ظاهر العُمَرْ الزَّيْداني

“العصر الذَّهبي”  لفلسطين في التاريخ الحديث

                                        أ.د. محمود يزبك*

* أستاذ التاريخ الحديث، جامعة حيفا- فلسطين.

   نجح ظاهر العُمَر الزَّيداني خلال أربعين عامًا (1710-1750) في السيطرة على كل الجليل الذي تبع إداريًّا لوالي صيدا. فبدأ منذ عشرينيات القرن الثامن عشر باتخاذ خطوات مدروسة ليصبح حاكمًا لشمال فلسطين، وصاحِب الاحتكار الوحيد لتجارة القطن وتسويقه للتجار الفرنسيين، وكانت خطوته الحاسمة في أربعينيات القرن الثامن عشر عندما استولى على عكا، وامتدَّ حكمه ليشمل المدن التي بناها ونمَّاها بسرعة، (طبريا، الناصرة، حيفا وعكا)، وعمل على تحويلها من قرىً صغيرة إلى مراكز حضرية وتجارية واعدة. وما تزال آثاره حاضرة في الوجدن الشعبي الفلسطيني، ولذا، يمكنني وصف فترة حكمه بفترة “العصر الذهبي” لفلسطين.

 

ظاهر العُمَر بريشة الرَّسام زياد ظاهر، النَّاصرة 1990.

ظهور الزَّيادْنَة

وبروز الشيخ ظاهر العُمَرْ الزَّيْداني

ظهرت عائلة ظاهر العُمَر الزيداني (الزيادنة) على مسرح الأحداث في شمال فلسطين في أواخر القرن السابع عشر وبرزوا مع بداية القرن الثامن عشر كملتزمين للضرائب ومشايخ (زعماء محليين) في أجزاء عديدة في الجليل. ويُعتقَد أن الزيادنة اتخذوا بدايةً (طَبَرِيَّة) مكانًا لسكناهم والتزموا ضرائبها في بداية القرن الثامن عشر من والي صيدا. وانطلق ظاهر العُمَر، وهو من مواليد الجليل، في بناء مكانته كملتزم وهو ابن 14 عامًا (1703)، وبعد فترة وجيزة (1710) ترك الزيادنة طبرية واتخذوا من قرية (عَرَّابَة البَطُّوف) من قرى قضاء عكا مقرًّا لهم. ونجح ظاهر العُمَر الزيداني خلال أربعين عامًا (1710-1750) في السيطرة على كل الجليل الذي تبع إداريًّا لوالي صيدا. وخلال مدة قصيرة اعترفت به الدولة العثمانية حاكمًا لعكا والجليل.[1] واعتمد نمو قوته على تشابك اقتصاد الجليل بالاقتصاد العالمي، وازدهار التصدير الزراعي ونموه، ولا سيما القطن إلى أسواق فرنسا وأوروبا.

منزل ظاهر العُمَر في عرَّابة البطُّوف الذي اتخذه مقرًّا له. (بيت مصباح ياسين)، تصوير مقبولة نصَّار

   لعبت صناعة النسيج في أوروبا دورًا مهمًّا في مسيرة التصنيع في النصف الثاني من القرن الثامن عشر. ولتلبية الطلب المتزايد على القطن الخام، اتجهت بريطانيا وفرنسا إلى منطقة الشرق الأوسط حيث المناخ مُواتيًا لزراعة هذا المحصول. وتوجهتْ إنجلترا في المقام الأول نحو مصر وشمال بلاد الشام للحصول على مبتغاها، وعزَّز التجار الفرنسيون ووكلاؤهم تواجدهم في لبنان وفلسطين للحصول على القطن، مما جعل فرنسا الشريك التجاري الأوروبي الرئيسي مع الساحل السوري الجنوبي. ومن خلال معطيات الواردات الفرنسية من القطن الخام عبر موانئ عكا، سالونيك وإزمير، في بدايات القرن الثامن عشر، تتضح كيفية تحفيز هذه الواردات لزيادة إنتاج هذا المحصول. ففي بداية القرن الثامن عشر لم يتعدَّ مجمل الاستيراد الفرنسي لمادة القطن النصف مليون كغم، وارتفع هذا الرقم في عام 1750 لأربعة مليون كغم ووصل لحوالي عشرة ملايين كغم في نهاية القرن. وسرعان ما سيطر التجار الفرنسيون، الذين اتخذوا من مدينة عكا مقرًّا لهم، على تجارة الساحل الفلسطيني بطوله، وأظهرت معطيات غرفة تجارة مدينة مرسيليا أن مشتريات التجار الفرنسيين القاطنين في عكا لمحصول القطن الخام قفزت في العقدين الأوَّليْنِ من القرن الثامن عشر بشكل كبير، من قيمة إجمالية بلغ وزنها 225،000 ليبرة عام 1700م، إلى 653،000 ليبرة عام 1704م، وارتفعت لـ 934،000 ليبرة عام 1714م، وبلغت عام 1719م حوالي 1،750،000 ليبرة. ولم تُؤَدِّ الكميات المتزايدة لإنتاج القطن بالضرورة إلى زيادة أرباح المزارعين أو المُتنفِّذين  الفلسطينيين، إنما أدّت إلى زيادة أرباح التجار الفرنسيين الذين سيطروا على أسعار السوق المحلية ونسَّقوا الأسعار فيما بينهم.

