الرئيسية / دراسات ومقالات / فنون شعبية / فرق شعبية تراثية فرقة النيل للموسيقى والغناء الشعبي

فرق شعبية تراثية فرقة النيل للموسيقى والغناء الشعبي

فرق شعبية تراثية

فرقة النيل للموسيقى والغناء الشعبي

من رحم القاهرة القديمة، ومن شارع المعز لدين الله الفاطمي في حي الدرب الأصفر، ومن عبق رائحة  التاريخ … من بيت السحيمي، تألّقت فرقة النيل للموسيقى والغناء الشعبي في حفل ختام الملتقى الدولي للمأثورات الشعبية والتنوع الثقافي (دورة أسعد نديم) الذي عقد في القاهرة في الفترة من (15 – 17 ديسمبر 2014).

وفي أجواء تراثية أصيلة جميلة، قدّمت الفرقة – كما كان يقول في بداية كل فقرة مديرها عبد الرحمن الشافعي – تطبيقا حيّا لجلسات المؤتمر التي تناولت موضوعات التراث الشعبي من غناء وموسيقى وآلات موسيقية شعبية وحكم شعرية وغيرها. تطبيقا  اتّسم بالبساطة والواقعية.

حول تاريخ هذه الفرقة وبداياتها وإنجازاتها ودورها في إبراز التراث الشعبي في مصر والحفاظ عليه… يدور حديثنا. لإيماننا بأهمية الاطلاع على تجارب الفرق الفنية الشعبية سواء في الوطن العربي، أو العالم أجمع لما تمثّله هذه الفرق من ثقافات شعبية متنوعة تُثري التراث الإنساني المتنوّع.

  • زكريا الحجاوي(1915-1975)

 وبدايات تأسيس الفرقة في العام 1955

هو أحد رواد الفن الشعبي المصري. كتب العديد من الدراسات حول الفولكلور المصري، وألّف موسوعة التراث الشعبي (الجزء الأول)، وألّف أوبريت “يا ليل يا عين” وهو أول أوبريت شعبي يصعد إلى خشبة مسرح الأوبرا سنة1957- سيأتي ذكره تفصيلا-  كما أسّس مسرح المقطّم للفن الشعبي، وهو صاحب فكرة مسرح السامر والثقافة الجماهيرية. ومن أبرز إنجازاته تقديم التراث الشعبي المصري عبر وسائل الإعلام الحديثة كالصحافة والإذاعة والتلفزيون. ويُعتبر من رواد الكتابة الإذاعية، ورائدا في تقديم السير الشعبية التي أصبحت بفضله من أشكال الفن الإذاعي. فقدّم للإذاعة العديد من الأعمال، منها: أيوب وكيد النسا وملاعيب شيحه وأنس الوجود. وكان تلميذه المفضل من الإذاعة هو أبو سليم البحطيطى الفلاح القادم من قرية بحطيط بالشرقية (1). ولكى يكتب زكريا الحجاوى هذه الأعمال للإذاعة كان لابد أن يقوم بدور الجامع الميدانى. يجمع من قلب القرى ما يحفظه الناس من روايات وحكايات شعبية ثم يُعيد صياغتها من الراوى الفرد لتتناسب مع الصياغة الدرامية والتمثيل الجماعى القائم على الحوار.

بعد ثورة يوليو، وجد عبد الناصر أن كل قرية ومنطقة يقوم بزيارتها يُقدّم أهلها أمامه شيئا من  فنونهم الشعبية. فكلّف يحيى حقّى بإنشاء مصلحة الفنون، للاهتمام بفنون الثقافة الجماهيربة، والعودة إلى الجذور الشعبية.  استعان يحيى حقّي بزكريا الحجاوى، فكان أول عمل مسرحى “يا ليل يا عين” والذى جمعه الحجاوى من ياقوت الحلاق بالإسكندرية واستلهمه وقدم له صياغة مسرحية، وتم الاستعانة بالفنانة الاستعراضية نعيمة عاكف، وبفتىً يعمل بشركة السويس للبترول، تعلّم من السوفييت الموجودين كخبراء خطوات الرقص الشعبى المنظّم. وهذا الفتى اسمه محمود رضا أهم راقص شعبى عرفته مصر. كما تم الاستعانة بقادة الفرق الموسقية، مثل: عبد الحليم نويره وعلى اسماعيل. وبعدد كبير من مغنيين شعبيين وعازفى ربابة وأرغول وكولا وسلمية وسمسمية وكمان بلدى وإيقاعات جمعهم زكريا الحجاوي.(2)

