الرئيسية / قصص للصغار / لماذا ابتسم الجبل؟!

لماذا ابتسم الجبل؟!

لماذا ابتسم الجبل؟!

الاديب إبراهيم جوهر        

   أديب فلسطيني، ولد عام 1957 في جبل المكبر بالقدس، بدأ الكتابة في سن مبكرة. يحمل ليسانس لغة عربية ودبلوم تربية من جامعة بيت لحم، وماجستير أدب أطفال من جامعة القدس.

   أحد مؤسسي اتحاد الكتاب الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، وعضو هيئته الإدارية المنتخب لأكثر من دورة. كما أنه من مؤسسي ندوة اليوم السابع، المستمرة في عطائها الثقافي منذ العام 1991.

   صدر لإبراهيم جوهر: (الديك المغرور)، قصة للأطفال 1986، (الأرض في القصة القصيرة الفلسطينية) دراسة 1987، (تذكرة سفر) مجموعة قصص قصيرة، 1988، (الثقافة والانتفاضة) دراسة مشتركة 1990، (سر الغولة) مجموعة قصص للأطفال 1998،(قمر سعاد) قصة للأطفال 2004، (صفاء تسأل أيضا) قصة للأطفال 2005، (يوميات مقدسية) 2013، رواية (أهل الجبل) 2015.

 

ألتقيه في كل مكان أزوره. يواجهني دائما كأنه يتبعني عامدا إغاظتي، كاشفا خبث نواياه وسوء طويته، أعرفه جيدا –أو هكذا أظن– هو صديقي اللدود الذي لن يهدأ لي بال حتى يقضى عليه. يزيد إزعاجه لي وهو يعلن في كل حضور له عن نفسه: (ها أنا قد حضرت) فينفش ريشه الطاؤوسي، ويبرم شنباته المصبوغة بصباغ الزيف والفتوة المنفلتة، ويستعرض عضلات يديه النافرة بحركات استفزازية عادة ما تثير غثياني، فأشعر بتعمق كراهيته في نفسي، ويزداد يقيني بحتمية القضاء عليه. يقابلني في شارع صلاح الدين وهو يسلك مسالك الخبث والدعارة الفاجرة ويرمي الكلمات التافهة… يرميها أمام طالبات المدارس الثانوية ، ويرفع صوته بالغناء الماجن، وهو ينظر إليّ وكأنه يقول: أتحدّاك!! أتحدّاك أن تقدر على التصرف مثلي!! هكذا ؛ بحريّة  ولفت نظر وفهلوة!!! أتحدّاك!! وبينما أروح أراقبه غير قادر على مواجهته وحدي، يواصل صولاته واستعراض عضلاته، فلا أجد مناصا من الانسحاب حزينا، حائرا ، خائبا ولسان حالي يقول: إلى متى يظل هذا بيننا يثير الرعب ويعطّل كل إمكانية للتقدم والحياة المنتجة؟ أواصل دربي حائرا مهزوما، وهو يواصل عنجهيته الاستعراضية… في كل زقاق ألقاه.. وعلى كل رصيف أصدفه… يملأ زوايا الوطن بعفنه وروحه المتسكعة العدائية… يتكاثر كالذباب فلا يستطيع أحد مواجهته منفردا… يرفع صوته مناديا بفجور ظاهر… يدّعي أنه من يملك متعة الحياة ولذة العيش… يسير وسط الشوارع مستعرضا عضلاته داعيا إلى أفكاره الظلامية،  يسير ويسير ويسير… ثم يقف ، فيدير وجهه في الاتجاهات جميعها ، بلا هدف ، بلا احترام ، بلا غاية… ضائع هو… حائر هو… مغرور هو… إنه يدعو كل من عرفه إلى الشفقة عليه ، والرثاء.

إنه صديقي اللدود (جهل) !! (جهل) ابن بلدتي ، ليس غريبا عن البلدة وناسها وتاريخها. أعرفه جيدا، وأكرهه كثيرا، وأحاربه دائما. (جهل) ابن بلدتي تحدّاني ذات مرة بعدما حاولت إقناعه بتغيير مسار حياته والكفّ عن أذى نفسه وأذى الناس، قال لي :

– سنرى!! وفرك كفّيه بتشفّ وجهل وغرور وثقة. وتابع قوله وهو ينظر في عينيّ:

– سنرى أيّنا الذي سينتصر!! وسنتقابل فأذكّرك إذا كنت ناسيا!!

لم أنسحب من التحدّي. ولم أرغب في إطالة الحوار معه، واكتفيت بقولي: سنرى!! نعم، سنرى أينا الذي سينتصر، وأنا من سأذكّرك. كان هذا منذ زمن مضى… عملت فيه على محاربته، وعمل هو أيضا على محاربتي. فما الذي أتى به اليوم ليقرع بابي؟!