 في بداية القرن الثامن عشر برز الشيخ عمر الزيداني وشقيقيه علي وحمزه من بين المُتنفِّذين الفلسطينيين في الجليل. وكان الشيخ عمر الزيداني وأشقاؤه من أهم ملتزمي الضرائب (جامعي الضرائب) في قرى الجليل وخبروا جيدا تجارة وزراعة القطن في سهول عكا ونواحيها. وفي هذه الأثناء كان التجار الفرنسيون قد أحكموا سيطرتهم على زراعة القطن في قرى الجليل الفلسطينية ودفعوا أثمان

إطلاق اسم ظاهر العُمَر على السوق العمومي في عكا                  

المحاصيل حتى قبل بداية الموسم ليضمنوا عدم المنافسة أو تغيير الأسعار، مما زاد في هامش ربحهم على حساب المزارع الفلسطيني. وفي أحيان كثيرة دفع التاجر الفرنسي الضرائب المطلوبة من بعض قرى الجليل مُقدَّما لوالي ولاية صيدا قبل حصاد القطن مقابل ضمان أسعار مُخفَّضة وضمان توريد القطن للتاجر. وفي الواقع أحكمَ التجار الفرنسيون ووكلاؤهم المحليون سيطرتهم على اقتصاد قرى الجليل، ومكنَّهم ذلك من احتكار محصول القطن وتسويقه وضمان أسعاره المنخفضة ودون منافسة.

الجامع الذي بناه ظاهر العُمَر في حيفا، وما زال يعرف حتى الآن باسم “الجامع الصغير”.

أدرك ظاهر العُمَر جيدًا، كونه ابنًا لعائلة ملتزمين، المراحل الاقتصادية التي مرَّت بها بيئته، فبدأ منذ عشرينيات القرن الثامن عشر باتخاذ خطوات مدروسة ليصبح حاكمًا لشمال فلسطين، وصاحِبِ الاحتكار الوحيد لتجارة القطن وتسويقه للتجار الفرنسيين.

تنبّه ظاهر -ومنذ البداية- أن عكا بموقعها ومينائها تشكِّل المركز الاقتصادي والاستراتيجي الأهم في الجليل. وحين نتتبع مسيرة ظاهر السياسية نجد أنه وجَّه كل طاقاته وبإصرار ليضمَّ عكا لحكمه.

خان الشَّواردة، أنشأه ظاهر العُمَر إلى الشمال الشرقي من خان الإفرنج في عكا

طريق ظاهر إلى عكا

ظهرت عكا في كتب الرَّحَّالة من مطلع القرن الثامن عشر كمدينة خاربة و”كومة من الأنقاض”. وتطورت عكا في القرن الثامن عشر “من العدم”. ويشير الرحّالة موندريل (Maundrell) الذي زار عكا عام 1697 في تقريره: “ما عدا الخان الكبير الذي جعله التجّار الفرنسيون مقرًّا لتجارتهم وسكناهم، والمسجد، لا أرى في عكا إلَّا عددًا قليلًا من البيوت الفقيرة، ولا أرى أي شيء هنا سوى الخراب في كل ناحية”. والخان الذي أشار إليه (موندريل) هو خان الإفرنج الذي ما زال قائمًا حتى أيامنا، والذي عُرف قديما باسم “خان البندقية”. ووجود هذا الخان واستمراره بوصفه مركزًا تجاريًّا نشطًا ومكانًا لمعيشة التجار الفرنسيين على الرغم من الدمار الذي تعرضت له عكا بعد الحروب الصليبية، يؤكِّد حفاظ عكا على بعض ماضيها التجاري المهم وأهمية مينائها الذي تعرَّض للدمار. وأما المسجد فهو مؤشِّرٌ لوجود مجتمع محلي استمرَّ بالعيش بين الأنقاض، ووصل عدد سكان المدينة حوالي “ثلاث مائة شخص اعتاشوا بالأساس على الصيد”. وعلى الرغم من الدمار وقلَّة عدد السكان فقد كانت عكا مقرًّا لقاضٍ ولمحكمة شرعية خدمت قرى القضاء، مما يؤكد أن الدولة العثمانية أولتْ الميناء أهمية إدارية لربط المدينة بمؤسسات الحكم في الدولة.

إنَّ عكا الجديدة والتي أنشأها ظاهر العُمَر الزيداني، بُنيت من أنقاض المدينة المهدومة. وحين قرَّر ظاهر العمر في أربعينيات القرن الثامن عشر جعل عكا مركزًا لحكمه، استفاد جدًّا من الأنقاض الجاهزه والتي وفرتْ له حجارة رخيصة ومنتشرة بكثرة في أرجاء المدينة.

وإضافة لوفرة حجارة البناء، فإن الموقع الجغرافي لعكا جعلها نقطة جذب طبيعية لمحاصيل القطن التي أنتجتها سهول فلسطين من جبال نابلس مرورًا بمرج ابن عامر وسهول طبَرِيَّا وسهل البَطُّوف ومروج الجليل وصولًا لشواطيء المتوسط غربا. وعكست جاذبية عكا مسار ظاهر العُمَر نفسه حين نقل قواعد سلطته تدريجيًّا من طبريا وانجذب نحو عكا، الميناء الرئيسي للجليل وشمال فلسطين.

ونظرًا لتزايد المنافسة بين التجار الفرنسيين لاحتكار القطن والارتفاع المطَّرد في الأسعار، بسبب ارتفاع الطلب من تجار مرسيليا، تعاظم كذلك الثراء المادي لمشايخ الجليل وفي مقدمتهم الزيادنة الذين التزموا ضرائب العديد من قرى الجليل التي اشتهرت بزراعة القطن. وإضافة لوظائف الالتزام التي قام بها مشايخ الزيادنة بتعيين رسمي من والي ولاية صيدا، فقد بادروا بأنشطة تجارية فردية في القرى التي حكموها وقاموا بأنفسهم بعقد صفقات مربحة مع التجار الفرنسيين المقيمين في عكا. وكانت هذه الصفقات التجارية مقدمة نحو تغيُّرٍ اقتصادي كبير فرضه ظاهر العُمَر في معاملاته التجارية مع التجار الفرنسيين. وحين تمكَّن ظاهر العمر من فرض سلطته في أنحاء الجليل في أربعينيات القرن الثامن عشر غيَّر قواعد التعامل مع التجار الفرنسيين الذين احتكروا بواسطة ثرواتهم، وعلى مدى عقود، تجارة قطن الجليل. قام ظاهر بنفسه بعملية الاحتكار لمحصول القطن وورَّده بنفسه للتجار الفرنسيين المقيمين في عكا وفرض أسعارًا تتناسب مع السوق مما زاد في هامش أرباحه. وفي واقع الأمر أصبح ظاهر العُمَر الحاكم الأكثر ثراءً في فلسطين، والأهم من هذا أنَّ هذا الثراء صبَّ مباشرة في مصلحة فلسطين والتي أخذت بالازدهار في فترة حكمه التي دامت لأكثر من نصف قرن (1710-1775). واستثمر ظاهر فائض الأرباح التي جناها بشكل مباشر بتمدين، أي تعمير المدن الفلسطينية في الجليل وإنشاء القلاع وتشبيك المناطق الريفية بالمراكز المدنية، مما دفع بالاقتصاد الريفي للأمام وأسَّس لنشوء طبقة من التجار سيكون لها تأثير كبير في التحولات الاجتماعية في فلسطين.

