الرئيسية / ذاكرة مكان / الخليل / الخليل تراثٌ وحضارة، واقعٌ وتحديات … نواف الزرو

الخليل تراثٌ وحضارة، واقعٌ وتحديات … نواف الزرو

ذاكرة مكان: الخليل تراثٌ وحضارة، واقعٌ وتحديات

 

سطْوٌ تراثي وتطهيرٌ عِرْقي

*نواف الزرو

*مؤرخ وباحث متخصص في شؤون الصراع العربي-الصهيوني، الأردن.

 

لا تقل أهمية مدينة الخليل الحضارية والتراثية والجغرافية والسياسية عن أهميتها الدينية، وتحتل في الوعي والذاكرة الوطنية الفلسطينية مكانة بارزة، غير أن ذلك الإجماع الوطني الفلسطيني حولها، يُواجه في الكيان الصهيوني، بشبه إجماع سياسي حول اعتبارها “مدينة الآباء والأجداد” و “يحق لليهود السكن فيها”.

   على أرضية هذين الموقفين المتناقضيْن، المتعارضيْن، المتصارعيْن، شهدت المدينة على مدى سنوات احتلالها الماضية، مشاريع ومخططات وحملات استيطان وتهويد وإرهاب احتلالي مستمرة مسعورة، ومسيرة نضال وتصد وتضحيات فلسطينية متصلة ذودًا عن عروبتها وإسلاميتها.

 

عملية ذبح منهجية للتاريخ والحضارة

تتعرض الضفة الغربية عامة، ومدينتا القدس والخليل خاصة إلى هجوم استعماري استيطاني تهويدي صهيوني كاسح يهدف بالعنوان الكبير الصريح إلى تدمير مقومات الاستقلال الفلسطيني وتهويد وتطويب الضفة والمدينتين المقدستين تحت السيطرة والسيادة الإسرائيلية إلى الأبد.

في سياق ذلك كان (شارون) قد وضع مدينة خليل الرحمن بعد المدينة المقدسة، على قمة أجندته التهويدية، لدرجة انه اعتبر أن الجيب الاستيطاني في الخليل ورقة استراتيجية بيد إسرائيل، وهذا الأمر ينطوي على مضامين ودلالات وتداعيات بالغة الخطورة على مصير المدينة. ولعل قراءة أهم عناوين المشهد الماثل على أرض الخليل يشرح لنا المغازي والمخاطر الحقيقية وراء أن تكون الخليل ورقة استراتيجية. فالاستيطان اليهودي في الخليل هو أولا وقبل كل شيء استعمار وسلب ونهب وسطو مسلح ومصادرات وجدران عنصرية وحصارات وأطواق وحواجز وقمع وتنكيل، والأخطر أنه اجتثاث واقتلاع وإلغاء وترحيل -ترانسفير- لأصحاب الأرض والوطن والتاريخ والتراث.

المدينة القديمة وفق جملة من التقارير الفلسطينية والأجنبية تتعرض إلى عملية ذبح منهجية للتاريخ والحضارة والتراث والوجود العربي فيها. فالمدينة تحولت إلى معسكر اعتقال للفلسطينيين هناك، وتتعرض على مدار الساعة الى اعتداءات المستوطنين الإرهابيين المدججين بالأسلحة تحت سمع وبصر وغطاء الجيش. وحرب الاستيلاء على المنازل العربية هناك لا تتوقف ابدا. والجيش والمستوطنون عبارة عن حكومتين تبطشان بأهل المدينة بيد واحدة، إذ اقترف المستوطنون على سبيل المثال لا الحصر نحو ألف عملية مداهمة و107 هجمات على أهالي البلدة القديمة خلال ستة أشهر فقط. فالبلدة القديمة باتت في ضوء كل ذلك الوجه الحزين لمدينة الخليل.

