الرئيسية / معالم تراثية / وادي فينان وصناعة النحاس … محمد جميل سالم
The idyllic 26-room lodge resting in the magnificent Wadi Feynan

وادي فينان وصناعة النحاس … محمد جميل سالم

وادي فينان

وصناعة النحاس

محمد جميل سالم

كلية الآثار / جامعة اليرموك

Wadi Feynan وادي فينان

بالهدوء، والدقة، والصبر المعهودينَ عند علماء الآثار، يتم حاليا الكشف التدريجي عن موقع أثري استثنائي، قد يؤدي في حال تم إثبات الملاحظات والنتائج الأولية الناتجة عنه، إلى إحداث تغيير ملموس في الدراسات الأثرية حول المنطقة. هذا الموقع الفريد موجود في وادي فينان الغني بالمعادن في جنوب الأردن، وعمره 11,600 سنة، أي ما قبل عصر الزراعة بحوالي أربع آلاف سنة، ويمثل دليلا على تجمع بشري، وساحة للنشاطات العامة: دينية، واجتماعية، وصناعية. وفي حال ثبت تاريخ الموقع علميا وبشكل مؤكد، فإن ذلك  – في ظنِّي- سيقلب معرفتنا عن الحضارات القديمة رأسا على عقب. وقد يصبح واحدا من أهم المواقع الأثرية في التاريخ، وكنزا سياحيا من الدرجة الأولى.

إن تقنيات الإنسان الأولى تتمثل في أدوات بسيطة صنعها من الحجر، وأسهمت في تعاطية مع البيئة المحيطة، وكان دافعه إلى ذلك، الحاجة وصراع البقاء. ومع الألف الرابعة قبل الميلاد كان جنوب الأردن على موعد مع فينان الغنية بالمعادن، فحفر أفران الصهر على درجات حرارة عالية، فصهر النحاس، واستبدل به أدواته الحجرية، وقد غدت البيئة من حوله مطواعة لأدواته الجديدة أكثر مما سبق.

لقد ظل المكان عامرا منذ العصور البرونزية، والحديدية فيما بين ألفين ومائتين، وألف وثمانمئة عام قبل الميلاد، حيث انتقل الإنسان في هذه العصور من استخدام الحجر إلى التعدين. فصهر سكان المنطقة – آنذاك – النحاس في أفران ضخمة ما زالت شواهدها ماثلة، تحكي قصة التحولات الكبرى في الشرق الأدنى القديم، الذي أدركت الأمم أهميته فتعاقب على المكان الرومان، والأنباط، والبيزنطيون، والعرب المسلمون على تتابع عهودهم.

تعددت الأسماء، والمكان واحد

Feynan, Faynan, Feinan, Finan, Fenan, Fienan, Fanan))

(Pinon / Punon/ Phaino)

ذكرت فينان بأسماء عديدة في العصور المختلفة، وكلَّ اسم يكشف عن جوانب من التاريخ الغني للمنطقه وسكانها، وهو جزء من وادي عربة الغني بالمواقع  والثروات.

سُكنت  المنطقة منذ 12,000 سنة، أي قبل العصر الحجري الحديث. غير أن الكتابة لم تكن قد بدأت – آنذاك –  ولم تكن هناك سجلات تصف سكان المنطقة. وأول اسم معروف ذكر حوالي 1,200 سنة قبل الميلاد (Pinon / Punon) عندما بدأت فينان بتطوير المكان كمركز مبكر لصناعة النحاس في العصر الحديدي، حيث كانت المنطقه تحت سيطرة مملكة أدوم،   وذكرت المنطقه ثلاث مرات في العهد القديم بهذا الاسم.

سمَّاها الرومان والبيزنطينيون منطقة  (Phaino) وخلال هذه الفترة، راهنت فينان على مكانتها في خريطة العالم ،باعتبارها واحدة من أهم مراكزمناجم  النحاس الروماني، حيث عمل العاملون فيها تحت ظروف قاسية وخطيرة.

واسمها الحالي Feynan (فينان)  هو الاسم المتداول والمعروف لدى المجتمعات المحلية من البدو الذين ما زالوا يعيشون في جميع أنحاء الوادي) وادي فينان). وهناك أربع قبائل رئيسة تعيش في المنطقة،  وكلهم من البدو، يسكنون الصحراء في الخيام المصنوعة من شعر الماعز الأسود المميز) بيت الشعر)، ويمارسون الرعي، ويُخيِّمون في الوادي في فصل الشتاء.

 

مكونات الموقع الرئيسة

يتكون موقع فينان الأثري من الأجزاء الآتية:

  1.  المستوطنة) بيوت الصناع).
  2.  مدرج فريد من نوعه يعود إلى العصر الحجري الحديث .
  3.  القصر الروماني .
  4.  البركة النبطية.
  5.  طاحونة الماء المميزة.
  6.  أماكن طحن خامات النحاس، وأماكن استخراجه) مناجم النحاس).
  7.  حفرات لصهر الألغام مصنوعة من الفخار والطين.
  8.  محمية ضانا الطبيعية.
  9.  نُزُل فينان البيئي.

 

فينان أطول سلسلة استيطان عبر التاريخ  

  العصر الحجري الحديث

لقد كانت واحدة من أكبر المفاجآت الأثرية أثناء التنقيب، العثور على قريتين تبعدان عن بعضهما بعضا مسافة 100م، في وادي فينان،  وتعودان إلى العصر الحجري الحديث ما قبل الفخاري، وقد تم تأريخهما بواسطة الكربون المشع، بأنهما تعودان إلى 10,900  سنة قبل الميلاد. ودلَّت التنقيبات على أن السكان كانوا يستخدمون النحاس المتواجد بكثافة في تلك المنطقة، واستغلوا خاماته الحرة محليا في صناعات بسيطة، مثل: صنع الخرز، وربما الأصباغ.  وقد تم كشف ذلك من خلال بعثة دائرة الآثار العامة، والفريق الألماني ، وفريق من جامعة نيفادا.