قلعة شفا عمْرو، إحدى القلاع التي بُنيت في عهد ظاهر العُمَر. تصوير مقبولة نصَّار

نحو إنشاء مدن فلسطينية جليلية

كما حوَّلت تجارة القطن خلال الربع الأول من القرن الثامن عشر اقتصاد فلسطين من اقتصاد استهلاكي لاقتصادٍ تسويقي للأسواق الخارجية، كذلك نجح ظاهر العُمَر وخلال فترة قصيرة بجعل باقي مشايخ الجليل في ظله. وإضافة لكونه ملتزمًا للضرائب، عمل ظاهر في نفس الوقت بالتجارة، وخاصة ما بين الجليل ودمشق. وكان ظاهر وشقيقه سعد قد نجحا في تعزيز العلاقات التجارية التقليدية لعائلة الزيادنة مع دمشق، مما وسّع دائرة علاقاته الاجتماعية. وتكلَّلتْ هذه العلاقات بزواج ظاهر من زوجته الأولى وهي ابنة أحد تُجَّار دمشق الذي انتمى للنخبة الاجتماعية الدمشقية.

نجح ظاهر في تسخير مقدرته الاقتصادية المتنامية لتحقيق طموحات سياسية قوية: وسار الأمران ــــالمقدرة الاقتصادية والطموحات السياسيةـــ جنبًا إلى جنب حتى نهاية أيامه، ودفع بفلسطين بقوة للدخول في مجالات الاقتصاد في أوروبا، مما أدَّى إلى ازدهارها اقتصاديًّا وعمرانيًّا خلال فترة حكمه والتي استمرت إلى ما بعد وفاته في عام 1775.

لم تعد قرية عرَّابة البَطُّوف في عشرينيات وثلاثينيات القرن الثامن عشر تكفي لتطلعات ظاهر العُمَر، فبدأ العمل لتوسيع دائرة حكمه والتي امتدت أولا نحو طبرية لتشمل كل السهول الواقعة ما بين عرَّابة البَطُّوف وشرقًا حتى طبرية.

 

طبرية

ريتشارد بوكوك(Richard Pococke) الرحالة البريطاني، الذي زار طبرية في عام1737، والذي سعى لزيارة الشيخ ظاهر العمر في السرايا، يذكر: “قبل وصولي إلى طبرية…، بعثتُ برجل وزودته برسالة من القنصل البريطاني إلى الشيخ ظاهر، الذي ترافقه عادة حاشية كبيرة…، وأمر خادمه الشخصي الاعتناء بي في منزله والترفيه عنِّي، وقُدِّمتْ لي وجبات الطعام من مطبخ الشيخ. وصعدنا لسطح المنزل لنهنأ من برودة الطقس، كعادة أهل البيت، وبِتْنا في نفس المكان أيضا…، وفي اليوم التالي تناولناعشاءنا هنا، وقمنا برحلة في البحيرة على ظهر قارب يستعملوه عادة لجلب الحطب من الضفة الأخرى”. ولاحظ بوكوك أن “أهالي طبرية وجنود الشيخ كانوا منهمكين ببناء قلعة في مكان مرتفع شمالي المدينة، وتقوية الأسوار القديمة بدعامات من الداخل. وكان الشيخ على خلاف متواصل مع الباشا والي دمشق…، وفي كثير من الأحيان كان الزيادنة على خلاف مع باشوات دمشق، الذين قاموا بمهاجمة طبرية وضربوها بمدافعهم عدة مرات. وأحيانًا هدموا أجزاءً من أسوارها، ولكنهم لم ينجحوا أبدًا في الاستيلاء عليها”.

حين مقارنة ما شاهده (بوكوك) في طبرية عام 1737 مع رحالة سبقوه نستطيع تقييم مدى مساهمة ظاهر العُمَر في تنمية طبريا. وقبل (بوكوك) بحوالي عشرين سنة زار الرَّحَّالة الهولندي جون هيمان(Johannes Heyman) طبرية ووصفها بأنها: “مجموعة من الأنقاض…، محاطة بأسوار عالية مبنية بطريقة عشوائية ورديئة، وشكلها يشبه المستطيل، ومجموع بيوتها لا يغطي إلا نصف مساحتها فقط…، يوجد بها بوابتان، واحدة منها تقع على شاطئ البحيرة وعلى مقربة من بيت الشيخ، وهو المنزل الوحيد الجدير بهذا الاسم، والبوابة الثانية مغلقة بأحجار كبيرة”. ويذكر هيمان: “في خارج البلدة أُقيمت خيام لحوالي مائة من البدو، وهؤلاء يشكِّلون إحدى القوى الموالية لظاهر، أقوى مشايخ المنطقة”.