 

حملات سطو تراثي ضد الحرم الابراهيمي

منذ أن أعلن نتنياهو عن خطته المشهورة  لإحياء وصيانة ما أطلق عليه “المواقع التراثية التهويدية”، وجّه اللوبي “من أجل أرض إسرائيل” في الكنيست رسالة إليه، يطلبون منه فيها أن يضم ضمن خطته لتأهيل المواقع التراثية مواقع أثرية في أنحاء الضفة الغربية. وجاء في فحوى الرسالة: “عدد كبير من المواقع التراثية المهمة لشعبنا تتواجد في أراضي الضفة الغربية، ومن اللائق ضم هذه المواقع التراثية إلى خطتك هذه” وتضمنت الرسالة أيضا مطالبة اللوبي لنتنياهو بـضم مواقع تراثية في خطته، منها حسب العقيدة اليهودية: الحرم الإبراهيمي في الخليل، وقبر راحيل في مدينة بيت لحم، وقبر يوسف في نابلس، وأيضا قبر النبي شموئيل. كما طالب أعضاء الكنيست بضم عدد من المواقع الأثرية في جبل الخليل بالمدينة القديمة ومغارات “كومران” في البحر الميت، وجبل عيبال في شمال مدينة نابلس، وجبل جرزيم “النار” جنوب مدينة نابلس، وموقع القطار في قرية سبَستيا، ومنطقة سوسيا في الخليل”. وقال أعضاء الكنيست في رسالتهم: “هذه المواقع ليس لها بديلا، وهي أساس بقاؤنا كشعب”، مؤكدين على أهمية وضرورة تأهيل وتقوية الصلة بها، لأنها –وبحسبهم- تضمن مستقبل شعب عاد لأرضه بعد ألفي سنة من الاغتراب.

الجدير بالذكر أن اللوبي “من أجل أرض إسرائيل” يضم 39 عضو كنيست من كتل اليمين وكُتل الحريديم “اليهود الأرثوذكس”، ويعمل بالتعاون مع منتدى مشترك يضم جهات غير برلمانية من المستوطنين، بما فيهم مجلس المستوطنات ومنظمة حقوق الإنسان في المستوطنات، ومنتدى أعضاء الليكود في مستوطنات الضفة الغربية ولجنة المستوطنين.

يدَّعي المستوطنون أن لهم حقا توراتيا في الخليل، وكثيرا ما يتحول التوتر بين الإسرائيليين والفلسطينيين الى أعمال عنف. ولا تزال ذكريات المذابح عالقة في أذهان الطرفين. ويعتبر مستوطنو الخليل أنفسهم روادا يعيدون إنشاء مجتمع هجره أفراده بسبب مذبحة مات فيها 67 يهوديا على يد العرب عام 1929. ومنعت السلطات البريطانية التي كانت تحكم فلسطين آنذاك اليهود من العودة.

وعلى هذه الخلفية الأيديولوجية المزعومة، قال عضو الكنيست الدرزي الليكودي المتصهين “أيوب قره” والذي شارك في الاحتفالية التي أقامها آلاف اليهود المتطرفين في الخليل بمناسبة الإعلان عن الحرم الإبراهيمي كموقع تراثي يهودي: “إن الجموع التي حضرت الاحتفالية تشكل الضمانة والدليل على أن لا أحد يستطيع إجبارنا على ترك الخليل والحرم الإبراهيمي”. ودعا نتنياهو إلى القول “لا” كبيرة للرئيس الأميركي أوباما ونعم كبيرة لشعب إسرائيل الذي يؤم الخليل بجماهيره الغفيرة، ويجب منح الإذن باستئناف الاستيطان في أرجاء البلاد. وتطرق أيوب قره الذي حاول إظهار موقف متشدد يفوق في تشدده جموع المتطرفين إلى الطائفة الدرزية قائلا: “لقد حافظنا على أرض إسرائيل حين كان شعب إسرائيل في المهاجر وسنحافظ عليها سويا مع شعب إسرائيل الآن وفي المستقبل”.

