العنبتاوي وأبو حسين العينابوسي وأبو بسام الياموني وأبو جاسر البيتمريني. إضافة إلى مجموعة كبيرة من الزجالين المقيمين في الأردن مثل: أبو زهيرالبرغوثي وأبو منير الصيداوي وأبو محمد الكفرذاني وجمال الدلة وأبو أشرف السيلاوي وأبو جعفر البلعاوي وأبو باسل القبطاوي وأبو فراس اليعبداوي وأبو رائد السيلاوي وسميح سميك ومثقال الجيوسي وياسين أبو الرب وأبو توفيق اليعبداوي وعزام عجاوي. والكثير ممن تتلمذوا على يده حيث كان يعد مرجعا معجما للزجل الشعبي.

المراجع

1- بلادنا فلسطين. مصطفى مراد الدباغ، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت 1974.

2- الزجل في بلاد الشام من العصر الأموي وحتى سقوط الأندلس. يوسف فخر الدين، حيفا 2009.

3- الهجيني أحد قوالب الغناء الشعبي في الأردن، دراسة تحليلية. أيمن تيسير، ومحمد علي رضا الملاح. جامعة اليرموك، إربد-الأردن.

4- الزجل الشعبي والعرس الفلسطيني. أبو هشام الصافوطي، عمَّان 2008.

عن adminh

شاهد أيضاً

فنون البحر في الكويت … أ.د حمد الهبَّاد

إن العلاقة المبكرة بين أهل الخليج وبين البحر كان لها دور مؤثر في نشوء الفنون البحرية  منذ  القدم في هذه المنطقة التي اشتهرت بعمقها وثرائها الموصول بمفردات الصحراء. وتظل  ذاكرة الساحل أكثر خصوبة وامتداداً وانشغالاً بالآخر، وبالثقافات التي عبرت وهاجرت وتأثرت بالمحطات والموانئ البحرية الممتدة على طول سواحل الخليج. ورغم أن جانباً كبيراً من التاريخ الغنائي لهذه المنطقة لم يُلتفت إليه خصوصاً الجانب البحري، إلا أن هذه المنطقة تزخر بفنون عربية أصيلة عرفت جذورها من منابع الحضارة العربية القديمة. فن المويلي البحري الذي يعبر عمّا يجيش في صدور البحارة من ألم البعد والفراق، من الفنون البحرية التي تترجم العلاقة المتبادلة بين البَّحَّارة وإيقاع البحر.