يفيدنا مصدر يهودي من منتصف القرن الثامن عشر، أن ظاهر قام في العام التالي لزيارة (بوكوك) بالاتصال مع الرابي (حاييم أبو العافية)، رئيس الطائفة اليهودية في مدينة ازمير،  ودعاه مع أبناء طائفته ليأتي ويستقرُّوا في طبرية. وعند وصولهم في عام 1740، رحَّب ظاهر شخصيًّا بهم وقدَّم لهم قطعة أرض لبناء حيٍّ لهم حول الكنيس والمدرسة الدينية اليهودية التي ساهم بإنشائهم. وكي يحفزهم لتنشيط الحركة التجارية قدم لهم إعفاء ضريبيَّا لمدة ثلاث سنوات.

وكما ذكر بوكوك، استطاع ظاهر مواجهة والي دمشق ومنعه من احتلال طبرية، ونجح كذلك في التَّصدي لهجوميْن آخرين قام بهما والي دمشق في أربعينيات القرن الثامن عشر. وإنَّ نجاح ظاهر بالسيطرة على طبرية، المعقل الاستراتيجي في الجليل الشرقي، أتاح له سيطرة كاملة على المداخل الرئيسة لبحيرة طبرية من الشمال والجنوب. كما أنَّ صموده أمام ولاة دمشق أكسبه شهرة فائقة وكشف عن القوّة العسكرية الكبيرة التي امتلكها. وعلى الرغم من امتلاكه قوة عسكرية كبيرة تم استعراضها وإثبات نجاعتها، حرص ظاهر حرصًا شديدًا على الحفاظ على علاقات طيبة مع والي صيدا الذي تَبِع له مباشرة وحصل منه على تعيين سنوي لالتزام ضرائب المناطق التي سيطر عليها. وهذا ما لفت انتباه الرحالة الإيطالي جيوفاني ماريتي ((Giovanni Mariti، الذي زار عكا في ستينيات القرن الثامن عشر، وكتب: “إن ظاهر العُمَر الذي يمتلك عكا…، هو رجل متقدم في السن؛ وعلى الرغم من القوة الكبيرة التي بحوزته وسيطرته الكاملة على عكا والجليل، ما زال يفعل كل ما بوسعه للحصول على تعيين سنوي جديد من والي صيدا وهو بمثابة اعتراف بسيطرته”. وعادة لم يجد الوالي بُدًّا من قبول الواقع المفروض.

اعتمد ظاهر على قوة عسكرية خاصة تشكلت بالأساس من 1،000 مقاتل من المرتزقة المغاربة وأنشأها في ثلاثينيات القرن الثامن عشر، وفاق هذا العدد أعداد القوة العسكرية التي كانت بحوزة والي صيدا وضاهت كذلك القوة العسكرية التي وضعتها الدولة العثمانية تحت تصرف والي دمشق، أقوى ولاة بلاد الشام قاطبة.  والأهم من كل هذا أن ظاهر العُمَر امتلك مقدرة اقتصادية هائلة مكَّنَتْهُ من تحمُّل أعباء ومصاريف جيش نظامي بهذا الحجم، مما جعله يتفوق على كل أقرانه.

بعد أن نقل ظاهر مقرَّ حكمه لطبرية واستعرض قوته العسكرية الضخمة عزَّز علاقاته مع العشائر البدوية وخاصة مع عشيرة بني صقر، أقوى عشائر الجليل، ودمج أبناء هذه العشيرة في جيشه بعد التحالف معها. وقد ساعده زعماء هذه العشيرة في حفظ القانون والنظام في مناطق نفوذه، وحماية الفلاحين وأراضيهم، إذ شكَّل أبناء عشيرة بني صقر والفلاحون المحليون رافدًا مهمًّا في جيشه إضافة للمرتزقة الذين كوَّنوا جيشًا نظاميًّا. ووفَّرتْ الأرباح الكبيرة التي جناها من تجارة القطن تمويلًا كافيًا لجيشه الكبير، أضف الى ذلك أنه ضمن استقرار حكمه بواسطة علاقات زواج استراتيجي لأفراد عائلته مع بنات المشايخ المُهمِّين وأصحاب النفوذ والسطوة في منطقة حكمه.

وهكذا استطاع ظاهر تشديد سيطرته على مراحل زراعة القطن وإنتاجه، ولم يدَّخر جهدًا لضم مرج ابن عامر، أكبر وأخصب مروج فلسطين، إلى نفوذه. وفي خطوة أولى لبلوغ هذه الغاية اختار النَّاصرة المشرفة على المرج.

 

النَّاصرة

كانت الناصرة خطوة ظاهر التالية؛ وفي البداية أسكن فيها زوجته الدمشقية الأولى والتي شعرت بها بسعادة أكبر مما كانت عليه حين أسكنها في قرية عرَّابة. وسبب توسعه نحو الناصرة كان استراتيجيًّا واقتصاديًّا قبل كل شيء. ووصف (آدم سميث)، جغرافي الكتاب المقدس، موقع الناصرة بدقة حين كتب: “الناصرة موجودة عند أقصى تلال الجليل الأسفل الجنوبية، على طرف التلة المطلة على مرج ابن عامر… فأنت لا تستطيع أن ترى المنطقة المحيطة، لأن الناصرة موجودة في جرن، لكن مباشرة عند تسلقك قمم التلال المحيطة بالبلدة، يظهر أمامك منظرٌ خلابٌ للغاية! مرج ابن عامر ممتد أمام ناظريك… أنت ترى ثلاثين ميلًا في ثلاثة اتجاهات”.

كانت الناصرة حينها عبارة عن قرية صغيرة، ولكن احتلت موقعًا استراتيجيًّا مرتفعًا على التلال الجنوبية للجليل الشرقي، وشكَّلت ما يمكن وصفه بشرفة طبيعية مُطلَّة على مرج ابن عامر الممتد تحتها. وحين سيطر ظاهر على الناصرة عام 1735 جعلها مكانًا رئيسًا لإقامته. وأقام في الناصرة حامية عسكرية دائمة لتعزيز الأمن في البلدة وفي المروج الشاسعة المحيطة بها. وساهم حكم ظاهر العُمَرْ في الناصرة في تعزيز الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للقرية الصغيرة حيث سارع بتحويلها إلى “مدينة سوق” رئيسية ومركز تجاري (بندر) للمنطقة الريفية المحيطة بها.