في تلك الفترة اتجه زكريا الحجاوي لعمل مسح شامل للقطر المصري لجمع الفنون الشعبية من مصادرها، واكتشف خلال ذلك العديد من المطربين الشعبيين، مثل: خضرة محمد خضر ومحمد طه ومحمد أبو دراع وإبراهيم خميس وفاطمة سرحان وجمالات شيحا. وقدم لأول مرة أصواتاً عفيّة وعفوية تشرّبت من الينبوع المصري الحقيقي، فكان الحجاوي شجاعاً مقداماً حين تبنّي هذا الاتجاه الفني الجديد عبر تقديم “فنانين شعبيين” علي مسرح الأوبرا بملابسهم الشعبية وآلاتهم الموسيقية البسيطة، فكان في نهجه وأسلوبه يكره التزويق والمكياج سواء  في المسرح أو الحياة. وكانت تصيبه حالة من الوجد والجنون- كما يصفه أحد النقاد- حينما كان يُطارد عازفاً موهوباً علي الربابة أو الأرغول أو مطرباً أو مطربة شعبية ذات صوت عفيّ جميل. فيظل يحاول معهم عبر الترغيب والإقناع حتي يوافقوا على الحضور إلي القاهرة والعمل في فرقته أو الفرق الشعبية للدولة. (3)

 

وأبرز ما ميّز هذه الرحلات هو عدم الفصل بين عناصر الإبداع الشعبى، فلم يبحث عن الأغنيات ويترك السير الشعبية، أو يهتم بالمديح النبوى ويُنكر الرقص الشعبى. إنما احتوى العبقرية الشعبية – كما يشير خيرى شلبى – فأصبحت دراسته للأغنية الشعبية ترتبط بدراسة الأغنيات والمواويل والبكائيات والنقش والرقص الشعبى والابتهالات والتواشيح والمديح النبوى والعمارة والملاحم الشعبية” (4)

ورغم ما ذاع خطأَ عن الحجاوى من أن رحلاته لجمع التراث بدأت مع عام 1954، إلا أن الحقيقة الواضحة والتى أشار إليها الحجاوى ذاته فى كتابه

“حكاية اليهود” تقول إن أولى رحلاته كانت إلى شمال سيناء والقنطرة والبردويل ورفح وغزة ثم فلسطين، وكان ذلك عام 1941، ثم كانت رحلته الثانية فى عام 1949وكانت إلى الصحراء من إسنا إلى القصير، إلى دير

سانت كاترين، ثم كانت فترة عمله فى مصلحة الفنون والتى بدأت عام 1954م فرصة سانحة للطواف بأقاليم مصر لجمع بعض الرقصات الشعبية

وعرضها على مسارح البلاد.(5)

كوّن أول فرقة للفنون الشعبية وجمع فيها عددا ضخما من المُنشدين  والمطربين،  وأطلق اسم «الفلاحين» على هذه الفرقة التي كوّنها تعبيرا عن الذين جمعهم للتعبير عن هذا التراث.

كان الحجاوي حريصا على أن يضمّ إلى فرقته لونا من ألوان الغناء الشعبي الشائع في كل منطقة، فجمعت الفرقة عددا من شعراء السيرة والمغنيين الشعبيين من الصعيد تمثّلت في عائلة مثقال قناوي المشهورة، وعائلة شوقي القناوي، بالإضافة إلى عدد من المغنيات والراقصات جنبا إلى جنب مع عدد من مُغنيي الموال المعروفين والمغنيات والمنشدين والمدّاحين من الوجه البحري، بحيث يمثل برنامج الفرقة جميع الفنون الغنائية الشعبية الشائعة في المعمور المصري بأكمله تقريبا. وتوسّعت الفرقة وضمت في عام 1971 42 موسيقيا، و12 مغنيا، و24 ممثلا وممثلة، و 24 راقصا.(6)
وفي ذلك الوقت مثّلت الفرقة مصر في محافل عديدة، وتمت عمليات التبادل الثقافي بينها وبين فرق من بلاد أخرى، ولم يُغفل الحجاوي الاستمرار في تقديم عروض الفرقة في «شوادر» بجوار مسجد الحسين في القاهرة، فكانت العروض مستمرة خلال شهر رمضان، وظلت الفرقة تزدهر لمدة 15 عاما حتى سافر الحجاوي عام 1970 إلى دولة قطر.