وفي وقت سابق، شارك نحو 20 ألف مستوطن في احتفال بمناسبة ضم مسجد الحرم الإبراهيمي لقائمة “الميراث الإسرائيلي”، وجرى الاحتفال في الحرم بمشاركة أعضاء في الكنيست ونواب ووزراء من الأحزاب اليمينية بما فيها حزب “الليكود”، وأشارت مصادر محلية، إلى أن هذا الاحتفال شهد تجمعا لليهود يفوق ما شهده في السنوات السابقة، نتيجة لإعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي باعتبار الحرم الإبراهيمي كموقع تراث يهودي.

ولاحقا، وفي السياق الاحتفالي كذلك، أقام لواء “جفعاتى” التابع لجيش الاحتلال الإسرائيلى، حفل تخريج دورة تأهيلية لمجندين جدد انضموا إليه داخل الحرم الإبراهيمى فى مدينة الخليل، كخطوة استفزازية للفلسطينيين ومشاعر المسلمين فى العالم، وأوضحت صحيفة يديعوت أحرونوت أن الحفل بدا وكأنه مهرجان عسكرى عادى، حيث تنقل قائد الكتيبة بين الجنود، بينما أكد المتحدثون أن هذا الاحتفال غير عادى لأنه يقام داخل باحات الحرم الإبراهيمى، أحد المواقع الأثرية الإسلامية، فيما قام أهالى الجنود بالتقاط الصور التذكارية مع أبنائهم. وقال أحد الجنود الذين تخرجوا من هذه الدورة: “إن الأجواء كانت رائعة وأن على كل جندى أن يقوم بزيارة الحرم الإبراهيمى”.

كما أقام المستوطنون حفلا صاخبا في باحات المسجد الإبراهيمي الشريف استخدموا فيه الألعاب النارية والموسيقى الصاخبة وسط حلقات الرقص، وذلك ضمن حفلاتهم السنوية التي تقام في مناسباتهم الدينية، ودعوات وزرائهم لتكثيف زيارة المغتصبين إلى الحرم ضمن سلسلة سياسات المصادرة والضم التي تمارسها حكومات الاحتلال ضد أملاك الفلسطينيين في المدينة، وتجمع مئات المستوطنين أمام الجيب الاستيطاني “أبراهام أبينو” في قلب الخليل، وعقدوا أيديهم وقاموا بأعمال رقص وعربدة وانطلقوا يرشقون الفلسطينيين ممن تبقى في البلدة القديمة، ويوجهون إليهم أقذع الشتائم وسط دعوات عنصرية لقتل العرب، والمسيرات جابت شارع السهلة، وشارع الشهداء وشارع الإخوان المسلمين، وقد ردد المشاركون فيها عبارات التنديد والتهديد ضد الفلسطينيين.

وخلال تلك المسيرات هاجم المستوطنون عدة أحياء في البلدة القديمة، منها: حي تل الرميدة وباب الزاوية وشارع الشلالة القديم ومربع السوق وحي جابر ومحيط مغتصبة حجاي، حيث هاجموا المنازل بالحجارة والزجاجات الفارغة وحطموا نوافذها واعتدوا على سكانها، كما هاجموا سيارات الفلسطينيين المتواجدة في الأحياء المذكورة وحطموا زجاجها وفرضوا حالة من الرعب والخوف ضد المواطنين. يضاف إلى كل ذلك ما يقوم به جيش الاحتلال إلى جانب المستوطنين من اعتداءات على المساجد والأماكن التراثية الفلسطينية.

 

تطهير عرقي مُبيَّت ومحموم

   ترتقي حملات التهويد الشامل في مدينة الخليل إلى مستوى التطهير العرقي  بالشهادات الموثقة، فيقول رئيس وحدة المراقبين الدوليين في الخليل “يان كريستنسن” الذي انهى خدمته: “إن هناك عملية تطهير تستهدف الفلسطينيين في المنطقة”، وجاء في تقرير لمنظمة “بتسيلم” في هذا الصدد: “إن 43% من سكان قصبة الخليل أجبروا على مغادرتها بسبب الاعتداءات.” يضاف إلى ذلك أن هناك عملية ترانسفير تجري جنوب جبل الخليل تمهد لعمليات ترحيل كبيرة في المستقبل. أما عن منهجية تعطيل الدراسة والتعليم في المدارس والجامعات فحدث بلا حدود.