خلال فترة قصيرة ارتفع عدد سكان الناصرة مما دعا لإنشاء ثلاث كنائس جديدة. وقد ساهم ظاهر بنفسه في إنشاء كنيسة لطائفة الروم الأرثوذكس، وأخرى لطائفة اللاتين وثالثة للطائفة المارونية. كما وسمح بترميم “كنيسة المجمع” التي أصبحت بحوزة الروم الكاثوليك. وزيادة عدد سكان الناصرة نتجت عن توافدهم وانجذابهم إليها بسبب وفرة فرص التجارة والازدهار التي وفرتها سياسة ظاهر العُمَر. وحين طلب الموارنة في ستينيات القرن الثامن عشر، -والذين هاجروا إلى الناصرة من لبنان، وأصبح عددهم كبيرًا بما فيه الكفاية-، بإنشاء كنيسة خاصة بهم، رحَّب ظاهر العُمَر عام 1769 بطلبهم، وجاء برسالة ظاهر: “قد صدر إبراز أمر أفندينا الشيخ ظاهر العُمَر أننا قد سمحنا على أعزازنا نصارى الناصرة الموارنة أن يجيبوا لهم خوري من طائفتهم وأن يستقيم عندهم في مكان مخصوص يخدمهم في ما يخص أمور دينهم وذلك لأجل تصميد أحوالهم كونه ضروري لهم والخوري الذي يستقيم لا يشاهد منَّا إلا المليح”.  ومن خلال المسافة بين كنيسة الموارنة وكنيسة الروم الأرثوذكس وكنيسة اللاتين نستطيع، حتى في أيامنا الحاضرة، تقدير التطور الهائل الذي طرأ على حجم أسواق الناصرة التي وصلت هذه الكنائس مع بعضها بعضا، حيث لم يكن بالناصرة سوق يُذكر قبل مجيء ظاهر العُمَر إليها.

لقد أكد (ماريتي) أثناء رحلته للناصرة الصورة أعلاه، ولاحظ كيف جمع ظاهر في شخصيته الذكاء والفطنة السياسية لخلق ديناميكية على أرض الواقع لإعادة الناصرة لموقعها المهم، على غرار ما فعل في طبريا، وكتب: “ارتفع ظاهر العُمَر فوق التحيزات الدينية، وامتلك قدرات كافية مكَّنَتْهُ من اكتشاف الأهمية المعنوية والمادية للأماكن… وتوقع بحق، أن محبة النصارى للناصرة ستجذب عددًا كبيرًا منهم إليها. وحين وصلت أعداد متزايدة منهم استقبلهم بأذرع مفتوحة، وساهم بتوسيع رقعة الأرض التي أُقيمت عليها منازل الطوائف المختلفة”.

وأخبرنا (ماريتي) كذلك، كيف أن ظاهر قبل سعيه لدعوة السكان للقدوم إلى الناصرة، عمل أولًا على إيقاف غارات البدو على المدينة، ولتشجيع الهجرة إلى الناصرة اتَّخذ منها مكانًا لسكناه لعدة أشهر في السنة، وحرص على تطبيق العدالة بين الناس وبنزاهة كبيرة. ولاحقا، استخدم “السرايا” التي بناها هناك كمقر صيفي، يأتي إليه ليمتع نفسه لمدة شهرين أو ثلاثة أشهر في السنة. وإنَّ ضمّ الناصرة لحكم ظاهر العُمَر مع أجزاء واسعة من مرج ابن عامر الخصب، زاد بشكل كبير كميّات القطن التي أنتجها وتاجر بها. وفي هذه الأثناء علا شأن ظاهر أكثر وأكثر حتى أن أهالي الجليل الأعلى الغربي توجهوا إليه وطلبوا منه أن يضمَّهم لحكمه ليشعروا بالأمن والأمان الذي انتشر في مناطق حكمه. وقبل أن يوّجه أنظاره نهائيًّا نحو عكا، ضمَّ لحكمه منطقة الجليل الأعلى التابعة لقضاء صفد ولقلعة جدّين. وفي الواقع لم يحظَ أي من حكام فلسطين حتى عهد ظاهر بحكم مساحة مشابهة لما حظي به ظاهر. وهذا ما دفع أحد رهبان دير الفرنسيسكان في الناصرة ليصف ظاهر العُمَر عام 1741 بصفة “ملك الجليل“. ولم يبق بعد هذا في الجليل إلَّا عكا خارج منطقة حكمه، مما حذا به لأخذ قراره النهائي بضرورة التقدم نحو عكا ليحكم سيطرته على تجارة القطن وحكم الجليل عامة.

 

عكا

كانت خطوة ظاهر الحاسمة في أربعينيات القرن الثامن عشر عندما استولى على عكا دون معاناة كبيرة؛ فقد توفي عام 1743 خصمه الأَعْنَد سليمان باشا العظم، والي دمشق. وكان خلفه، أسعد باشا العظم أقل عدوانية بكثير. ومباشرة بعد احتلال عكا (عام 1744 أو عام 1747)، قام ظاهر بإعادة إعمار وإنماء عكا بسرعة كبيرة. وحوْل مشاريع إعمار عكا كتب (ماريتي) الذي زارها عام 1760 وأبدى إعجابه بشخص ظاهر، وقال: “هو رجل الحكمة والعمل، وظَّف نفسه لإعادة إنشاء الأسوار والقلعة القديمة. وحصَّنَها وقوَّاها أكثر مما كانت عليه أيام الصليبيين لتتلاءم مع متطلبات العصر الحاضر”.