  العصر النحاسي

ارتبط اسم هذا العصر ببدايات استخراج عنصر النحاس من باطن الأرض في وقت مبكر. وتظهر بقايا القرى المحيطة بفينان أدلة عن وجود ورش عمل لإنتاج النحاس، فضلا عن غيرها من الحرف اليدوية، مثل: الخرز، وصناعة الفخار والنسيج. وتكشف التنقيبات في أكبر المواقع في المنطقة عن وجود خط إنتاجٍ لتصنيع القطع النحاسية في وقت لاحق، وعن وجود عدد من الألغام ومواقع الصهر في جميع أنحاء منطقة فينان، مما يُقدَّر بأن إجمالي ما كانت تنتجه مجتمعة حوالي 300- 500 طن من معدن النحاس في العصر البرونزي المبكر.

 العصر الحديدي

خلال العصر الحديدي  1,200 – 500سنة قبل الميلاد، زاد إنتاج النحاس في فينان زيادة كبيرة، ودخل نطاقا صناعيا. وارتبط هذا النشاط الصناعي مع المملكة الأدومية. وكان مركز هذا الإنتاج شمال وادي فينان، حيث وجد موقع ضخم، مع بقايا قلعة ومبان إدارية لحراسة المعدن النفيس. ووجدت العديد من الأفران، وأكثر من 250 لغما. وتقدر الكمية التي كان يتم إنتاجها من النحاس في العصر الحديدي بحوالي 6,500 –13,000 طن.

 

  الامبراطورية الرومانية

ارتفع حجم إنتاج النحاس في فينان في الفترة الرومانية، وفي نهاية القرن الأول الميلادي تقريبا، أصبحت واحدة من أكبر مراكز التعدين في شرق البحر الأبيض المتوسط. وكان المنجم الرئيس في المنطقة في منطقة أم العمد، حيث كانت أكبر منجم للنحاس في الإمبراطورية الرومانية.

مراحل استخراج النحاس

إن تاريخ تواجُد الإنسان الأول – إنسان الصيد والالتقاط – في منطقة وادي فينان يعود إلى  450,000  سنة، إلا أن إسهاماته الكبيرة كانت في العصر الحجري الحديث، الذي شهد تحولا أساسيا تمثل في انتقال الإنسان من الحياة البدائية إلى حياة الاستقرار، وبناء المنازل، وزراعة الأرض، وتدجين الحيوانات.

تمكنت عبقرية الإنسان القديم في وادي فينان من جمع خامات المعادن المتوفرة بكثرة في المنطقة، ومن ثم استخلاص وفصل خامة النحاس من خلال الاستدلال بلونها المميز، الأخضر المِزْرَق أو الجنزاري، وذلك بعد طحنها وتفتيتها، ثم يتم نقلها لتحرق. وكانت في البداية تُحرق في حفر. وتمت الاستفادة من الغطاء النباتي، ومياه الفيضانات في عمليات التبريد. إلا أن الحراره المتولده لم تكن تكفي، فلاحظ الإنسان في ذلك العصر أن اندفاع الهواء يؤدي إلى زيادة الاشتعال، وبالتالي يوفر الطاقة الحرارية اللازمة لعملية الصهر، فاستخدم القصب الطويل، لينفخ من خلاله في الحفرة حتى تكتسب الحرارة اللازمة، ووضع الطين في أعلى القصبة حتى لا تحترق. وفي مراحل لاحقة أصبحت عمليات الحرق والصهر تتم في الأفران الفخارية، التي يتم تزويدها بالوقود أو الفحم.

قيمة الموقع في التراث العالمي

إن النحاس هو أول معدن يتم تصنيعه في التاريخ، وخاصة في موقع وادي فينان، الذي لديه مقومات قوية جدا ليكون أحد مواقع التراث العالمي المهمة والمسجلة في اليونسكو، وذلك لأهميته وقيمته على المستوي العالمي. فالموقع شهد أقدم وأطول استيطان في التاريخ 11,600 سنة قبل الميلاد، وأول وأقدم تصنيع للمعادن  4,000 سنة قبل الميلاد، واستطاع إنسان ذلك العصر من التوصل إلى درجات حرارة عالية للصهر وصلت إلى 1,100 درجة مئوية، كما يوجد فيه مدرج فريد من نوعه يعود  إلى العصر الحجري الحديث، كما أن الموقع يمثل أفضل مواقع التعدين القديمة.

أما على المستوى المحلي، فإن أهمية الموقع وقيمته تكمن في الثروة المعدنية الموجودة فيه، والتي استغلها الإنسان عبر تاريخ المنطقة بحرفية ومهارة، ويمكن الاستفادة من هذه الحرفة الأصيلة لتحقيق التنمية المستدامة. كما يضم الموقع محمية ضانا الطبيعية، ونُزُل فينان البيئي.

 

 المراجع

  1. In G, Barker : 2007 The Wadi Faynan today : landscape , invironment , People. Oxford: Council of British Research .
  2. Levy T,E : 2009 The beginning of Iron age copper production in the southren levant :new evidence from Khirbat al- Jariyah , Faynan .
  3. HAUPTMAN, Anderson

2000 The Archaeometallurgy of cupper ( Evidence from , Jordan ) Museum Bochum

  1. Abu- Ajamieh M M, Bender F, Eicher R N

(1988) Natural Resources in Jordan , National Resource Authority, Amman .

  1.  ARCHAEOLOGY WORLD

Wadi Faynan , Copper Mine

Sep 07, 2005. Issue 13

عن adminh