وفي سياق المضامين أعلاه وصفت جمعية إسرائيلية مرموقة ما يحدث بالخليل على أنه تطهير عرقي مؤكدة أن المدينة القديمة المغلقة بشكل شبه دائم بوجه الفلسطينيين لحماية المستوطنين أصبحت منذ سنوات مدينة أشباح، وأن الجيش يعترف بأن المستوطنين يقتحمون مبان بشكل غير شرعي، ويمتنع عن إخلائهم لعدم إشعال المدينة.

ولعل ذلك التقرير الصادر عن جماعتين حقوقيتين إسرائيليتين معنيتين بحقوق الفلسطينيين في الأراضي المحتلة يكثف لنا المشهد الماثل في مدينة خليل الرحمن حينما يوضح أن القمع الإسرائيلي للفلسطينيين بمدينة الخليل في الضفة الغربية أجبر الآلاف منهم على مغادرة بيوتهم وتجميد أعمالهم التجارية، ويقول التقرير الذي أصدرته جمعيتا “بتسيليم” و”حقوق الإنسان في إسرائيل”: “إن أكثر من أربعين في المائة من الفلسطينيين الذين كانوا يسكنون في مركز مدينة الخليل الخاضع للسيطرة العسكرية الإسرائيلية قد أجبروا على النزوح من دورهم، كما أجبرت أكثر من 75 في المائة من المحلات التجارية على إغلاق أبوابها”. ويردف: “إن النزوح الفلسطيني من قلب مدينة الخليل جاء نتيجة السياسة الإسرائيلية المبنية على الفصل بين العرب واليهود والمعاناة المفروضة على الفلسطينيين”، مشيرا إلى “أن المستوطنين يسيطرون على مركز المدينة حيث يعيش زهاء 650 منهم تحت حماية مشددة بينما يعيش الفلسطينيون البالغ عددهم 160 ألف نسمة على باقي المدينة” موضحا: “أن 1014 منزلا فلسطينيا على الأقل، أي حوالي 42 في المائة من المنازل في مركز المدينة، أصبحت غير مأهولة”.

البلدة القديمة

كل شيء مباح للمستوطنين

تفاقمت المعاناة في المدينة إلى درجةٍ وصفها أحد التقارير بأن كل شيء مباح للمستوطنين. وأبرز جرائم الصهاينة التي ما زالت البلدة القديمة تتعرض لها، هي هدم منازل المواطنين ومنشآتهم الخاصة أو الاستيلاء عليها، وإغلاق الشوارع، وإغلاق مئات المحال التجارية وطرد أصحابها، وحظر التجوال لفترات طويلة. وتلحق بذلك البوابات الحديدية والإلكترونية التي وضعتها قوات الاحتلال، ونقاط المراقبة العسكرية فوق أسطح مبانٍ مسكونة، والكثير من الحواجز الإسمنتية والترابية فضلاً عن الحواجز الثابتة. وإذا ما أُضيفت إلى ذلك كله استفزازات المستوطنين أنفسهم، فإنّ ذلك جعل التحرك في بلدة الخليل القديمة أشبه بالمشي وسط حقل من الألغام، وهو ما أجبر الكثير من الفلسطينيين على مغادرتها محاولين الانعتاق من السجن الكبير وضائقة الحياة العسيرة المفروضة عليهم قسراً.