  • سليمان جميل

   ما بين التراث الشعبي والموسيقى الغربية (1970-1975) 

استلم الفرقة بعد ذلك الفنان سليمان جميل. الذي درس الموسيقي العربية والعزف علي آلة القانون بمعهد الموسيقي العربية بالقاهرة بين عامي 1940وحتى 1945 وما بين عامي 1945 ـ 1950 درس العزف علي آلة البيانو…الكونترباص .. ودرس التوزيع الموسيقي علي يد “بروفسور” إيطالى وآخرين (7). وفي عام 1950 ذهب إلي باريس لدراسة التأليف الموسيقي لمدة عام بأحد معاهد الموسيقى الشهيرة. له أبحاث عديدة في الموسيقي الفرعونية… وأسس أوركسترا للموسيقي الفولكلورية المصرية.

اتخذ جميل طريقا مختلفا في متابعته للفرقة وفي عروضها، وغيّر اسمها إلى فرقة الآلات الشعبية وكان يريد أن يُدمج التراث الشعبي بالفن والموسيقى الغربية، ويُعلّم جيلاً من الموسيقيين الشباب قوانين وقواعد العزف علي الآلات الموسيقية الشعبية، و اقتصر فقط علي مجموعة من أشهر الموسيقيين العازفين وفضّ الفرقة الكبيرة التي جمعها الحجاوي بحجة أنه سوف يضع هذه الموسيقي في إطار التحاور مع الموسيقي الغربية، غير أن هذه التجربة لم تُحقّق الأثر المطلوب، إذ أنها ابتعدت عن حدود تقديم الغناء الشعبي إلى

مجال أبعد هو محاولة غرسه في دارسين أكاديميين غير شعبيين.(8) وقبل أن يُتمّ مشروعه، سافر إلي الخارج عام 1975.

 

  • عبد الرحمن الشافعي

مشرف الفرقة الحالي (1975- وحتّى الآن) 

تولّى الشافعي الإشراف على الفرقة عام 1975، وبوصفه مخرجا دخلت الفرقة في هذه المرحلة طورا جديدا حيث أعاد إليها بعض الخصائص التي تميّزت بها أثناء تولّي الحجاوي الإشراف عليها. مع مزج أسلوبها بتوجه جديد مُستمد من خبرته الطويلة في الإخراج المسرحي، فكرّس كل تجاربه منذ أن عمل بالحركة المسرحية وعلى مدى أربعين عاماُ من أجل مزج الدراما مع الموروث الشعبى، وقد جمع بالفعل بين تقديم عروض درامية شعبية وعروض فولكلورية مسرحية. ونتيجة لهذا التوجه أطلق على الفرقة اسم فرقة النيل للفنون الشعبية والتقليدية، لسببين: أولهما، أن النيل يحمل كل علامات وملامح وتفاصيل الموروث الثقافي والشعبي والحضاري، وهو الشاهد الوحيد على عبق التاريخ بارتباطه بكل محافظات مصر؛ ولأنه يروي كل ركن في مصر. وثانيهما، اقتناعه أن قيمة الآلة تظهر من خلال العازف أو المبدع الذي يعزف عليها والمُغني الذي يستعين بها في إبراز أدائه.

وفي عام 2002 أطلق على الفرقة اسم فرقة النيل للموسيقى والغناء الشعبي، وضمّت مجموعة جديدة من الأعضاء، حيث يتراوح عدد أعضاء الفرقة حاليا ما بين 55-65 عضوا.