صباح اليوم جاء (جهل) إلى بيتي وناداني، ولغة الفرح في ندائه، قال: يا أبا العرّيف! اخرج إليّ .. وكرّر نداءه ليسمع من لم يسمع… صباحا جاء… هل جاء ليظهر شماتته؟ أم تراه يحمل نبأ اعتزاله أعماله الجاهلة؟ ولماذا لم يهاتفني؟ أو يرسل رسالة قصيرة مثلا؟ ولم يرسل لي عبر البريد الألكتروني؟ هل لأنه لا يجيد الكتابة؟ أم لأنه أراد أن يرى ردّة فعلي ليشعر بنصره وحسن تدبيره في مقابل فشلي؟! هل أراد أن يستمتع بوقع المفاجأة عليّ وهو يروي لي بتشفّ حاقد كيف صوّب سهام جهله على صرحنا التعليمي الذي يحتضنه الجبل ويحميه؟ لا أدري بالتحديد… ولا أستطيع الجزم، لأنني لم أفهم شخصيته المرضية بعد. كل ما أدريه أنه مريض بالجهل والغرور والحقد، وأنه عدوّ للنور.

خرجت إليه بعد أن ملأ المكان صراخا فرحا، وبادرني بقوله: راحت عليك! قلت مستغربا: خيرا يا (جهل) لن تروح عليّ ما دمت أنت الناقل للنبأ! (وحدّثت نفسي بقولي: ما الذي يأتي به البوم والغراب غير الشؤم والخراب)… وقبل أن أواصل حديثي قاطعني مستأنفا كلامه، فقال: راحت عليك يا أبا العرّيف! ها هي واحدة من قلاعك التي أقمتها لتحاربني تضرب وتشلّ!.

وجدت نفسي مستثارا  قبل أن أفهم منه ما المقصود، فقلت متداركا: فشرت! لن تنهار حصوني بفعل عابث منك ومن أصدقائك الجاهلين، فالجبل يحضنها، وعيون الله تحرسها… فالنور نور والظلام ظلام، ولن يحلّ الظلام محل النور أبدا، أبدا. هل تفهم؟ قال: أنا لا أفهم يا أبا العرّيف، سلامة فهمك! هل نسيت؟! ولو كنت أفهم لما أسميتموني (جهل)!

كانت كلماته المرّة المتشفّية هذه تحمل معنى السخرية ونشوة الانتصار، فشعرت بالغيظ… حقّا لقد أغاظني هذا (الجهل) الذي كلما ابتعدت عنه فرض نفسه وحضوره وأثره في عالمي، وكلما حاربته قوي وامتد وانتشر وكلما حاصرته وخلّصت بعضا من أتباعه من سجنٍ سحرهم به، ألحق بقائمة أتباعه أضعافا مضاعفة من المريدين والأتباع!! حتى كدت أشعر بالوحدة والعجز عن مقارعته وإمكانية التغلّب عليه… ولولا ثقتي الكبيرة بسلامة مشروعي التنويري في مقابل مشروعه التجهيلي لأعلنت الانسحاب من هذه المعركة غير المتكافئة! ولأطفأت كل شموعي وأخمدت ناري ورحت أبحث عن حياة أكثر هدوءا وسلاما وأمنا بعيدا عن صديقي اللدود (جهل).

هذه جولة لك يا (جهل)، لن أقول لك هنيئا! لا تطاوعني الكلمات ولا المشاعر فلا تخرج جملتي من بين فكيّ… ولكن عليك أن تعلم جيدا أن الصراع قائم بيننا حتى يوم الدين… أتفهم؟! كانت جملتي الأخيرة قد خرجت منطوقة من لساني بعد مغادرتها جدر عقلي الداخلي التي بدأت تهتزّ وتتألم فسمعها (جهل) وعاد ليقول لي: ألم أقل لك إنني لا أفهم! ألا تفهم أنني لا أفهم… ؟! قلت: أفهم وأدري، والله أفهم وأدري بأنك لا تفهم ولا تدرك… ولو أنك كنت على غير هذا الحال لما أسموك (جهل). أدري هذا وأعيه جيدا… فأنت جهل،  أنت جهل المغرور، الظالم، المعتم. أنت جهل الذي لا يعلم ولا يفهم وهو مسرور سعيد بجهله… أنت جهل الذي يدمّر ويحرق وهو ضائع لا يعرف أي طريق يختار، ولا يجيد سوى الخراب والتدمير ونشر الجهل. أنت جهل الذي لا يحب الكتب ولا الأقلام ولا الدفاتر. الذي لا يحب الطبيعة والجمال ويحارب الأدب والفن والحياة،  أنت (جهل) الذي يكره الناس جميعهم لأنه يكره نفسه. أنت (جهل) ويكفيك هذا الاسم وما يلحقه بك من عار وبؤس ولوم وذلّ. فلماذا تغترّ؟ ولماذا اليوم أنت سعيد؟ وكيف تطاوعك نفسك بالتفكير والتدمير والحرق والتخريب؟! كيف… وكيف… وبلا وعي منّي وجدت يديّ تطوّقان عنقه، وتضغطان ضغطا قويا، وتهزّانه بعنف وقوة إلى الأمام وإلى الخلف… وأنا أردّد:

– أنت جهل، وأنا أبو العرّيف. أنت جهل وأنا أبو العرّيف؛ أنت المتسكّع الهابط جالب الموت والخراب والعتمة، وأنا أبو العرّيف التقي النقي عاشق الحياة والعلم والأدب والثقافة. أنت الظلام والبرد، وأنا النور والدفء والعلم والعمل… أنا من ينقذ البشرية من جهلك وموتك وتخريبك وتدميرك… لن تغلبني، لن تغلبني، لن تغلبني… أتسمعني؟ لن تغلبني، لن تنتصر عليّ لن… لن… لن… هل تفهم أيها الجهل؟!

وبقيت أردّد وأنا ممسك بتلابيبه وأهزّه هزّا عنيفا أظهر لي مدى هشاشته وضعفه في الوقت الذي لمحت على محيّاه ابتسامة، فتذكّرت في سورة غضبي مقولته الشهيرة: أنا لا أفهم، أنا لا أفهم، لهذا أسميتموني جهلا. لقد أنساني بحماقته أنه لا يفهم… للحظة غاب اسمه عنّي، فنسيت سبب تسميته… آه يا جهل! أيها الجاهل الذي استمرأ الذل والخسّة والوضاعة، وأقسم بجهله أن يجرّ من يتبعه إلى جهله وجهنّمه الخاصة به. لم ير على وجهي ما يسرّه! ولم يسمع مني ما يحقّق له مبتغاه! أخبرني بقوله: راحت عليك، والآن ها أنا آمره بالانصراف، قلت له: انصرف هيّا بسرعة، اندحر كئيبا ذليلا، فانصرف.

انصرف (جهل) وشعرت أنني هزمته، ولا أدري لماذا هيىء لي أنه يشعر وهو يغادرني في هذا الصباح الذي منّى نفسه بفرح فيه، بالخيبة والخزي! فكل هذا الذي دمّره لن يكسبه أصدقاء جديدين، بل سيوقظ من غرّر بهم من أتباعه… ولكن، هل سيختفي (جهل) من حياتي؟! وإذا اختفى من حياتي الشخصية، هل سيختفي من حياة بلدتي وأبناء مجتمعي؟! هذا ما أرّقني، وصادر فرحة انتصاري المؤقت عليه… ووجدت نفسي أتوجّه إلى الطريق العام وأنا أتبعه صارخا به معنّفا له… وبدأ الناس يتجمهرون يستطلعون النبأ، فقلت لهم مخاطبا قلوبهم وعقولهم:

– أيها الناس، يا أهلي وأحبابي، اسمعوا منّي أبيّن لكم… هل ترضون بقاء (جهل) بيننا يصول ويجول فيعطّل مشاريعنا، ويهدم أحلامنا؟! لقد بدأ يفسد حياة أبنائنا وهو يخيّل إليهم ما لا يصدّق… لقد دمّر أحلامنا، وها هو يعدّ العدّة للبدء بجولات أخرى لتخريب حياتنا. أيها الناس …….

وحانت منّي التفاتة نحو الجبل، الجبل الذي يحتضن المدرسة فيحنو عليها ويحميها، فوجدته يبتسم… الجبل رأيته يبتسم، يا إلهي ما أجمل الجبل وهو يبتسم! بينما (جهل) يلوذ بالفرار، والجبل يبتسم والناس يلوّحون بأيديهم وقد عزموا على ألاّ يسمحوا لجهل بزيارة ثانية إلى بلدتهم… عدت مطمئنّا أفكّر بالخطوة التالية،  بينما كانت حشود الناس في الجبل قد عزمت على أمر ما.

عن adminh

شاهد أيضاً

في أحراج يعبد …. روضة الفرخ الهدهد

في قرية من قرى سوريا بالقرب من اللاذقية وُلد عزالدين القسّام .... وُلد في قرية جبله سنة 1871 حين كان الأتراك يحكمون البلاد العربية من أقصاها إلى أقصاها دون حدود أو فوارق، فسوريا وفلسطين ولبنان ومصر وحتى تونس ومراكش بلد  عربي واحد.... وُلد في عائلة متوسطة الحال، يعمل أهلها في الزراعة، فيزرعون الدخان ويقطفونه، ويزرعون القمح ويحصدونه.