 

عقود من الاحتلال والاستيطان والتهويد

يذكر تقرير فلسطيني في هذا السياق أوضاع الخليل بعد عقود طويلة من الاحتلال قائلا :”أعوام طويلة عاشها أبناء المدينة وخاصة المجاورين للمستوطنات والبؤر الاستيطانية مع فوهات البنادق، فلكل واحد منهم قصة وحكاية، إلا أنها لم تغير من مأساتهم وآلامهم شيئا بل زادت اعتداءاتهم بإلقاء الحجارة والقاذورات وضربهم ومصادرة أراضيهم وسرقة ثمارها وإطلاق الأعيرة النارية وإضرام النار عليهم وأصبحت جزءًا من حياتهم اليومية”. ويقول خبير الخرائط والاستيطان في الخليل عبد الهادي حنتش: “إن الاستيطان في الخليل بدأ عام 1968م، عبر إقامة أحزمة استيطانية استكمالا لمشروع الخليل العليا الذي أقرته الحكومة الإسرائيلية، وبموجبها تم إنشاء أول مستوطنة على مشارف المدينة وهي مستوطنة كريات أربع تمهيدا لتطويق مدينة الخليل ومحاصرتها جغرافيا وسكانيا”، مضيفا: “ولتحقيق ذلك صودرت مساحات واسعة من الأراضي حول المدينة لإقامة مستوطنة كرمئيل ومستوطنة ماعون على أراضي بلدة يطا جنوبا، ومستوطنة متسفي جبرين على أراضي قرية ترقوميا غربا، ومستوطنة تشيغوت على أراضي قريتي صوريف وبيت أمر شمال غرب المدينة”.

يقدم حنتش المزيد من التفاصيل قائلا:” تحت ستار إعادة بناء الحي اليهودي الذي كان قائما في المدينة وجرى تدميره عام 1929م، جاءت فكرة إعادة إحياء الاستيطان اليهودي في الخليل بعد عام 1967م، وفي آب عام 1970م، أصدر الحاكم العسكري للضفة الغربية أمرا بمصادرة أراض مساحتها 1200 دونم شمال شرق مدينة الخليل لإقامة النواة الأولى لمستوطنة كريات أربع، واستمرت المستوطنة في التوسع على حساب الأراضي العربية المجاورة لها حتى بلغت أكثر من ثمانية آلاف دونم، وتم إغلاق ومصادرة مساحات كبيرة من الأراضي شمال المستوطنة تمهيدا لتوسيعها، وفي نيسان 1979 قادت مريم ليفنغر زوجة الحاخام ليفنغر مسيرة نسائية للاستيطان في قلب الخليل، واستقرت النسوة في بيت هداسا”.

أضاف تقرير فلسطيني آخر المزيد من المعطيات عن واقع الخليل قائلا: “تتجدّد يوميا ومنذ أكثر من أربعين عاما، ملامح النكسة في مختلف أرجاء محافظة الخليل بالضفة الغربية عموما وفي البلدة القديمة على وجه الخصوص، وتتنوّع أشكال النكسة المتجسدة على الأرض في الخليل بين إذلال المواطنين ووضع اليد على ما تبقى من البيوت والمنازل الفلسطينية المجاورة للتجمعات الاستعمارية المقامة إلى جانب عشرات الدونمات من الأراضي التي صادرتها سلطات الاحتلال الإسرائيلي”.

وعلى صعيد مكمل يتعلق بالاعتقالات الاحتلالية لأبناء المدينة، وصف تقرير فلسطيني المدينة بأنها “مدينة منكوبة اعتقاليا”، وتشكل محافظة الخليل وحسب إحصائيات نادي الأسير الفلسطيني أعلى نسبة من المعتقلين بين محافظات الوطن. وقال أمجد النجار، مدير نادي الأسير في الخليل: “إن أعداد المعتقلين في محافظة الخليل فاق خلال عام عدد المعتقلين في الضفة، ونوه إلى ظاهرة اعتقال الأشقاء، مشيرا  إلى أن هناك حملة اعتقالات ضد الأشقاء في محافظة الخليل بالجملة، وأن ما نسبته 15% من معتقلي الخليل هم أشقاء، وأشار إلى أنه تم اعتقال أكثر من ربع مليون مواطن في محافظة الخليل منذ بداية الاحتلال، وما يقارب 25 ألف أسير خلال انتفاضة الأقصى، تبقى منهم 2700 معتقل، وهي أعلى نسبة على مستوى الوطن، وأوضح أن أعلى نسبة معتقلات في الضفة الغربية من محافظة الخليل أيضا، حيث تم اعتقال 45 أسيرة منذ بداية انتفاضة الأقصى بقيت منهن 22 أسيرة موزعات في سجون الاحتلال: تلموند والجلمه وهشارون.