أنشأ ظاهر عام 1750 أسوار عكا من جديد، وبها بوابتان شرقية وغربية. وحدَّدَتْ هذه الأسوار الفضاء الذي امتدت عكا بداخله. وأنشأ على بقايا القلعة الصليبية، قلعة هائلة لتكون سكنًا له ومقرًّا لحكمه. وإلى الشمال الشرقي من خان الإفرنج أنشأ ظاهر خانًا جديدًا أسماه “خان الشَّواردة”، وإلى الجنوب منه أعاد إعمار الخان البيزاني وأصبح يعرف بخان الشُّونة. وأنشأ طريقًا واسعًا أوصل الخانات الثلاثة ببعضها، وأوصلهم مع بوابة المدينة والسوق الجديد الذي أنشأه ظاهر بجانب السوق القديم. وهذه الخانات كانت ضرورية لتخزين كميات القطن الهائلة وإعدادها للتصدير. وأما السُّوقان “كانت بهما بضائع كثيرة ومتنوعة. ويحتوي أحدهما على بضائع من كل نوع، وأما السوق الآخر فاختصَّ بكل أنواع الملابس وصناعة الثياب”. وشملت إنشاءات ظاهر في عكا أيضًا حمَّامان عامَّان في منطقة الأسواق “مُزيَّنان بالرخام، ومشيَّدان بدقة وبجمال فائق”، وإضافة إلى ذلك “أنشأ عدة مقاهٍ أضافت للمدينة مظهرًا حيًّا وأكثر قبولًا”.

وبالتزامن مع نمو المدينة اقتصاديًّا تطورت عكا ديمغرافيا، وكما حصل في الناصرة، نشأت في عكا مجموعة كنائس جديدة. ويُعدِّد (ماريتي) المنشآت الدينية الحديثة التي نشأت في زمن ظاهر العُمَر وهي؛ كنيستين لطائفة اللاتين، بالقرب من “حي الجالية الأوروبية،” وكنيسة صغيرة مجاورة، وكنيسة سانت أندروز المجددة للروم الكاثوليك والتي أقيمت في الجزء الغربي من المدينة على أنقاض الكنيسة القديمة وكنيسة الموارنة، التي أنشئت حديثًا، واستخدم البناؤون في زخرفتها أنواعًا مختلفة من الرخام جمعوها من أطلال المدينة”. وأكبر الكنائس التي أنشئت في عهد ظاهر العُمَر كانت كنيسة طائفة الكاثوليك الملكيين. وإضافة لهذه الكنائس أُنشِىء كذلك كنيسًا صغيرًا لخدمة الطائفة اليهودية الصغيرة التي كانت في عكا. ويشير (ماريتي) كذلك لوجود ثلاثة مساجد، أحدهما يعود للقرن الثالث عشر والآخران أنشأهما ظاهر بنفسه.

وبعد أن عدَّد (ماريتي) إنشاءات ظاهر العُمَر في عكا، وصفه بالحاكم الحكيم الذي وجَّه مصادر ثروته لرفع شأن حكمه وتطوير اقتصاد مدينته. واعتقد (ماريتي) أن نجاح ظاهر في تطوير عكا في ستينيات القرن الثامن عشر يعود بسبب “انتهاج ظاهر نحو التجار الأوروبيين أسلوبًا اجتماعيًّا مؤدبًا، إضافة للعدل الذي ذاع صيته بالبلاد والأمن في الطرقات ممَّا شجع قدوم الناس لعكا من جميع أنحاء العالم”. وعبَّر الإنجليز والفرنسيون والهولنديون عن رغبتهم في المشاركة في التجارة والأرباح لوفرتها في عكا وخاصة تِجارة القطن.

وعندما قرَّر ظاهر خفض الضرائب الجمركية في عكا لجعلها أكثر جذبًا للتجار الأوروبيين، ساهم ذلك في جذب التجار من تركيا ومن دمشق ليحوِّلوا تجارتهم عبر عكا على حساب ميناء صيدا، ولتصبح عكا مدينة الميناء المركزية في جنوب سوريا. وتحوَّلت القوافل على الفور إلى عكا، مما خفَّض حجم التجارة في الموانىء المجاورة، حتى أن ميناء عكا أصبح كذلك ميناءً لتجَّار دمشق.

وبفضل سياسات ظاهر العُمَر في عكا بلغ عدد سكان المدينة في منتصف ستينيات القرن الثامن عشر حوالي 20،000 نسمة، لتصبح ثالث أكبر مدينة في سوريا وفلسطين، وأصبحت نقطة التقاء مزدهرة للشرق والغرب في التجارة والثقافة، ومفترق طرق حيوي للتجارة الدولية.

 

حيفا

بعد فترة وجيزة من استيلائه على عكا، حوَّل ظاهر العمر أنظاره نحو حيفا، قرية الصيادين الصغيرة الواقعة على الطرف الآخر للخليج والتي كانت مرتعًا للقراصنة المالْطِيِّين. وأضرَّت أنشطة القراصنة واعتداءاتهم على السفن التجارية بسمعة ظاهر، فقرَّر ضمّ حيفا لسلطته (1750) وتخليصها من قبضة القراصنة. وإضافة لذلك كان لظاهر اعتبارات استراتيجية واقتصادية دفعته للاستيلاء على حيفا. ومنذ أنْ ضمَّ حيفا إلى حكمه وفَّر ظاهر لقرية الصَّيَّادين هذه زخمًا للنمو كما حدث لطبرية والناصرة وعكا. وقام ظاهر بهدم قرية الصَّيَّادين الواقعة عند قدم الكرمل ونقل موقعها نحو ثلاثة كيلومترات على ساحل الكرمل إلى الجنوب الشرقي. وهذا الموقع الجديد بداخل الخليج وفَّر لحيفا حماية أفضل وأكثر ملاءمة للتوسع التجاري الذي سعى إليه ظاهر. وكان للموقع الجديد كافة المزايا التي يوفرها الخليج وجبال الكرمل: حماية من الرياح وحماية أمنها من الاعتداءات من جهة البر. وحين إنشائها أطلق عليها اسم “العمارة الجديدة” أو “حيفا الجديدة”.  وكما في عكا، ولكن على نطاق أصغر بكثير، أنشأ ظاهر سورًا حول حيفا الجديدة، وأنشأ قلعة مشرفة على الميناء سمَّاها “برج السلام” ما زالت بقاياها حتى أيامنا. وحفر الآبار لتوفير المياه للمدينة وبنى سوقًا جديدًا لتسهيل التجارة مع السفن القادمة إلى الميناء. وأنشأ بمدخل الميناء سرايا للحاكم وبنى جامعًا ما زال يُعرف حتى يومنا باسم “الجامع الصغير”. ولحماية الأطراف الجنوبية للبلدة بنى قلعة أخرى في وادي روشميا، للسيطرة الفاعلة على الطريق نحو عكا.