وفي وصفه للفرقة وأدائها ونهجها وما وصلت إليه، يقول الشافعي: تتميز فرقة النيل بطابعها الشعبي من خلال استخدام آلات شعبية مصرية مثل «الربابة، الدفوف، والناي»، مع دمجها بالذكر والرقص والإنشاد والأغاني الوطنية، وإيقاعات الزار فضلاً عن الرقصات الشعبية المختلفة، مع تقديم موضوعات مستلهمة من حكاوي الريف والسواحل والبدو والصعيد، وامتزاجها بالرقصات المعبّرة عن ذلك، ورقصات لحفلات الزواج، فضلاً عن مواويل شعبية تراثية غنائية تحمل في طياتها كلمات بها حكم ومواعظ.

وفي إطار درامي راقص يؤدي الراقصون والراقصات لوحات تعبيرية تتجلّى فيها الأبعاد الجمالية للرقص الشعبي في تكامل استعراضي وأداء درامي راقص يستلهم حركة وإيقاع الأجساد بشكل يتشابه مع طبيعة جغرافيا كل إقليم مصري من البدو إلى السواحل والصعيد.

وتتميز الفرقة بتقديم أغانى الصعيد واستعراضاته الخاصه التي تعتمد على المزمار والطبول الكبيرة والنقرزان. كما تُؤدي راقصات الجنوب “الغوازى” رقصات على المزمار الصعيدى وهو خلاف المزمار البلدى الذى تتميز به منطقة الدلتا من حيث طبقات صوت المزمار وفنون الأداء الحركى.

وتُقدّم الفرقه الأغانى التى يشتهر بها فنانو الصعيد، فهى دائما ما تحمل قيم الشهامة والرجولة والوفاء والكرم العربى مثل : “إن كنت مسافر” و “خدنى معاك” و “ليلة يا حبايب تبعونى” و”أنا الغالى” و “مربعات ابن عروس”.

قدّمت فرقة النيل العديد من الأعمال المسرحية التي قمت بإخراجها، (الحديث للشافعي) منها: «شفيقة ومتولي» و«عاشق المداحين» و «أدهم الشرقاوي» و«منين أجيب ناس» و«مولد يا سيد يا بدوي» وغيرها. وأعتقد أن موروثنا الشعبي يمكن أن نستلهم منه أعمالاً تستطيع أن تحيي المسرح المصري في ثوبه الحالي.

الفرقة تقدم عروضها أسبوعيا داخل بيت «السحيمي» والأماكن الأثرية الأخري.

 

المراجع
1- زكريا الحجاوي رائد الفن الشعبي. عصام ستاتي، بوابة روز اليوسف 14 سبتمبر 2013.
2- المرجع السابق.
3- زكريا الحجاوي، الفنان المتميز. وجيه ندى، صحيفة شباب مصر 2012.
4- زكريا الحجاوي، رائد علم الحياة. إبراهيم محمد حمزة، الحوار المتمدن، العدد 1966 عام 2007.
5- المرجع السابق.
6- التراث والتغير الاجتماعي، الفنون الأدبية الشعبية. إبراهيم عبد الحافظ، صفحة 97.
7- الموسيقي النبيل سليمان جميل. وجيه ندى، دنيا الوطن 2013.
8- التراث والتغير الاجتماعي، الفنون الأدبية الشعبية. إبراهيم عبد الحافظ، صفحة

 

عن adminh

شاهد أيضاً

فنون البحر في الكويت … أ.د حمد الهبَّاد

إن العلاقة المبكرة بين أهل الخليج وبين البحر كان لها دور مؤثر في نشوء الفنون البحرية  منذ  القدم في هذه المنطقة التي اشتهرت بعمقها وثرائها الموصول بمفردات الصحراء. وتظل  ذاكرة الساحل أكثر خصوبة وامتداداً وانشغالاً بالآخر، وبالثقافات التي عبرت وهاجرت وتأثرت بالمحطات والموانئ البحرية الممتدة على طول سواحل الخليج. ورغم أن جانباً كبيراً من التاريخ الغنائي لهذه المنطقة لم يُلتفت إليه خصوصاً الجانب البحري، إلا أن هذه المنطقة تزخر بفنون عربية أصيلة عرفت جذورها من منابع الحضارة العربية القديمة. فن المويلي البحري الذي يعبر عمّا يجيش في صدور البحارة من ألم البعد والفراق، من الفنون البحرية التي تترجم العلاقة المتبادلة بين البَّحَّارة وإيقاع البحر.