إن الأمور في البلدة القديمة أسوأ من ذلك وتشبه إلى حد كبير معسكر غوانتنامو كما وصفها الشيخ إبراهيم صرصور، رئيس الحركة الإسلامية الجناح الجنوبي في فلسطين  قائلا: “كأننا ذاهبون إلى معسكر غوانتنامو، فكل شيء مغلق فيها وسكانها يعيشون في جيتوهات وكانتونات. حتى السماء مغلقة، وإذا لم يُتدارك الأمر في بلدة الخليل القديمة فإنها وخلال فترة قصيرة ستتحول إلى مدينة يهودية”.

 

استهداف أطفال مدارس بلدة الخليل القديمة

في سياق التصعيد المنهجي المبيت للمستوطنين تحت حماية الجيش ضد الأطفال، تطورت الأمور إلى مستوى دورة يومية من عمليات التنكيل والاستهزاء والعقاب  يتعرض لها الأطفال، كما كتب المحلل الإسرائيلي أمير بوحبوط -في معاريف- مضيفا شارحا للأمر: “درج الجنود على التشدد الزائد في الفحوصات التي يجرونها على الأطفال الفلسطينيين الذين يمرون في الحاجز القائم في “تل رميدة” في الطريق إلى المدرسة، بل ويجعلونهم يمرون في نوع من “دورة تربية” تتضمن عقوبات تقترب من التنكيل، وفي إحدى الحالات، كما تروي نساء “محسوم ووتش” قرر أحد الجنود المزاح مع طفل فلسطيني صغير أمسك بيده وقال: “ارقص وغني معي أغنية شعب إسرائيل حي”.

شهدت مدينة الخليل حملة استهداف مبرمجة من قوات الاحتلال الصهيوني والمغتصبين ضد المدارس وطلبتها في البلدة القديمة، تمثلت في اقتحام المدارس واعتقال طلبة منها، والاعتداء عليهم بالضرب، وأرجعت المصادر الاعتداءات الصهيونية إلى أن الطلبة وإصرارهم على الدراسة في مدارسهم الواقعة في قلب المدينة القديمة المهددة بالتهويد ومحيط الحرم الإبراهيمي، بات أمرًا مزعجًا للجنود ودولتهم العنصرية.

وفي مقابل الاعتداءات الصهيونية على المدارس، سمحت قوات الاحتلال للمستوطنين بالبدء في إنشاء مدرسة يهودية دينية في قلب ما تعرف بالبؤرة الاغتصابية “بيت رومانيو” في قلب مدرسة أسامة بن المنقذ التي احتلها المغتصبون قبل أكثر من عشرين عامًا، كما سمحت لهم بوضع حجر الأساس لبناء روضة للأطفال الصهاينة في قلب البلدة القديمة قرب البؤرة الاغتصابية “أبراهام أفينو”، فيما تمنع المدارس الفلسطينية من الترميم أو البناء.