وكما حصل في الناصرة وعكا، نما في حيفا اقتصاد محلي صغير ومزدهر، وحاول التجار إيجاد الوسائل للتحايل على نظام الاحتكار الذي فرضه ظاهر من خلال تطوير شبكات تجارية مع وسطاء يتعاملون مع فلاحين في ظهير المدينة في المنتجات والمواد التي لا تخضع لاحتكارات ظاهر. وقد ساعد في ذلك موقع حيفا  في الطرف الجنوبي للخليج، كما أن ميناء عكَّا لم يكن قادرًا على استقبال السفن الكبيرة بسبب ضحالة مياهه، ولم يكن بالإمكان ترك السفن الكبيرة ترسو في عرض البحر ممَّا يعرّضها إلى مخاطر عديدة. ووفَّر ميناء حيفا المجاور كل ما احتاجته السفن الكبيرة. وذكر (ماريتي) أن السفن الكبيرة رست في ميناء عكا ما بين أشهر أيار-مايو/ وحتى أيلول-سبتمبر. وفي باقي أشهر السنة استعملت السفن الكبيرة ميناء حيفا لتفريغ وتحميل البضائع من وإلى عكا، وتم نقل هذه البضائع إمَّا برًّا أو بحرًا بواسطة القوارب الصغيرة.

 

سياسة ظاهر “التمدينية

إن سياسة ظاهر العُمَر “التمدينية” (إنشاء مدن ومجتمع مدني) وتمويل مشاريعه من ماله الخاص اختلفت بشكل ملحوظ عن سياسات باقي الحكام العثمانيين الذين دأبوا على زيادة إيراداتهم من خلال الضرائب. وكما أظهرت حالة حيفا بوضوح، كان هناك توافق كبير بين استراتيجية ظاهر وجهود اسطنبول لتشجيع وحماية التجارة على طول الساحل الشرقي للبحر المتوسط. على سبيل المثال أمرت اسطنبول والي صيدا عام 1716، تحصين حيفا وتقديم اعفاءات ضريبية لتشجيع السكان على القدوم إلى حيفا والسُّكْنَى فيها وتشجيع التجار الأوروبيين للإقامة بها لحمايتها من القراصنة المالْطِيِّين الذين هددوا التجارة في خليج عكا وسواحل فلسطين عامة. وبسبب كثرة لجوء القراصنة المالْطِيِّين إلى حيفا عُرفت حيفا قبل قدوم ظاهر العُمَر باسم “مالطة الصغيرة”. ونجحت هذه الجهود لفترة قصيرة، وفي عام 1732 تخلَّى والي صيدا عن هذه الإجراءات واهتم بمصالحه الذاتية قصيرة الأمد، وألغى تلك الامتيازات الخاصة، ممَّا أدَّى إلى إخلاء حيفا من سكانها فعادت من جديد مرتعًا للقراصنة.

أما ظاهر العُمَر فلم يهتم فقط بمناطق إنتاج القطن في الجليل، بل امتدَّ حكمه ليشمل المدن التي بناها ونمَّاها بسرعة ـــ طبريا والناصرة وحيفا وعكاـــ وسيطر أيضًا على الموانيء الرئيسة على البحر الأبيض المتوسط. ورافق عملية تمدده وتوسيع رقعة سيطرته في الجليل تحولًا اقتصاديًّا مهمًّا تمثل في أنه أزاح تدريجيًّا تجار القطن الفرنسيين من القرى الفلسطينية، ووضع نفسه بصفته الملتزم والحاكم الفعلي، وسيطًا وحيدًا بين التجار الفرنسيين الذين أسكنهم في خان الإفرنج في عكا والقرى الجليلية المنتجة للقطن. وأخيرًا احتكر القطن الفلسطيني الجليلي ومنع توريد القطن للتجَّار الفرنسيين إلَّا من خلاله. وهكذا أصبح ميناء عكا ميناء القطن الوحيد الذي سُمح للتجار الفرنسيين بتوريده إلى مرسيليا. وبدل أن تذهب الأرباح الطائلة لجيوب التجَّار الفرنسيين، زاد هامش الربح الذي حازه ظاهر مما سهَّل له إنشاء جيش قوي وتعمير المدن الفلسطينية الجليلية.

بعد أن نجح ظاهر في فرض احتكاره على قطن الجليل انتقل العديد من التجَّار الفرنسيين في ستينيات القرن الثامن عشر إلى مدينة الرَّمْلَة بعيدًا عن قبضة ظاهر. وقام هؤلاء التجَّار بتشجيع الفلاحين في سهول وسط فلسطين، خاصة في مثلث  (جِنِينْ طولْكَرِمْ قَلْقيلْيَة) لزراعة القطن، حيث كانت التربة إضافة إلى المناخ مناسبة لهذه الزراعة. وكانت هذه المناطق بعيدة عن سيطرة ظاهر العُمَر ووقعت معظمها تحت سلطة زعامات جبل نابلس من آل طوقان وآل جَرَّار. واستخدم الفرنسيون ميناء يافا لتصدير القطن إلى أوروبا مما أضرَّ بسياسة ظاهر الاحتكارية، ودفعه إلى مَدِّ سيطرته عام 1771 لتشمل ميناء يافا، الذي كان حينها تحت سيطرة آل طوقان من نابلس.