يتعرض طلاب وطالبات المدارس لعملية ترويع ممنهجة أثناء ذهابهم وإيابهم إلى مدارسهم في البلدة القديمة، خاصة تلك التي تقع تحت السيطرة الأمنية الصهيونية. وكنماذج صارخة على ملاحقة الأطفال، فقد اعتقلت قوات الاحتلال طفلين في الحادية والثانية عشرة، وهما من حي تل الرميدة وسط مدينة الخليل، وذكرت مصادر محلية أن الطفلين إبراهيم وشريف أبو عيشة وأثناء عودتهما لمنزلهما المجاور لمستوطنة “ايلي يشاي”، اعترض طريقهما أحد أطفال المستوطنين وقام بتكسير قفص للعصافير كان بحوزتهما، ما أدى لجرح المستوطن، وهرعت قوات الاحتلال للمكان وقامت باعتقال الطفلين ونقلتهما لمركز الشرطة للتحقيق معهما. وفي حادثة أخرى، سلم جنود الاحتلال الإسرائيلي في العاشر من تموز/2010  طفلا فلسطينيا في السابعة من عمره من منطقة الخليل أمرا يتضمن استدعاءه للتحقيق معه من قبل الشاباك، في “قاعدة التنسيق والارتباط في غوش عتسيون”، حيث وصل ثلاثة من الجنود إلى بيت عائلة زعقيق في بيت أمّر شمال الخليل، وسلموا العائلة الاستدعاء. ورغم أن والد الطفل أبرز بطاقته الشخصية التي تشير إلى تاريخ ميلاده (17/09/2002)، إلا أن الجنود سلموه أمر الاستدعاء للتحقيق، والمكتوب باللغة العبرية!.

ذهبت قوات الاحتلال إلى أبعد من ذلك، فاعتقلت الطفلة سهاد نضال زيد العويوي (13عاما) من منزلها في البلدة القديمة من مدينة الخليل. وأفادت والدة الفتاة، بأن قوة من جيش الاحتلال اعتلت منزل العائلة وأخرى حاصرت المنزل، وقامت باعتقال الطفلة التي كانت على سطح المنزل، بحجة رمي الحجارة على المستوطنين، وأشارت إلى أن جنود الاحتلال اعتدوا على عائلة الفتاة بالضرب عندما حاولت منع الجنود من اعتقالها، في حين أصرت خالة الفتاة على مرافقتها بعد أن أغمي على الفتاة الصغيرة من الخوف، واقتادوها إلى كريات أربع للتحقيق معها. وأفرجت سلطات الاحتلال عن الطفلة سهاد بعد احتجاز دام لخمس ساعات لم تشفع لها براءتها ولا كونها طفلة لم تدرك بعد حجم الحرب التي يتعرض لها أقرانها في مدينة الخليل، ولم يفرج عنها إلا بعد تعهد مكتوب وقعت عليه لضمان عدم المساس بأمن الجيش والمغتصبين في الخليل!.

وعن تعطيل الحياة في البلدة القديمة للخليل، أفاد تقرير فلسطيني بأن حوالي 1500 محل تجاري مغلق بأمر من الاحتلال في شارع الشهداء ومحيط الحرم الإبراهمي بالخليل منذ مجزرة الحرم قبل 15 عاما، وأصحابها ممنوعون من الوصول إليها وفتح محالهم مما كبدهم خسائر باهظة تقدر بالملايين وأثرت سلبا على اقتصاد محافظة الخليل برمتها.

خاتمة

على الرغم من أن سياسة السطو التراثي والتطهير العرقي ضد أهل الخليل، سياسة راسخة محمومة متصلة تقف وراءها كافة الحكومات والقوى السياسية الإسرائيلية من أقصى يسارها إلى أقصى يمينها، وتتكامل فيها ممارسات دويلة المستوطنين الإرهابية مع سياسة الانتهاكات والاعتداءات والعقوبات الجماعية التي تنفذها أذرع الدولة الاحتلالية، إلا أن أهل الخليل يسطرون على مدار الساعة المزيد والمزيد من القصص والملاحم البطولية في مواجهة الاحتلال في مخططاته لتهويد المدينة، والسطو على تراثها الحضاري، وإلغاء طابعها وهويتها العربية الإسلامية.

عن adminh