بطبيعة الحال، لم يسمح نظام الاحتكار الذي فعَّله ظاهر العُمَر وعمَّقه أكثر خلفه، أحمد باشا الجزار، للتجار والمستثمرين المحليين بهامش واسع  لاستغلال طفرة القطن. ومن خلال نظام الاحتكار قام وكلاء ظاهر وموظفوه بجمع القطن من القرى ونقله إلى عكا. ونظام الاحتكار هذا منع بفاعلية تطوُّر شبكات تجارية فردية. ومع ذلك، وبعد انتهاء فترة الاحتكار الاقتصادي ظهرت في المدن الفلسطينية طبقة تجَّار مزدهرة استفادت من التنظيمات العثمانية وتقوية العلاقة مع الأسواق الأوروبية، خاصة بعد حرب القرم (1853-1856).

 

الخلاصة

مما لا شك فيه أن ظاهر العُمَر كان متفرِّدا خلال فترة حكمه الطويلة والناجحة، وتميّز عمَّن سبقوه وحتى عمَّن لحقوه بسياسة فريدة تمثلت بضخ معظم إيراداته المالية التي اكتسبها من احتكار تجارة القطن المربحة في الاقتصاد الفلسطيني. وخلال الأربعين عامًا (1735-1775) بعد وصوله للقمة، عمل ظاهر العُمَر على تحويل طبريا والناصرة وعكا وحيفا من قرى صغيرة وبلدات صغيرة إلى مراكز حضرية واعدة، وإلى مراكز تجارية لخدمة المناطق الريفية المحيطة بها.

مشاريع التحضُّر والتمويل اللانهائي الذي استثمره ظاهر من خزانته الخاصة، جعل هذه المراكز الحضرية واقعًا حقيقيَّا. وهذا الموقف تناقض بشكل حاد مع سلوك باقي الحكَّام في فلسطين. وأعتقدُ أن أهمية ظاهر العُمَر في التاريخ الفلسطيني تعود لهذا السبب والذي يمكنني وصف فترة حكمه بفترة “العصر الذهبي” لفلسطين. لقد ترك ظاهر العُمَر بصمة واضحة في تاريخ فلسطين تمثّلت بمبادرته المهمة بإنشاء مجتمع مدني وبداية ظهور طبقة تجار في مدن شمال فلسطين. وهذه المدن امتازت منذ نشأتها بتنوّع سكانيٍّ مثَّل أطياف المجتمع الفلسطيني حينذاك. بل وإن الحاكم استثمر أمواله للدفع قدما لتمكين المجتمع الجديد ليقف على رجليه ويصبح قادرًا على البقاء بعد زوال حكم الحاكم. وهكذا وبعد مقتل ظاهر العُمَر الزيداني استمرَّ المجتمع الفلسطيني بالتطور وصمدت معظم المدن التي أنشأها ظاهر العُمَر بوجه قُوَى الاحتلال التي تعاقبتْ على فلسطين حتى يومنا هذا.

 

المصادر

استفادت هذه الدراسة من مصادر أولية مهمة في اللغة العربية لتاريخ الزيادنة عامة وظاهر العُمَر خاصة:

  1. 1. عبود الصباغ، الروض الزاهر في تاريخ ظاهر (مخطوطة)، رقم 4610 (باريس: المكتبة الوطنية ).
  2. 2. ميخائيل الصباغ، تاريخ الشيخ ظاهر العمر الزيداني حاكم عكا وبلاد صفد، حريصا: صيدا، 1935.
  3. 3. جرجي يني، ظاهر العمر، مجلة المقتطف، 28 (1903)، 317-323، 375-381، 462-466.
  4. 4. نعمان قساطلي، ملخص تاريخ الزيادنه، مجلة الجنان (1877)، 847-853.
  5. 5. عيسى اسكندر المعلوف، تاريخ الشيخ ظاهر العمر الزيداني، مجلة المشرق، 24 (1926)، 539-560.
  6. 6. سجل الكنيسة المارونية (الناصره).

وأما المصادر الأولية الأجنبية المهمة في هذا الموضوع فهي:

  1. Henry Maundrell, A Journey from Aleppo to Jerusalem at Easter 1697, London: J. White and Co. 1810.
  2. 2. Richard Pococke, A Description of the East and Some Other Countries, Printed for the Author by W. Bowyer, London, 1745.
  3. Giovanni Mariti, Travels through Cyprus, Syria and Palestine with a General History of the Levant, Translated from the Italian, Dublin 1792, 2 vols.

4.C(onstantin)-F(rançois de) Volney, Travels Through Syria and Egypt in the Years 1783, 1784 and 1785, London: G.G.J. and J Robinson, 1788, 2 vols.

وأشير للدراسات الأكاديمية التالية:

  1. Mahmoud Yazbak, “Europe, Cotton and the Emergence of Nazareth in 18th-Century Palestine,” OrienteModerno: European Journal of Turkish Studies, 93 (2013), pp. 531-546.
  2. 2. Mahmoud Yazbak, “The Politics of Trade and Power: Dahir al-‘Umar and the Making of Early Modern Palestine,” Journal of Economic and Social History of the Orient, 56 (2013), 676-736.

3.Joudah, A. H, 1987. Revolt in Palestine in the Eighteenth Century: The Era of ShaykhDahir al-Umar. Princeton, N.J.: Kingston Press.

عن adminh